**حسن عبداللطيف ((ليبيا ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_بقلم من ينوب عن قلوب المحبين… هناك رجال لا يعبرون الحياة عابرين، بل يتركون فى طين الأرض أثرا، وفى وجدان الناس سيرة تشبه مواسم الخير؛ يمرون كالغيث، أينما حلوا نفعوا، وحيثما تحدثوا أسروا، ومن بين هذة القامات الشامخة التى نبتت فى أرض ودان الطيبة، يتلألأ أسم التربوي القدير، ورجل التراث، والخبير الإجتماعى الأستاذ/ محمد حسن بشير الحلو، مواليد 1948م، وأب لتسعة من الأبناء حفظهم الله، رجلٌ اختصر بمسيرته مفهوم العطاء، فغدا فى مدينته وخارجها منارة يهتدى بحكمتها.
بدأت الحكاية حين تخرج حاملًا فى قلبه وعقله أدوات التغيير الإجتماعى، دبلوم الخدمة الاجتماعية، وليسانس علم الإجتماع من جامعة قاريونس، ليبدأ رحلته الرسمية فى 25 سبتمبر 1972م لم يكن مجرد موظف، بل كان أخصائيآ اجتماعيآ يداوي شروخ المجتمع فى مديرية الشباب بمصراتة ومراقبة الجفرة. وعندما استدعى الواجب تمثيل الوطن، حمل نبل أخلاقه ليعمل ملحقا اجتماعيآ بالقنصلية الليبية بأغاديس فى جمهورية النيجر.
ولأن المعلم هو الباني الأول، عاد ليقود وحدة التفتيش التربوي ببلدية خليج سرت الجفرة، وبعدها تولى إدارة مدرسة ودان الثانوية ومعهد المعلمين والمعلمات من عام1981 الى 1985م، أجيالٌ كاملة مرت من تحت عباءته التربوية، نهلت من علمه، وتأدبت بأدبه، وتعلمت منه كيف يكون الإداري ناجحًا بقلبه قبل قلمه.
إذا جلست إلى الأستاذ محمد حسن الحلو، داهمك إحساس غريب بأنك أمام سيل من العاطفة والوعى عندما يتحدث، تحس بتفاعله الصادق مع كل حدث، تراه يتحاشى الكلمات الجارحة كمن يتجنب الأشواك، يراعي أحوال مخاطبيه، يسكب كلماته بشفافية ووضوح، وينثر العطور والسرور فى أى محفل يشهده، هو رجل شعبي بإمتياز، بوصلته دائمًا متجهة نحو الطبقات المستضعفة. تجده في كل زاوية من زوايا المدينة: يسأل، ويستفسر، وينصح، ويرشد، ويدل، ويوجه، لم يشغله شاغل عن متابعة شؤون بلدته، يشارك فى ندواتها، ويقترح الحلول لمعضلاتها، ويعمل بجد بنية صادقة وروح طيبة قلما تجد لها مثيلًا في هذا الزمان، لكن الوجه الأكثر سحرا فى سيرة هذا الرجل، هو مساحته الخاصة مع النخلة، فى معارض التمور والندوات والمؤتمرات الزراعية، لا تبحث عنه إلا فى الجناح الأول.
الأستاذ محمد حسن الحلو، ليس مجرد هاوٍ أو جامع للمعلومات، بل هو كاشف أسرار النخلة والعراب المداوي لأمراضها…النخلة فى وجدانه ليست مجرد شجرة أو مصدر للغذاء، بل هى مرآة للإنسان. دائمآ ما يتردد على لسانه: النخل والإنسان تشابها فى الجذور، كلاهما يشعران بالحياة. وحين يتحدث عن تقليم النخلة أو نقلها من أرض إلى أرض، يرتفع بالوصف إلى مصاف الفلسفة فيرى قسوة الفأس أقرب إلى العزف أو إلى عملية جراحية تجرى بدافع الحب الشديد.. تخلع النخلة من جذورها لا غضبآ عليها، بل بحثآ عن مكان أرحب يليق بكرامتها وشموخها، ففى عنده كائن حر يرفض الأسر والتكيف مع الأقفاص، حتى لو كانت تلك الأقفاص أعز غرف البيت وأكثرها دفئًا.
ولكل رحلة عطاء محطة يستريح فيها الفارس، ليتأمل الثمار التى غرسها طوال عقود.. لقد ترجل الأستاذ محمد، من مناصبه الإدارية والوظيفية الرسمية، تاركآ وراءه سجلًا ناصعآ ومواقف مشرفة لا يطويها النسيان.. إن خاتمة هذة المسيرة الحافلة لم تكن انزواء أو غيابآ، بل تحولا إلى مرجعية اجتماعية وثقافية حية تلجأ إليها المدينة فى كل محفل، لم ينقطع عطاؤه بأنتهاء العمل الوظيفي، بل ظل دائم التواصل، نابضآ بالحب لأرضه ونخيله وأهله، ليكون مسك ختام مسيرته الإدارية هو البداية لمسيرة أخلد: مسيرة القدوة والرمز الإنساني.. حقآ، إن رجلًا أفنى عمره يبني الإنسان، ويداوي الشجر، ويحفظ أسرار الأرض دون ملل أو كلل، يستحق وبكل جدارة أن يمنح درع العطاء والوفاء، وأن يوشح أسمه بالثنائية العظيمة: الوفاء للوطن، والصداقة للنخلة. فنعم الرجل، ودامت سيرته العطرة فخرآ لودان، وللجفرة، ولكل ليبيا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
