أحمد سليمان أبكر-ولاية القضارف_السودان
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_إن التخلف ظاهرة كلية ذات جوانب متعددة؛ تتفاعل فيما بينها بصورة جدلية، وتتبادل التحديد والتعزيز، وهذا بدوره يعطيها تماسكًا كبيرًا، ويمدها بصلابة ذات خطر عظيم في مقاومة أي تغيير.
وأخطر أنواع التخلف هو التخلف الوجودي الذي يحتاج إلى جهد كبير لاستجلاء غوامضه مقارنة بوضوح خصائص ومحطات كل من التخلف الاجتماعي والاقتصادي والصناعي والتقني. فالتخلف النفسي فوق هذا أو ذاك من المحكات المادية، نمط من الوجود، أسلوب في الحياة ينبت في كل حركة أو تصرف أو ميل أو توجه أو معيار أو قيمة. إنه نمط من الوجود له تقاليده وخرافاته وأساطيره ومعاييره التي تحدد للإنسان موقعه، نظرته إلى نفسه؛ إلى الهدف من حياته، أسلوب انتمائه ونشاطه ضمن مختلف الجماعات، طريقة علاقاته على تنوعها، إنه موقف من العالم المادي وظواهره ومؤثراته، وموقف من التركيبة الاجتماعية وأنماط العلاقات السائدة فيها، على المستوى الذاتي الحميم، وعلى المستوى الذهني. وما يميز الـــوجــود
المتخلف هو أنه يولد آلامًا معنوية تهدم التوزان النفسي.
مفهوم التخلف
التَخلُّفُ لغة من تَخلَّفْ يتَخلَّفُ تَخلُّفًا، ومعناه تأخر وتقهقر إلى الوراء، ومنه إلى متى والشعب يتخلّف عن اللحاق بركب الحضارة والتنمية. أما التخلف اصطلاحًا وعلى مستوى الفرد يعني هدر قيمة الإنسان وفقدانه لكرامته الإنسانية بمختلف صورها، مع تحوّله إلى شيء، إلى أداة، إلى قيمة بخسة، ويتخذ هذا التبخيس وهذا الهدر لقيمة الإنسان وكرامته صورًا تتخلص في عالمين: عالم الضرورة المتمثل في الاستلاب الطبيعي الذي يتعرض له الإنسان والبلد المتخلف من خلال اعتباطه ورضوخه لغوائل الطبيعة. وعالم القهر التسلطي، المتمثل في سيادة القلة ذات الحظوة التي تفرض همينتها على الغالبية، خالقة نموذجًا عامًا من علاقة التسلط والرضوخ، تمارس فيها أنواعًا متعددة من العنف المادي والمعنوي بهدف بقاء الحال على ما هو عليه، وهذا ما يعنيه التخلف السياسي المتمثل في الاستبداد، الجمع القهري بين السلطة والمال، نهب خيرات البلاد، انعدام محاسبة الفساد، أزمة القيم بالمؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، سيادة اقتصاد الريع، هجرة الأدمغة والكفاءات، تهريب الأموال والتهرب من أداء الضرائب، اغتصاب الحقوق، الشعور بالغبن. أما التخلف الاقتصادي فيتمثل في فشل الاستفادة من الإنتاج الاقتصادي، انخفاض الدخل القومي بالمقارنة مع الدول المتقدمة، تخلف المعرفة الفنية التي توجه الاقتصاد نحو التنمية، انخفاض متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي، انعدام التوازن بين النمو السكاني والحالة الاقتصادية. أما التخلف الاجتماعي فيتمثل في انخفاض مستوى التعليم والصحة، ارتفاع نسبة الأمية، البطالة البنيائية والمقنعة والمتعلمة والموسمية، انتشار الفقر، تفكك الأسر، ظاهرة أطفال الشوارع، تشغيل الأطفال، انتشار مظاهر الفساد الاجتماعي، انتشار العنف والجريمة، وكل ذلك في ظل الإنفاق البذخي للقائمين على أمر الدولة. أما التخلف التنموي فيتمثل في انعدام القدرة على إبراز مفهوم واضح للتنمية، عدم بناء مخططات اقتصادية واجتماعية بشروط التنمية وقيمها، حالة سكون وبطء مرافق لعمليات التنمية، عدم صيانة نظريات ومفاهيم ذات رؤى علمية لتحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة. أما التخلف الثقافي فهو النقيض الأساسي لمفاهيم التنمية الثقافية، ويتمثل في حالة سكون ترافق كل ما يتعلق بتطوير مناهج التعليم والتربية والبحث العلمي، عدم القدرة على تحريك دواليب الصناعة الثقافية بكل شروطها الموضوعية، عــــدم القدرة على صيانة نظريات
ومفاهيم ورؤى علمية لتحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي والعلمي
والثقافي.
خلاصة القول أن مفهوم التخلف: وهو حالة سكون وبطء تصاحبُ عمليات التنمية نتيجة لعدم قدرة النخب والقيادات السياسية والاقتصادية مجتمعةً على صياغة نظرياتٍ ومفاهيم ذات رؤى علمية وعملية في تحسين واقع بلدانها والدفع بها إلى الأفضل، حيثُ إن توفر الإمكانيات والموارد المالية إلى جانب الوسائل الفنية والبشرية بدون استحالة تطبيقها على أرض الواقع لن يجدي شيئًا في تحسين البُنى الاقتصادية والاجتماعية للإفراد القاطنين في هذه البلدان.
التخلف وعالم الضرورة
إن عالم الضرورة فيما يلي التخلف هو تعبير عن الاستلاب الطبيعي الذي يتعرض له الإنسان، ويكون على أثره أسيرًا للاعتباط والرضوخ لغوائل الطبيعة التي تهدده في صحته، وأمنه، وقوته، وسلامته. إن إنسان العالم المتخلف منذ أن يُولد يخرج إلى الحياة وكأنه أداة لخدمة أغراض ورغبات أهله أو الآخرين، وأنه لم يُولد لذاته ولا ليعيش حياته لذاته. ثم لم يلبث أن يتعرض لغزو الأمراض، ولسيطرة الأمية والجهل، ولقسوة الطبيعة وغوائلها بدون حماية أو سلاح كافيين. كما يتعرض لسوء التغذية وفقدان فرص العمل وصعوبة المأوى، ويقف أخيرًا عاجزًا أمام عالم الضرورة هذا، لا يعلم أي نوع من الضحايا يمكن أن يكون، وأين ومتي، وكيف، وإلى متى؟
التخلف وعالم القهر التسلطي
إن عالم القهر التسلطي في ما يلي التخلف هو عالم تفرضه قلة نالت بصورة أو أخرى السيادة على الغالبية، ومن ثم استغلت هذه السيادة لخلق علاقة سيطرة من جانبها ورضوخ وتبعية من الآخرين مشكّلة بذلك نمطًا هرميًا جلست هي فوق قمته، وتدرّج الآخرين إلى قاعدته وفقًا لولائهم لها. ومن هنا تظهر خصائص سيكولوجية الإنسان المتخلف؛ متسلطاً كان أم مقهورًا، وذلك من خلال الآتي:
١.عقدة النقص: وهي تعني أن طبيعة الإنسان المتخلف سواء كان متسلطًا أو مقهورًا تسعى دائمًا وراء إيجاد وسيلة لحماية ذاتها من واقع المفاجآت التي يختل فيه التوازن بين السيد والمقهور. فالمتسلط يغلب عليه الطابع التملكي لا يعترف بعلاقة أنا أنت التي تتضمن- المساواة والاعتراف المتبادل بإنسانية الآخر وحقه في الوجود- خوفًا على مكانته من التنافس أو الزوال. أما المقهور فتتلاشى إنسانيته كليًا ليصبح الإنسان الذي لا حق له، لا مكانة ولا قيمة إلا ما شاء الطرف المتسلط أن يتفضل عليه، علاقة تحمل في طياتها عدوانية خفية، خداعًا وتضليلًا، وعودًا كاذبة، ومن ثم تتحول إلى لعبة يلعبها كل طرف حسب ما تسمح به إمكانياته بعيدًا عن القيم والأخلاق و الغايات النبيلة.
2.الدونية: وهي تعني أن الإنسان المتسلط في المجتمع المتخلف يتستر دائمًا بقناع من التقدم، فإذا نُزع عنه هذا القناع يظهر جليًا سلوكه الذي تحكمه ذات المعايير وذات النظرة إلى الحياة التي يتميز بها الإنسان المقهور، أي أن الإنسان المتسلط وفي سبيل الاحتفاظ بامتيازاته، يتمتع ببعض مظاهر التقدم من خلال ما اُصطلح على تسميته (أثر الاستعراض) الذي يُقصد به محاكاة المظاهر الخارجية للتقدم في جانبها المعرفي والاستهلاكي على وجه الخصوص، دون الوصول إلى البعد الابتكاري والإنتاجي. أما الإنسان المقهور فيعيش حالة عجز، يجد نفسه في وضعية المغلوب على أمره في معظم الأحيان، يشعر بفقدان الثقة وأنه على غرار الآخرين لا يستطيع شيئًا إزاء قوى التسلط، يتخلى عن التصدي، ييئس من إمكانية التغيير الفعال، يسقط في فخ التوقع والانتظار، يبقى دائم الخوف عديم الثقة بقدراته على الفعل والتأثير، ومن ثم القبول بواقع لا يقهر.
3.عقدة العار: لقد عمدت ثنائية التخلف متسلط-مقهور منذ الأزل إلى زرع عقدة العار تهديدًا دائًما بفقـــدان توازن هـــذا الأخير الـذي
يخجل من ذاته، يخشى أن ينكشف، أن يفتضح عجزه وبؤسه الداخلي. إنها لعبة نفسية محبوكة تجعل هم الإنسان المتخلف نظرة الآخرين، تعليقاتهم التي تسلب منه حريته وتجعله مقيدًا بتضخم آلام الماضي، تأزم معاناة الحاضر وانسداد آفاق المستقبل.
حقيقة ظواهر حياة الإنسان المتخلف
إن ظواهر حياة الإنسان المتخلف التي تبدو مشتتة وذاهبة في كل اتجاه، وتصرفاته وتظرته ومواقفه واستجاباته التي يبدو عليها التفكك، هي في الحقيقة كل متماسك، له بنيته الخاصة وديناميته المتطورة. فحياة الإنسان المتخلف تنتظم في وحدة قابلة للفهم جدليًا، وحدة لها تاريخها ومسيرتها رغم ما يبدو عليها من سكون ظاهري، يسبغه تحكم التقليد وما يفرضه من جمود في المجتمع. وباستعراض أسباب تخلف الذهنية، نجد أنها جميعها تتضمن عنصر قهر حياتي يقع الإنسان المتخلف ضحية له. قهر الطبيعة وغوائلها، قهر التسلط في المجتمع، قهر التقاليد العشائرية الجامدة التي تشكل الفكر، وتمنع الموقف النقدي من ظواهر المجتمع وأنظمته، ثم القهر الذي تمارسه الدولة على اختلاف وجوهه وأشكاله وتبريراته. كل ذلك يخلق جوًا عامًا من العنف يُمارس على الشخصية، مانعًا تفتحها وانطلاقتها وتصديها بشكل أوثق لمختلف قضاياها الوجودية، فمثلًا التقليد الذي يفرض جموده على المجتمع العشائري، يقيد حرية الحركة السلوكية وحرية الموقف من الحياة، ويخلق بالتالي ذهنية متصلبة محدودة الأفق، يتحكم فيها القهر من الداخل. وتصبح كل حركة فكرية إثمًا يستحق العقاب الشديد (النبذ، التصفية، السخرية، فقدان المكانة، وما إلي ذلك من عقاب) وكل موقف نقدي من نمط الحياة السائد الذي يصب في مصلحة الفئة المتسلطة على العشيرة أو المجتمع أو الدولة، يصبح اعتداء على المحرّمات والأقداس التي لا يجوز أن تُمس بأي حال من الأحوال.
الخروج من دائرة التخلف
بما أن التخلّف يُعدّ النقيض الأساسي لمفهوم التنمية، إذن الخلاص منه، يلزمه في المقام الأول أن يُنظر إلى الانسان باعتباره عنصرًا أساسيًا ومحوريًا في أي خطة تنموية. فالتنمية، مهما كان ميدانها، تعكس تغير الإنسان ونظرته إلى الأمور في المقام الأول، ومن هنا لابد من وضع الأمور في إطارها البشري الصحيح، وأخذ خصائص الفئة السكانية التي يُراد إخراجها من دائرة التخلف، وتطوير نمط حياتها بعين الاعتبار، وبالتالي لا بد من دراسة هذه الخصائص ومعرفة بنيتها وديناميتها، وذلك من خلال علم النفس الذي يملك مفاتيح مهمة لمعرفة الإنسان، والقوى التي تحركه داخليًا وعقلانيًا، والمقاومات التي يظهرها إذا مُسّ توزانه، وكل تنمية لا بد لها إذا كانت فعالة، من المساس بهذا التوزان لإحلال آخر أكثر تطورًا ومرونة مكانه. لا بد من شمول النظرة من خلال الاهتمام بالبعد الذاتي «الإنساني» إضافة إلى البعد الموضعي «الاجتماعي الاقتصادي» ومن خلال فهم العلاقة الجدلية بينهما، يمكن الوصول إلى الهدف المنشود.
وبما أن التعليم هو المدخل الرئيسي للتنمية الإنسان، يجب أن على المجتمع الذي يرغب في الخروج من ربق التخلف أن ينأى عن ممارسة عملية التلقين المطلقة التي تمنع المتلقي من التمرس بالسيطرة على شؤونه ومصيره، وبذا تكون العملية مسؤولة إلى حد بعيد عن استمرار الذهنية المتخلفة، لأنها تشكل حلقة من حلقات القهر الذي يُمارس على مختلف المستويات الرتبية في حياة الإنسان المتخلف، كذلك النأي عن المواد الدراسية الغريبة عن الإطار الحياتي للمتلقي والاستعاضة عنها بمواد تمت إلى وقعه بين الفئات الشعبية، حتى لا يكون العلم مجرد مسألة نظرية، لا يعالج واقع المتلقي في عالمه المتخلف، ولا يتيح له فرصة الإرصان العقلي لهذا الواقع، بل يجعله ينفصم عنه في دور العلم التي تفرض عليه في هذه الحالة نوع من الاغتراب عن قضاياه المعاشة، وحينها يصبح مثله كمثل من يلبس ثوب العلم في المدرسة، ويتعامل بشكل لفظي مع العلم وقوانينه، بينما يتعامل مع واقعه المعاش بأسلوب انفعالي، قائم على الخرافة والتقليد. كذلك يجب على المجتمع أن لا ينسى توحيد لغة العلم ولغة الحياة اليومية فيه حتى يتسنى له ضبط لغة الحياة المشحونة بالانفعالات والغيبات والخرافات بأن تكون أكثرة علمية في تناولها للمعارف والعلوم المختلفة. يُضاف إلى ذلك كله التصدي للفئة ذات الحظوة، التي تملك السلطة، من العلم عمومًا، والتي لا تشجع مطلقًا انتشار العقلية العلمية والممارسة الحياتية العلمية، وإذا شجعته جزئيًا فلكي تجيره لخدمة سطوتها أو زيادة جاهها. وهي بلا شك تقاوم بشدة محاولات التغيير الذي يحاوله هذا المتخصص أو ذاك، يما يشكله ذلك من تهديد لامتيازاتها ونظامها الحياتي.
ختامًا، إن الإنسان المتخلف، منذ أن ينشأ تبعًا لبنية اجتماعية معنية، يصبح قوة فاعلة ومؤثرة فيها، فهو يعزز هذه البنية ويدعم استقرارها، بمقاومة تغيرها، نظرًا لارتباطها ببنيته النفسية، وهذا يعني أن العلاقة جدلية بين سبب التخلّف ومسببه (البنية والنمط الإنساني الذي ينتج عنها) وهنا يجب الاهتمام بالسبب والمسبب عند بحث حالة أحد المجتمعات المتخلفة، بغية وضع الخطط التنموية التي تحرك المجتمع ككل وترتقي بإنسانه إلى أفضل حال مما كان عليه. ولكي يتأتي ذلك يجب ترويض الطبيعة وغوائلها من جهة، والتصدي للفئة المسيطرة التي تمارس صنوفًا من الضغط والإرهاب المعيشي على المتعلمين الذين يحلمون بالتغيير من جهة أخرى، وذلك من خلال تشجيعها على انتشار الخرافات واستمرار النظرة التقليدية المتخلفة إلى الوجود، التي تُستخدم في تكوين رأي عام مستعد لمقاومة دعاة التطوير، ويدعم استمرار الذهنية اللاعلمية لتضافر عدة أسباب: شدة غرس التفكير والمعاش الخرافي في ذهن المتعلم منذ الطفولة، سطحية التعليم وعدم مكاملته في الشخصية، لبعده عن القضايا الحياتية والاجتماعية، الانفصام بين العلم النظري والتجربة المعاشة، الخوف من التصدي للتيارات السائدة، حفاظًا على لقمة العيش في مجتمع قامع لا يضمن حرية الفكر ولا يؤمّن للإنسان حياة كريمة، وتكون الخلاصة هي سد السبل على أكثر من صعيد أمام تجاوز تخلف الذهنية والارتقاء بها إلى المنهجية العلمية المضبوطة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
