إسماعيل ياشا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_عيّن الرئيس السوري أحمد الشرع، الجمعة الماضية، مصطفى خليل عبدي، المعروف إعلاميا باسم “مظلوم عبدي”، مستشارا لدى رئاسة الجمهورية السورية، بعد يومين من إعلان هذا الأخير حل قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التي كان يقودها، مؤكدا اندماج جميع التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها في مؤسسات الدولة السورية. وبالتوازي مع هذه الخطوة، أعلنت وزارة التربية السورية اعتماد تدريس اللغة الكردية في المدارس بالمناطق التي يشكل الأكراد نسبة من سكانها. وأثارت هذه القرارات ردود أفعال متباينة في تركيا، كما أعادت إلى الأذهان تصريحات قديمة أطلقها سياسيون وإعلاميون وضباط قدامى حول الثورة السورية و”قسد”.
هناك ارتياح كبير لدى الأطراف المؤيدة للحكومة التركية التي تسعى إلى إنجاز مشروع “تركيا بلا إرهاب”، من أجل إنهاء أنشطة حزب العمال الكردستاني وسحب الورقة الكردية من أيدي إسرائيل وقوى دولية وإقليمية ترغب في استغلالها ضد أمن تركيا واستقرارها ومصالحها. وكان وجود “قسد” وسيطرتها على حوالي ثلث الأراضي السورية أكبر عائق أمام نجاح هذا المشروع الطموح. ومن المعلوم أن حزب العمال الكردستاني يشكل العمود الفقري لــ”قسد”، كما أن مظلوم عبدي نفسه ينتمي إليه. وبالتالي، أزال إنهاء سيطرة “قسد” على شرق الفرات ونجاح اندماج عناصرها في مؤسسات الدولة السورية ذاك العائق الكبير، وفتح الأبواب على مصراعيها لتصل أنقرة إلى هدفها النهائي في مشروع “تركيا بلا إرهاب”.
تأسيس “قسد” كان يهدف إلى تفتيت سوريا لصالح الكيان الصهيوني. ولذلك فإن أول المتضررين من فشلها وإنهائها بهذا الشكل هو الكيان الصهيوني، كما أن الموالين لإسرائيل يأتون على رأس المستائين من حل “قسد”. ويرى كثير من المحللين أن إنهاء مشكلة “قسد” سيمنح الحكومة السورية فرصة التركيز على مشكلة جماعة الهجري في السويداء، وإن نجحت دمشق في حل تلك المشكلة فإنه سيشكل هزيمة مدوية ثانية لإسرائيل التي تدعي بأنها حامية حقوق الدروز وتدعم جماعة الهجري وأنشطتها الانفصالية.
المتطرفون من الأكراد القوميين مستاؤون مما آلت إليه تجربة “قسد” التي جعلتهم يعتقدون بأن إقامة دولة كردية مستقلة على الجزيرة السورية أصبحت قاب قوسين أو أدنى، وها هم الآن يشعرون بأنهم عادوا إلى “نقطة الصفر” بعد أن ظنوا بأنهم قطعوا شوطا كبيرا في طريق تحقيق حلمهم الانفصالي. ويلوم هؤلاء مظلوم عبدي، ويقولون إنه ارتضى لنفسه منصب مستشار لدى رئاسة الجمهورية السورية بدلا من أن يكون رئيس دولة، كما يتهمونه بأنه تخلى عن “تكريد التعليم” في مناطق الأكراد لتبقى اللغة الكردية مجرد مادة يتم تدريسها إلى جانب المواد الأخرى.
المتطرفون من الأتراك القوميين هم أيضا مستاؤون من حل “قسد” واندماج عناصرها في مؤسسات الدولة السورية، وكذلك من التقدم الذي تحقق في مشروع “تركيا بلا إرهاب”. ولا يرى هؤلاء أي حل للمشكلة غير الحل العسكري، ويعتبرون الحلول السلمية تقديم تنازلات إلى الإرهابيين، ويقولون بأن الحلول السلمية “خيانة لدماء الشهداء” و”إهانة إلى تضحيات أسرهم”. إلا أنهم في الحقيقة يتغذون من الصراع الدموي الذي راح ضحيته آلاف من أبناء البلاد، ويعلمون أنهم سيفقدون أهم ورقة كانوا يلعبون بها لرفع شعبيتهم في الشارع التركي.
هناك سبب آخر يثير استياء هؤلاء المتطرفين من الأتراك القوميين، وهو أنهم كانوا يدافعون عن النظام السوري البائد ويدَّعون بأن سقوطه سيؤدي إلى تقسيم سوريا وإقامة دولة كردية على الحدود التركية، وتملأ تصريحاتهم حول الموضوع وسائل الإعلام ومواقع الإنترنت. وتشير نهاية “قسد” إلى أن تحليلاتهم وتنبؤاتهم كانت خاطئة وبعيدة عن الواقع.
ويمكن أن يضاف إلى هؤلاء، أولئك الموالون للنظام الإيراني. وهم أيضا كانوا يروِّجون بأن إسرائيل هي التي تريد سقوط نظام الأسد وأن تقسيم سوريا أمر حتمي في حال سقوطه وفق الخطة الإسرائيلية.
وكانت صحيفة “مللي غوروش” التابعة لحزب السعادة قد صدرت في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2024 بعنوان “أصبح حزب العمال الكردستاني يملك مطارا”، في إشارة إلى سيطرة “قسد” على مطار حلب لوهلة بعد تراجع قوات النظام أمام الثوار.
اليساريون المتطرفون والعلويون السياسيون تحالفوا مع حزب العمال الكردستاني بهدف استغلال الورقة الكردية في إسقاط رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان، ولم تكن تعني هؤلاء حقوق الشعب الكردي بقدر ما يعنيهم استغلالها لصالح أجنداتهم السياسية المدعومة من الخارج. ويعود سبب استياء هؤلاء من حل “قسد” إلى أنهم لن يتمكنوا من تأجيج فتنة بين الأتراك والأكراد، ولا من تحريض الشعب الكردي ضد الحكومة التركية.
مشروع “تركيا بلا إرهاب” قطع شوطا كبيرا في تركيا، بالتوازي مع حل مشكلة “قسد” في سوريا، إلا أن ذلك لا يعني أنه وصل إلى نهاية المطاف، ومن المؤكد أن المتضررين من حل “قسد” سيسعون إلى إثارة مشاكل جديدة وخلق أزمات أخرى في سوريا وتركيا. ولذلك، يجب أن لا تؤدي أجواء الارتياح والتفاؤل السائدة في أنقرة ودمشق إلى التساهل والتخلي عن الحذر من مكائد الكائدين ومؤامرات المتربصين الإقليميين والدوليين.
عربي 21
