الأحد. سبتمبر 6th, 2026
0 0
Read Time:8 Minute, 30 Second

 جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ورئيس المركز الأوروبي ECCI

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_دخلت المواجهة الأميركية ـ الإيرانية مرحلة جديدة تجمع بين الضغط الاقتصادي والعسكري والدبلوماسي في آن واحد. وتكشف التطورات الأخيرة أن واشنطن لا تتعامل مع الملف الإيراني باعتباره أزمة عقوبات تقليدية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية والأمنية المحيطة بإيران بهدف دفع القيادة الإيرانية إلى تقديم تنازلات في أي مسار تفاوضي مقبل.

في 24 أغسطس 2026 أطلقت الإدارة الأميركية رسمياً عملية Economic Outcast”، التي تستهدف قطع ما تبقى من شرايين إيران المالية والتجارية، مع توسيع مخاطر العقوبات الثانوية على الأطراف التي تستمر في التعامل مع طهران. وتشمل الحملة قطاعات حيوية مثل الشحن والطيران والذهب والتكنولوجيا والأصول الرقمية. [1]

لم يعد يتعلق الأمر بقدرة الولايات المتحدة على فرض الضغط، بل بمدى قدرة هذا الضغط على تحويل الأزمة الاقتصادية إلى تنازل سياسي إيراني قبل أن يتحول الضغط نفسه إلى عامل يدفع نحو تصعيد عسكري أوسع. تقوم السياسة الأميركية الجديدة على خطة ، حرمان إيران من الموارد التي تسمح لها بالصمود وإعادة بناء قدراتها العسكرية والاقتصادية. وتختلف عملية “Economic Outcast” عن كثير من جولات العقوبات السابقة في تركيزها على شبكات الالتفاف نفسها، وعلى البنوك والوسطاء والشركات والدول التي يمكن أن توفر لإيران منافذ مالية بديلة.

وتحاول واشنطن بذلك تقليص قدرة طهران على استخدام النظام المالي العالمي، ورفع تكلفة استيراد السلع والمواد الأساسية، وتضييق قدرة إيران على تصدير النفط أو تحويل عائداته إلى موارد قابلة للاستخدام. الهدف السياسي في النهاية يتجاوز إضعاف الاقتصاد؛ فهو خلق ضغط اقتصادي يجعل استمرار المواجهة أكثر كلفة من العودة إلى التفاوض.

مضيق هرمز : ممر بحري استراتيجي يفصل الساحل الإيراني شمالاً عن شبه جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عُمان جنوباً، ويربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب. يبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 29 ميلاً بحرياً 54 كيلومتراً وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، فيما تشير مصادر أخرى إلى نحو 21 ميلاً في بعض القياسات؛ وتبلغ قنوات الملاحة المخصصة للسفن نحو ميلين بحريين (3.7 كلم) لكل اتجاه، تفصل بينهما منطقة عازلة بعرض ميلين بحريين. ويُعد المضيق المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الطاقة الخليجية، إذ عبره في عام 2025 متوسط يقارب 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية، أي نحو 25% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً، فضلاً عن كونه ممراً رئيسياً لصادرات الغاز الطبيعي المسال.

الضغط الاقتصادي

المؤشرات الاقتصادية الحالية تشير إلى أن الضغط الأميركي أصبح أكثر تأثيراً من مراحل العقوبات السابقة.وبحسب بيانات نقلتها وكالة رويترز، تراجعت تحميلات النفط الإيراني إلى نحو 260 ألف برميل يومياً خلال سبتمبر، مقارنة بنحو 1.7 مليون برميل يومياً قبل عام. كما تجاوز متوسط التضخم السنوي 69%، فيما واصل الريال الإيراني التراجع الحاد أمام الدولار.وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب تراجع قنوات التجارة والتمويل الخارجية. فقد أصبحت شبكات الالتفاف على العقوبات أكثر كلفة، في الوقت الذي توقفت فيه الإمارات عن التبادل التجاري والمالي مع إيران وفق ما نقلته رويترز عن مسؤولين إيرانيين. [2]

هذه التطورات تمنح واشنطن ورقة ضغط حقيقية. لكن الضغط الاقتصادي لا يعني تلقائياً الاستسلام السياسي.  فالتجارب السابقة تشير إلى أن الأنظمة التي تتعرض لعقوبات شديدة قد تختار أحياناً زيادة المواجهة الخارجية لتجنب تقديم تنازلات تحت الضغط

الحصار الاقتصادي :هو مجموعة من الإجراءات الاقتصادية والمالية والتجارية التي تُفرض على دولة أو جهة بهدف تقييد قدرتها على الوصول إلى الأسواق والموارد ومصادر التمويل والتجارة الدولية، ودفعها إلى تغيير سلوك أو سياسة معينة من دون اللجوء بالضرورة إلى استخدام القوة العسكرية المباشرة. وقد يشمل الحظر التجاري، تقييد صادرات وواردات السلع، تجميد الأصول، منع أو تقييد المعاملات المالية، حظر الاستثمارات، وفرض قيود على قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والنقل والشحن. وتندرج هذه الإجراءات ضمن أدوات الإكراه الاقتصادي، بينما تختلف عن الحصار العسكري المباشر الذي يقوم على منع السفن أو وسائل النقل من دخول منطقة أو الخروج منها بالقوة؛ وقد أشار مجلس الأمن الدولي إلى أن التدابير الاقتصادية يمكن أن تشمل قطع العلاقات الاقتصادية والتجارية جزئياً أو كلياً، في حين يظل الحصار العسكري إجراءً منفصلاً قد يرتبط باستخدام القوة، وفقا لموسوعة و”يكيبيديا”.

مضيق هرمز: يمثل مضيق هرمز الحلقة الأكثر حساسية في المعادلة الحالية. فحتى مع تراجع قدرة إيران على تصدير نفطها، يبقى المضيق ورقة استراتيجية تستطيع طهران استخدامها لرفع تكلفة الضغط الأميركي وإدخال الاقتصاد العالمي في دائرة التأثر المباشر.وتشير بيانات حركة الملاحة في 4 سبتمبر 2026 إلى مرور أربع سفن تجارية فقط عبر المضيق خلال يوم واحد، مقابل متوسط يبلغ نحو 15 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، بينما كان المتوسط قبل الحرب يقارب 125 سفينة تجارية يومياً. وفقا لموسوعة “ويكيبيديا”.

الاستراتيجية الأميركية

تتزايد الضغوط الاقتصادية على إيران إلى مستوى يدفع إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات في ملفات محددة، خصوصاً البرنامج النووي والصواريخ الباليستية وأمن الملاحة. هذا الأحتمال قائم ، لكنه يحتاج إلى قناة تفاوضية حقيقية وإلى استعداد متبادل لتقديم تنازلات. ولكن قد تراهن طهران على عامل الوقت، وعلى استمرار علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا، وعلى قدرتها على تطوير شبكات بديلة للالتفاف على العقوبات. في هذه الحالة قد يستمر الاقتصاد الإيراني في التراجع، لكن من دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى تنازل سياسي سريع. وهنا تتحول المواجهة إلى حرب استنزاف اقتصادية وسياسية طويلة. على المستوى السياسي، من المرجح أن تواصل واشنطن الضغط قبل تقديم تنازل كبير. أما إيران، فالأرجح أن تحاول الجمع بين الصمود الاقتصادي والردع العسكري والضغط غير المباشر، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً عندما ترى أن التفاوض يمكن أن يخفف الضغط من دون أن يبدو استسلاماً. [3]

ويعني ذلك أن أزمة هرمز أصبحت بالفعل جزءاً من الصراع الاقتصادي، وليست مجرد ملف عسكري منفصل. يبدو إن واشنطن تستخدم الاقتصاد لتجريد إيران من مصادر القوة، وطهران تستطيع استخدام الجغرافيا والملاحة لرفع تكلفة هذا الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها والأسواق العالمية. وتقترب أوروبا من الموقف الأميركي ولكنها لا تتطابق معه بالكامل، أظهرت التطورات الأخيرة تقارباً متزايداً بين واشنطن وبروكسل في التعامل مع إيران، لكن من الضروري التمييز بين تأييد الضغط الأميركي والانضمام الرسمي إلى العملية الأميركية.

فقد أعلنت واشنطن أن الاتحاد الأوروبي انضم إلى عملية  “Economic Outcast“، بينما تشير القراءة الدقيقة للموقف الأوروبي إلى أن بروكسل رحبت بالضغط الاقتصادي الأميركي وأكدت استعدادها لاتخاذ إجراءات إضافية، لكنها لم تعلن رسمياً الانضمام إلى العملية الأميركية أو تبنّي جميع العقوبات والتصنيفات الأميركية. [4]

وتسعى أوروبا إلى الضغط على إيران في ملفاتها النووية والصاروخية والأمنية، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بالدبلوماسية باعتبارها الطريق النهائي للحل. وفي الجانب الأمني، اتجه الاتحاد الأوروبي بالفعل إلى تعزيز حماية الملاحة والدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة، كما شدد على أهمية أمن الملاحة في هرمز وتعزيز العمليات البحرية الأوروبية. [5] لذلك يمكن وصف التحول الأوروبي بأنه انتقال من مقاربة سياسية ـ اقتصادية ضيقة إلى مقاربة أمنية أوسع، من دون أن يعني ذلك دخول أوروبا في الحرب إلى جانب الولايات المتحدة.

دول الخليج

تتعامل دول الخليج مع المواجهة الأميركية ـ الإيرانية من موقع شديد الحساسية. فهي تحتاج إلى المظلة الأمنية الأميركية، وتريد حماية الملاحة والمنشآت والطاقة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد تحول الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة. ولهذا هي تسعى الى الردع لمنع التهديد، حماية المصالح، والإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً. ويكتسب هذا الموقف أهمية إضافية بسبب ارتباط أمن الخليج مباشرة بأمن الطاقة العالمي والملاحة الدولية. وقد أكد الاتحاد الأوروبي في مواقفه المتعلقة بالمنطقة أهمية حماية الملاحة في هرمز وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين. [6]

وبالتالي فإن أي توسع كبير للمواجهة لن يبقى أميركياً ـ إيرانياً، بل ستكون له تداعيات مباشرة على دول الخليج وأوروبا وأسواق الطاقة العالمية.

تقييم وقراءة مستقبلية

ـ المشهد الحالي يشير إلى أن الولايات المتحدة تراهن على الخنق الاقتصادي المدعوم بالقوة العسكرية لإجبار إيران على العودة إلى التفاوض من موقع أضعف.وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن هذه السياسة بدأت بالفعل تؤلم الاقتصاد الإيراني، خصوصاً في قطاع النفط والعملات والتجارة الخارجية. لكن نجاح الضغط الاقتصادي في إضعاف إيران لا يعني بالضرورة نجاحه في إجبارها على تقديم تنازلات سياسية.

ـ تستطيع إيران استخدام مضيق هرمز والقدرات غير المتماثلة لرفع تكلفة الاستراتيجية الأميركية، وهو ما يجعل الملاحة والطاقة نقطة الاحتكاك الأخطر في المرحلة المقبلة. أما أوروبا فتتجه إلى موقف أكثر صرامة أمنياً واقتصادياً، لكنها لا تزال تضع الدبلوماسية ضمن أدوات الحل، بينما تحاول دول الخليج الجمع بين الردع والحماية وتجنب حرب إقليمية مفتوحة.

المعادلة الآن هي سباق بين الضغط والصبر؛ واشنطن تريد خنق إيران حتى تفاوض، وطهران تريد الصمود حتى تجعل كلفة الضغط الأميركي مرتفعة. فإذا انتصر الضغط نعود إلى التفاوض، وإذا انتصر التصعيد فقد تتحول أزمة هرمز إلى توسع خطير في المواجهة الإقليمية.

تتجه المواجهة الأميركية ـ الإيرانية إلى مرحلة استنزاف متبادل أكثر من اتجاهها إلى حسم عسكري سريع. وستواصل واشنطن استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري لتحسين موقعها التفاوضي، بينما ستحاول طهران الصمود والحفاظ على أوراقها الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز وشبكات علاقاتها مع القوى الآسيوية.

وتبرز أزمة هرمز باعتبارها المتغير الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة؛ إذ إن استمرار اضطراب الملاحة يرفع كلفة المواجهة على إيران والولايات المتحدة ودول الخليج والأسواق العالمية في الوقت نفسه. ولذلك قد يتحول ضمان حرية الملاحة إلى مدخل أولي لأي تفاوض، قبل الوصول إلى الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات والأمن الإقليمي.

أما أوروبا ودول الخليج، فمن المرجح أن تواصل دعم الردع وحماية الملاحة، مع تجنب الانخراط المباشر في مواجهة واسعة. وقد يصبح دورهما أكثر أهمية في مرحلة التفاوض، خصوصاً إذا احتاج الطرفان إلى قنوات اتصال وضمانات لتنفيذ أي اتفاق مرحلي.

ويبقى سيناريو التصعيد غير المقصود هو مصدر الخطر الأكبر. فحادث بحري كبير أو استهداف منشأة حيوية قد يؤدي إلى سلسلة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها. وفي المقابل، إذا نجحت واشنطن وطهران في ضبط التصعيد، فقد تتجه الأزمة تدريجياً نحو تسوية مرحلية قسرية تقوم على إعادة فتح الملاحة مقابل تنازلات متبادلة في العقوبات والملفات الأمنية.

المسار الأكثر ترجيحاً هو استمرار الضغط مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.  ولا يبدو أن أي من الطرفين يمتلك مصلحة في مواجهة مفتوحة بلا سقف؛ فالولايات المتحدة تريد تحويل تفوقها الاقتصادي والعسكري إلى اتفاق، وإيران تريد تحويل قدرتها على الصمود ورفع كلفة المواجهة إلى شروط تفاوضية أفضل. إن مستقبل الأزمة سيتحدد بقدرة الطرفين على الانتقال من إدارة التصعيد إلى إدارة التفاوض، قبل أن يفرض حادث ميداني في هرمز مساراً مختلفاً على الجميع.

Links

[1] Operation Economic Outcast: Total Isolation of the Iranian Regime، 24 أغسطس 2026
المصدر الرسمي – البيت الأبيض

[2]  US pressure on Iran starting to tell, as sanctions and blockade bite، 3 سبتمبر 2026
المصدر – Reuters

[3]  Gulf shipping traffic via Hormuz keeps below 10-day average, data shows، 4 سبتمبر 2026
المصدر – Reuters

[4]  US claims EU joined new Iran sanctions push, yet Brussels only endorsed it، 4 سبتمبر 2026
المصدر – Euronews

[5]  European Council conclusions on Middle East، 19 مارس 2026
المصدر الرسمي – مجلس الاتحاد الأوروبي

[6]Treasury Launches Unprecedented Campaign Against Iranian Regime on Economic D-Day، 24 أغسطس 2026
المصدر الرسمي – وزارة الخزانة الأميركية

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code