بقلم: أحمد سليمان أبكر
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_توقف القصف المتبادل بين الطرفين المتقاتلين، فجدّ صابر وأبناؤه الثلاثة في ترميم تحصينات النوافذ التي تأثرت بالقذائف الطائشة هنا وهناك؛ فالمنزل يقع على خطوط التماس. لقد أنجزوا الترميم في وقت وجيز، ثم تفرقوا في أنحاء المدينة لتأمين قوتهم الأبيض ليومهم الأسود، وليس هنالك عمل محدد يقومون به، فقط يبحثون، فإذا صادف أحدهم أي عمل: حمّال، أو نادل ليوم واحد، أو غير ذلك من الأعمال؛ عمل بلا تردد.
فصابر، منذ أن اندلعت الحرب قبل ثلاث سنوات، فقد مكتبته التي كان يكسب منها قوته بعد أن احترقت معظم كتبها ومعداتها المكتبية، ولم تبقَ إلا كمية قليلة من الكتب
التي نقلها إلى مكتبته الصغيرة في المنزل، وقد كسد سوق المعرفة في المدينة تمامًا، فالكل مشغول بالبحث عن لقمة العيش لا غير. أما أبناؤه الثلاثة؛ وأكبرهم عمرو الذي كان في بداية مشواره الجامعي، وزيد الذي كان في الصف الثاني الثانوي، وعامر الذي كان في الصف السادس الابتدائي؛ فقد خسروا حظهم في التعليم بعد أن قضت الحرب على معظم المرافق الخدمية في المدينة، بما في ذلك المدارس والمعاهد والجامعات، وإن وجدتْ فلا أمن يُغري بالذهاب إليها. لقد خرج صابر
وأبناؤه للبحث عن أعمال حتى يتسنى لهم أن يشتروا بأجورها حاجيات الأسرة الضرورية قبل أن يتجدد القصف في أي لحظة.
بعد بحث مضنٍ، وجد صابر صاحب متجر كلّفه بنقل بضاعة من شاحنة نقل صغيرة إلى داخل المتجر. وبعد أن أنجز المطلوب، أعطاه التاجر أجرته حاجياتٍ، فأخذ
صابر حاجياته ثم قفل عائدًا إلى منزله. ولكن، فجأةً وهو في طريق عودته، وجد نفسه مندافعًا بين أناس يركضون إلى منازلهم، وسرب من الطائرات المسيّرة يحلق في
سماء المكان، ثم ما لبثت أن دوّت أصوات القنابل، وانطلق أزيز رصاص الرشاشات والمدافع المضادة للطائرات.
وبعد نصف ساعة من الاشتباك، توقف القصف واستوى الأمر، فخرج الناس إلى الحياة مرة أخرى، وقد بدوا ظلالًا رمادية تتحرك بصعوبة في تراخٍ وصمتٍ، وهم
يذهبون في الشوارع ويجيئون بلا هدف، عيونهم غائرة وخطومهم بارزة، يعاودون الذهاب إلى داخل منازلهم كأنما نسوا شيئًا، ليرجعوا دون أن يفعلوا شيئًا، فقدرهم
أن تكون مدينتهم الوديعة جبهة مفتوحة للنار والدمار.
دفعته غريزة البقاء إلى اللجوء إلى أقرب منزل، ففحص ذلك المنزل ووجده خاليًا من الحياة، ليس فيه غير أثاث محطم يكسوه الغبار. فطمأنه هذا الفحص كثيرًا، لأنه أكد له صحة ما توقع مسبقًا بأن هذا المنزل غير مأهول. وقبل أن يجمع شتات نفسه، ألقت طائرة نفاثة قذيفة هدت مدخل المنزل تمامًا، فكاد صابر أن يختنق بالدخان والغبار اللذين ملآ المكان، ولكن لحسن حظه أحدثت تلك القذيفة فجوة في السقف، فتصاعد معظم الدخان ممزوجًا بالغبار إلى أعلى.
التقط صابر أنفاسه، وأخذ يبحث عن مخرج يؤدي إلى الناحية الأخرى. عثر على ما كان لابد من العثور عليه:
باب صغير خفي، لكنه محكم الإغلاق، ولا سبيل لفتحه دون الاستعانة بأداة حادة وقوية. انتابه شيء من القلق؛ وهو يفكر بأنه يجب أن يفتح هذا الباب بأسرع ما يمكن، حتى لا تعود الطائرة، وتقذف المنزل ثانية، خاصة بعد أن تبين له، أن هذا المنزل لأحد الزعماء الكبار المناوئين للطرف الآخر؛ فلقد وجد صورة هذا الزعيم بين حطام الأثاث في غرفة من غرف المنزل.
همس صابر في نفسه: “ما العمل؟ ليس لدي ما يمكن أن يساعدني..” استعرض عقليًا ما تطاله يده، ويمكن أن يعثر في المطبخ على شيء يفيده. هرع إلى المطبخ، ووجد سكينًا، فأسرع بها عائدًا إلى الغرفة التي عثر فيها على الباب، ثم عالج فتح الباب طوال نصف ساعة دون جدوى. فخرج من الغرفة وهو يتصبب عرقًا، حائرًا ذاهلًا، جال ببصره في أنحاء المنزل، فرأى دهليزًا، سار فيه، وجده يؤدي إلى صالة رياضية. دخل الصالة، تمكن بجهد من نزع إحدى يدي الدراجة الثابتة، فأخذها وعاد بها إلى غرفة الباب الخفي، وبعد محاولات فاشلة زادته قلقًا، تمكن صابر في نهاية الأمر من فتح الباب بكل ما أوتي من هدوء وصمت، فخرج من سجنه الذي دخله باختياره، وقد بدأ الليل يخيم بصمت فوق المدينة التي ظلت لسنوات غارقة في الرعب، وغاصة بالخوف والترقب.
جدّ صابر في السير، ولم يبق بينه وبين المنزل سوى عبوره الميدن، تجدد القصف للمرة الثالثة بصورة أعنف جعلته يلوذ محتميًا بمدخل أقرب بناية. عاد أبناؤه قبل سواد الليل، فوجدوا أمهم قلقة مضطربة وهي تنتظرهم بفارغ الصبر لتطمئن عليهم، ولكن اضطرابها وقلقها ازداد عندما عادوا دون أبيهم. ومع إرهاقهم وتعبهم الشديد، أخذ القلق يتسرب إلى نفوسهم خشية أن يكون قد أصابَه مكروه، وما إن همُّوا بالخروج للبحث عنه حتى تجدد القصف بصورة عنيفة مصحوبًا بأزيز الطائرات المسيّرة التي غطت ماء المدينة بكثافة شديدة.
ظل صابر محتميًا بمدخل البناية، حتى هدأ القصف قليلًا، ثم اندفع بسرعة حتى أدرك المنزل، فما إن رأته زوجته حتى أقبلت عليه وهي تصرخ من شدة الفرح، فهرع إليه أبناؤه وقد تهللت وجوههم وهم يهنئونه بسلامة العودة.
اشتد القصف، فحثَّ صابر زوجته وأبناءه على مواجهة الخوف الغريزي الكامن في نفوسهم من الموت بتجاهله فلا يذكرونه إطلاقًا، بل يعمدون إلى تحويل أفكارهم في اتجاه آخر كلما لاح شبحه أمامهم، وأن يقفوا في وجهه متعمدين التهوين من شأنه بالتأمل والتفكير في قصر الحياة البشرية؛ وما زالوا كذلك حتى تحولت أهوال القصف إلى أنغام أعذب من همس الأزهار، وتبدلت مخاوفهم بأنس أطيب من طمأنينة العصافير، فناموا نومة قريري الأعين هانئين، وقد اعتادوا على ذلك سنين عددًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
