الثلاثاء. سبتمبر 1st, 2026
0 0
Read Time:8 Minute, 18 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_تتصاعد المخاوف الأمنية في ألمانيا وأوروبا من اتساع نطاق ما يوصف بـالحرب الهجينة الروسية، في وقت تتزايد فيه حوادث الطائرات المسيّرة، وأعمال التخريب، ومحاولات استهداف البنية التحتية والمنشآت المرتبطة بدعم أوكرانيا. وأعاد حادث الطائرة المسيّرة المحملة بمواد متفجرة التي عُثر عليها في مطار لايبزيغ/هاله في أغسطس 2026 النقاش داخل ألمانيا حول مدى استعداد الدولة للتعامل مع تهديدات تقع في المنطقة الفاصلة بين العمل الاستخباراتي والهجوم العسكري المباشر.

ودفعت الحادثة عدداً من الخبراء والسياسيين الألمان إلى الدعوة لإجراء مشاورات داخل حلف شمال الأطلسي بموجب المادة الرابعة، باعتبار أن طبيعة التهديدات لم تعد محصورة في نطاق الأمن الداخلي الألماني، وإنما يمكن أن تمس أمن الحلف وبنيته التحتية وقدرته على دعم أوكرانيا. إلا أن هذه الدعوات لا تعني أن ألمانيا طلبت فعلياً حتى الآن تفعيل المادة الرابعة، كما لا تعني أن الحلف انتقل إلى حالة دفاع جماعي بموجب المادة الخامسة.

المسألة الأوسع هي أن ألمانيا تواجه اختباراً جديداً: كيف يمكن الرد على هجمات هجينة يُعتقد أن روسيا قد تقف وراء بعضها، من دون تحويل كل حادث أمني إلى مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا؟

المادة الرابعة: الردع قبل الوصول إلى المادة الخامسة

تنص المادة الرابعة من معاهدة الناتو على أن الدول الأعضاء تتشاور عندما ترى إحداها أن سلامة أراضيها أو استقلالها السياسي أو أمنها مهدد. ولذلك فهي تختلف جذرياً عن المادة الخامسة؛ فالمادة الرابعة ليست إعلاناً للحرب ولا تفعيلًا تلقائياً للدفاع الجماعي، وإنما آلية سياسية وأمنية لرفع مستوى التشاور والتنسيق داخل الحلف. ولهذا السبب اكتسبت الدعوات الألمانية إليها أهمية خاصة بعد حادثة لايبزيغ.

فقد دعا رودريش كيزفيتر، عضو البرلمان الألماني عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، إلى إجراء مشاورات مع حلفاء الناتو بموجب المادة الرابعة بعد العثور على طائرة مسيّرة تحمل متفجرات في مطار لايبزيغ/هاله. وقال إن تزايد الهجمات الهجينة ومحاولات اختبار نقاط الضعف الأوروبية يستدعي رداً أكثر وضوحاً. 

وفي وقت لاحق، ذهب أرندت فرايتاغ فون لورينغهوفن، نائب الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الاتحادية الألمانية ونائب الأمين العام السابق للناتو، إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن التطورات الأخيرة تبرر تفعيل المادة الرابعة، في ظل تصاعد الهجمات الهجينة ومحاولات زعزعة أمن الدول الأوروبية.

وتكتسب هذه الدعوات أهميتها لأن الهجمات الهجينة لا تقدم دائماً للحكومة المستهدفة دليلاً واضحاً يسمح بالانتقال فوراً إلى مفهوم الهجوم المسلح. فقد تكون العملية عبارة عن طائرة مسيّرة، أو تخريب، أو هجوم إلكتروني، أو محاولة اغتيال، أو استهداف بنية تحتية، مع الحفاظ على قدر من الغموض حول الجهة المنفذة. وهنا تكمن إحدى أهم أدوات الحرب الهجينة، الغموض نفسه يصبح جزءاً من العملية.

المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو

المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو هي المعيار الذهبي لضمانات الأمن. صياغتها قابلة للتأويل، لكن لا شك أن مبدأ الدفاع الجماعي الذي تُجسّده هو الهدف الأساسي للدول الـ32 التي تُشكّل الحلف. وتدعم المادة الخامسة قوة عسكرية موثوقة تتفوق على القوة العسكرية الروسية. من المؤكد أن ثمة تساؤلات حول موثوقية المادة الخامسة؛ فلم يُفعَّل هذا البند إلا مرة واحدة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الولايات المتحدة عام 2001. لكن الظروف غير العادية التي رافقت ذلك التفعيل لا تُقلل من قيمة البند. يكمن التأثير الحقيقي للمادة الخامسة في الحروب التي لم تقع، لا تلك التي وقعت. في عهد بوتين، هاجمت روسيا كلاً من جورجيا وأوكرانيا. ولم تغزُ حليفًا لها في الناتو. ولهذا السبب، لطالما حرصت أوكرانيا على الانضمام إلى الناتو، وهو أمرٌ قبلته معظم دول الحلف من حيث المبدأ لسنوات.

منذ حرب أوكرانيا في فبراير 2022، استبعدت إدارة ترامب، وكذلك حلف الناتو نفسه، هذا المسارَ صراحةً لضماناتٍ أمنيةٍ بموجب المادة الخامسة. وبدلًا من ذلك، أشار الأمين العام للحلف، مارك روته، إلى “ضماناتٍ أمنيةٍ من نوع المادة الخامسة لأوكرانيا”. وما زال من غير الواضح ما قد يستلزمه هذا الأمر تحديدًا، وما زال يتعين مناقشته علنًا.

لايبزيغ: حادث أمني أم اختبار للقدرة الألمانية؟

أظهر حادث مطار لايبزيغ/هاله ثغرات في منظومة حماية المجال الجوي المنخفض، وأثار تساؤلات حول قدرة ألمانيا على اكتشاف الطائرات المسيّرة الصغيرة والتعامل معها قبل وصولها إلى أهداف حساسة. وكانت الطائرة المسيّرة قد عُثر عليها قرب طائرة شحن أوكرانية، وتبين أنها تحمل مواد متفجرة، الأمر الذي رفع مستوى الخطورة في الحادث. لكن من الضروري التمييز بين وجود مؤشرات على عملية تخريبية منظمة وبين إثبات هوية الجهة التي تقف وراءها.

كانت الحكومة الألمانية  حتى 30 أغسطس لا تزال تعمل على تحديد المسؤولية بصورة رسمية، بينما أشارت تقارير إعلامية إلى روسيا باعتبارها المشتبه به الرئيسي. وأعلن المستشار فريدريش ميرتس أن الحكومة الألمانية تعد رداً بالتنسيق مع الشركاء الأوروبيين وحلف الناتو، مع التأكيد على أهمية تحديد المسؤولية بصورة موثوقة قبل اتخاذ إجراءات نهائية. هذه النقطة مهمة بالنسبة إلى السياسة الألمانية. فالرد على عملية هجينة يحتاج إلى دليل استخباراتي قوي، لأن اتهام دولة نووية مثل روسيا بعمل عدائي على الأراضي الألمانية يمكن أن يؤدي إلى تداعيات سياسية وعسكرية تتجاوز الحادث نفسه.

لماذا تبدو ألمانيا أكثر تشدداً؟

المشكلة بالنسبة لألمانيا لا ترتبط بحادثة لايبزيغ وحدها، فمنذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، شهدت أوروبا سلسلة من الاتهامات المتعلقة بالتجسس والتخريب والهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية، مع تزايد القلق من استخدام ما يعرف بـ “العملاء للاستخدام مرة واحدة” لتنفيذ عمليات يصعب ربطها مباشرة بالدولة الروسية.

وتشير تقارير ألمانية حديثة إلى أن السلطات الأمنية تبحث أيضاً في خطط محتملة لاستهداف مسؤولين في قطاع الصناعات الدفاعية الألمانية والبنية التحتية، فضلاً عن وجود مؤشرات على نشاط شبكات مرتبطة بروسيا.

ومن منظور موسكو، إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة، فإن الهدف لا يكون بالضرورة تدمير منشأة بعينها، بل رفع كلفة دعم أوروبا لأوكرانيا وزيادة الشعور بعدم الأمان داخل المجتمعات الأوروبية.أما بالنسبة لألمانيا، فإن التحدي يتمثل في منع هذه العمليات من التحول إلى حالة اعتياد سياسي وأمني.ولهذا حذر فرايتاغ فون لورينغهوفن من أن الاكتفاء بالتصريحات السياسية من دون إجراءات عملية قد يُفسر في موسكو باعتباره ضعفاً في الردع.

هل تتجه ألمانيا إلى رد أوروبي وناتوي أوسع؟

يبدو أن برلين تتحرك باتجاه رد متعدد الأطراف بدلاً من التعامل مع الحوادث باعتبارها ملفات أمن داخلي منفصلة. فالمستشار ميرتس أعلن أن ألمانيا بصدد إعداد إجراءات رداً على حادث لايبزيغ، وأن هذه الإجراءات تُنسق مع الشركاء الأوروبيين وحلف الناتو. ويأتي ذلك في ظل توجه ألماني نحو اعتبار الهجمات الهجينة جزءاً من التحدي الأمني الأوسع الذي تواجهه أوروبا. وقد يشمل الرد الأوروبي مزيداً من العقوبات والإجراءات الدبلوماسية وتعزيز حماية البنية التحتية، إلى جانب رفع مستوى التعاون الاستخباراتي والأمن السيبراني.

أما عسكرياً، فإن أحد الاتجاهات الأكثر أهمية يتمثل في تعزيز قدرات الدفاع ضد الطائرات المسيّرة وحماية المجال الجوي المنخفض، خصوصاً حول المطارات والمنشآت العسكرية ومراكز الصناعات الدفاعية.ومن هنا فإن المادة الرابعة قد تكون مفيدة ليس لأنها تؤدي إلى رد عسكري مباشر، وإنما لأنها تسمح للدول الأعضاء بأن تنقل القضية من مستوى الحادث الوطني إلى مستوى التهديد المشترك.

هل يمكن أن تصل المواجهة إلى المادة الخامسة؟

هذا الاحتمال لا ينبغي استبعاده نظرياً، لكنه لا يبدو السيناريو الأقرب في الوقت الحالي. الناتو نفسه أكد في 30 أغسطس 2026 أنه لا يرى في الوقت الراهن تهديداً وشيكاً لهجوم روسي مباشر على أراضي الحلف، رغم تزايد النشاط الروسي الهجين في أوروبا. وهذه النقطة تعكس الفرق بين مستويين من التهديد. المستوى الأول هو الحرب الهجينة، حيث تستخدم أدوات التخريب والتجسس والهجمات السيبرانية والطائرات المسيّرة والعمليات السرية للضغط على الخصم. أما المستوى الثاني فهو الهجوم العسكري المباشر على دولة عضو في الناتو. والانتقال من الأول إلى الثاني هو الخط الذي تحاول ألمانيا وحلفاؤها منع عبوره. 

البعد الأميركي والردع الأطلسي

تزامن تصاعد المخاوف الأوروبية مع زيارة مفاجئة قام بها مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف إلى موسكو، وسط تقارير عن أنه نقل تحذيرات بشأن احتمال قيام روسيا بعمليات ضد دول أعضاء في الناتو. وقد نفت موسكو هذه الروايات، بينما قلل الرئيس الأميركي دونالد ترامب علناً من احتمال أن تهاجم روسيا دولة من دول الحلف. ومع ذلك، فإن توقيت الزيارة مهم بحد ذاته. فهي جاءت في لحظة تتزايد فيها المخاوف الأوروبية من أن تحاول روسيا اختبار وحدة الناتو، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد النشاط الهجين الروسي في أوروبا. وتبقى الرسالة الأساسية للردع الأطلسي هي أن موسكو لا ينبغي أن تفسر الغموض أو ضبط النفس الغربي على أنه غياب للإرادة.

النتائج

تكشف حادثة لايبزيغ عن تحول مهم في طبيعة التهديد الأمني الذي تواجهه ألمانيا وأوروبا. فالمواجهة مع روسيا لم تعد تجري فقط على جبهة أوكرانيا، وإنما تمتد إلى المجال السيبراني والأمن الداخلي والبنية التحتية والمطارات والصناعات الدفاعية. لكن الخطر الأكبر لا يتمثل في حادثة منفردة، بل في تراكم الحوادث الصغيرة التي قد تؤدي إلى تغيير تدريجي في مفهوم الأمن الأوروبي.

إذا ثبتت الصلة الروسية بحادثة لايبزيغ، فإن القضية ستتجاوز كونها محاولة تخريبية منفردة، لتصبح جزءاً من نمط أوسع من الضغط على ألمانيا والدول الأوروبية الداعمة لأوكرانيا. أما إذا لم تثبت المسؤولية، فإن الحادث سيظل مع ذلك إنذاراً مهماً بشأن الثغرات في حماية المجال الجوي والبنية التحتية الحيوية.

ومن هنا تبدو الدعوات إلى المادة الرابعة مفهومة؛ فهي توفر للناتو أداة لرفع مستوى التشاور والردع من دون الانتقال مباشرة إلى المادة الخامسة.

والخيار الأكثر واقعية أمام ألمانيا وحلفائها ليس انتظار هجوم عسكري روسي مباشر، وإنما بناء قدرة أفضل على اكتشاف الهجمات الهجينة والرد عليها، وتحسين الدفاع ضد الطائرات المسيّرة، وحماية البنية التحتية، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، ورفع كلفة العمليات السرية.

فالمطلوب في المرحلة الحالية ليس تحويل كل حادث إلى حرب مع روسيا، وإنما منع موسكو من الاعتقاد بأن المنطقة الرمادية بين الحرب والسلام يمكن استخدامها من دون ثمن. وفي هذا السياق، قد تكون المادة الرابعة أداة ردع أكثر أهمية مما تبدو عليه للوهلة الأولى، فهي لا تعني الحرب، لكنها تعني أن الهجوم على دولة واحدة لم يعد شأناً وطنياً معزولاً بل على دول الناتو.

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

links

Süddeutsche Zeitung — „Alles spricht dafür, Artikel 4 des Nato-Vertrages zu aktivieren“، 29 أغسطس 2026. Süddeutsche Zeitung – Article 4 of the NATO Treaty

t-online — „Nato-Vertrag: Aktivierung von Artikel 4 nach Anschlagsversuch“، أغسطس 2026. t-online – NATO Treaty: Activation of Article 4

Welt — „Kiesewetter fordert nach Drohnen-Vorfall Nato-Konsultationen nach Artikel 4“، 5 أغسطس2026. WELT – Kiesewetter calls for NATO Article 4 consultations

Tagesschau — „Sprengstoff-Drohne in Leipzig/Halle: Ein Angriff ‘fremder Mächte’ – oder Russlands?“، أغسطس 2026. Tagesschau – Explosive drone at Leipzig/Halle

. Reuters — “Zelenskiy says US gave Kyiv information about meetings in Moscow”، 28 أغسطسآ 2026. ويتضمن معلومات عن زيارة جون راتكليف وتقارير التحذير الأميركي لموسكو. Reuters – Zelenskiy on US intelligence and Ratcliffe’s Moscow meetings

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code