الخميس. سبتمبر 3rd, 2026
0 0
Read Time:7 Minute, 31 Second

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_أعادت الحرب الأخيرة في الإقليم تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالعلاقات بين إيران ودول الخليج العربي، ليس فقط من حيث موازين القوى العسكرية، بل أيضًا من حيث طبيعة التفاعلات السياسية وأنماط إدارة الصراع. فهذه العلاقات، التي طالما اتسمت بالتقلب بين التصعيد والتهدئة، دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها حسابات الردع التقليدي مع أدوات النفوذ غير المباشر، وتتشابك فيها الأبعاد الإقليمية مع التحولات في بنية النظام الدولي.

التنافس الجيوسياسي

منذ قيام الجمهورية الإسلامية 1997، سعت إيران إلى إعادة تعريف موقعها في الإقليم باعتبارها قوة مركزية ذات امتداد جغرافي وسياسي يتجاوز حدودها الوطنية. وقد استندت هذه الرؤية إلى مزيج من الاعتبارات الأيديولوجية المرتبطة بتصدير الثورة، وأخرى استراتيجية تتعلق بكسر طوق العزلة وبناء عمق إقليمي. في المقابل، نشأ النظام الأمني الخليجي في سياق مختلف، حيث اعتمدت دول مجلس التعاون، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، على منظومة تحالفات دولية، خصوصًا مع الولايات المتحدة، لضمان أمنها في مواجهة التهديدات الإقليمية. هذا التباين في الرؤى أدى إلى نشوء تنافس جيوسياسي ممتد. وشكّل سقوط النظام العراقي عام 2003 نقطة تحول مفصلية، إذ أتاح لإيران توسيع نفوذها في العراق، ما أحدث خللًا في التوازن الإقليمي، وفتح المجال أمام نمط جديد من الصراع غير المباشر، قائم على دعم الفواعل المحلية

محطات التهدئة والتصعيد

العلاقات بين إيران ودول الخليج لم تتخذ مسارًا تصاعديًا ثابتًا نحو التوتر، بل اتسمت بطابع دوري يتناوب فيه الانفراج المؤقت مع التصعيد الحاد، تبعًا لمحددات إقليمية ودولية متغيرة. ففي أعقاب انتهاء الحرب العراقية–الإيرانية عام 1988، دخلت المنطقة مرحلة إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية، ما أفسح المجال خلال التسعينيات لقدر من التهدئة النسبية. وقد عزز هذا الاتجاه انشغال طهران بإعادة الإعمار، إلى جانب تبنيها سياسة خارجية أكثر براغماتية في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، الذي طرح مفهوم “حوار الحضارات”، وسعى إلى تحسين العلاقات مع دول الجوار، وقد تُوّج هذا المسار بتوقيع اتفاقية أمنية بين البلدين عام 2001.

التقارب لم يصمد طويلًا أمام التحولات البنيوية التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والذي شكّل نقطة انعطاف استراتيجية في ميزان القوى الإقليمي. فقد أدى سقوط النظام العراقي إلى فراغ أمني وسياسي مكّن إيران من توسيع نفوذها داخل العراق، سواء عبر دعم قوى سياسية شيعية أو من خلال شبكات مسلحة، وهو ما أثار مخاوف متزايدة لدى دول الخليج من تنامي ما وُصف بـ”النفوذ الإيراني العابر للحدود”.

تعمّق هذا المسار مع اندلاع موجة الاضطرابات الإقليمية عام 2011، حيث تحولت عدة دول عربية إلى ساحات صراع غير مباشر بين إيران وخصومها الخليجيين. ففي سوريا، دعمت طهران النظام بشكل مباشر، بينما دعمت بعض الدول الخليجية أطرافًا معارضة، ما جعل الصراع يتخذ طابعًا إقليميًا مركبًا. وفي اليمن، أدى صعود جماعة الحوثيين المدعومة من إيران إلى تدخل عسكري تقوده المملكة العربية السعودية عام 2015، وهو ما نقل التنافس إلى مستوى أكثر حدة وخطورة، نظرًا لارتباطه المباشر بالأمن القومي الخليجي. بلغت العلاقات ذروة التصعيد في عام 2016، عقب اقتحام متظاهرين للسفارة السعودية في طهران، على خلفية إعدام رجل الدين نمر النمر في السعودية. وقد أدى هذا الحدث إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتوسيع دائرة الاستقطاب الإقليمي.

ورغم هذا التصعيد، لم تخلُ المرحلة اللاحقة من محاولات احتواء غير معلنة، حيث جرت اتصالات أمنية غير مباشرة، خصوصًا عبر قنوات عراقية وعُمانية، عكست إدراكًا متزايدًا لدى الطرفين بكلفة استمرار المواجهة المفتوحة. وقد تزامن ذلك مع متغيرات دولية، أبرزها توجه الولايات المتحدة نحو تقليص انخراطها المباشر في الشرق الأوسط، ما دفع القوى الإقليمية إلى إعادة تقييم خياراتها. وجاء الاتفاق على استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران في مارس 2023 بوساطة الصين.

 انعكاسات الحرب على الإقليم

أدت التطورات العسكرية الأخيرة، ولا سيما المواجهات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالصراع في غزة وتداعياته على البحر الأحمر ولبنان، إلى تغيير جوهري في موازين القوى، حيث استثمرت إيران في حالة السيولة الأمنية لتعزيز نفوذها عبر “محور المقاومة” كأداة للردع الإقليمي. وفي المقابل، أظهرت دول الخليج قدرة عالية على التكيف الاستراتيجي من خلال الموازنة بين تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وفتح قنوات الدبلوماسية الوقائية، وهو ما قلص من فاعلية الضغوط العسكرية الإيرانية المباشرة.

يبرز دور القوى الدولية كمتغير حاسم في هذه المعادلة، حيث تسعى الصين لفرض نفسها كضامن للاستقرار عبر الوساطات الدبلوماسية لضمان تدفق الطاقة، في وقت تعيد فيه الولايات المتحدة صياغة حضورها العسكري من خلال تحالفات أمنية جديدة تهدف إلى احتواء المسيرات والصواريخ البالستية، مما خلق حالة من “تعددية الأقطاب” داخل المشهد الأمني الخليجي تمنح دول المنطقة هامشاً أوسع للمناورة بعيداً عن الاستقطاب الثنائي التقليدي.

تراجع وتصاعد النفوذ الإيراني

تكشف قراءة المشهد الإقليمي أن النفوذ الإيراني لم يتراجع بقدر ما أعاد تموضعه. ففي حين تراجعت قدرته على المناورة في بعض الساحات نتيجة الضغوط العسكرية، استمر حضوره عبر أدوات غير مباشرة، خاصة في البيئات الهشة. هذا النمط من النفوذ، الذي يقوم على بناء شبكات محلية، يمنح إيران قدرة على التأثير طويل الأمد، حتى في ظل الضغوط، ويجعل من الصعب احتواؤه عبر الأدوات التقليدية.

الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة لا يزال محوريًا في معادلة الأمن الخليجي، إلا أنه يشهد تحولًا تدريجيًا نحو تقليل الانخراط المباشر، والتركيز على الردع غير المباشر. في المقابل، برزت الصين كفاعل اقتصادي ودبلوماسي، يسعى إلى حماية مصالحه في الطاقة عبر تعزيز الاستقرار. هذا التداخل بين الأدوار الدولية يعكس انتقال الإقليم من نظام أحادي القطبية إلى نظام أكثر تعقيدًا، تتوزع فيه الأدوار بين عدة قوى.

 العلاقات الثنائية مع دول الخليج

تتبنى المملكة العربية السعودية في هذه المرحلة نهجاً يقوم على “التهدئة الاستراتيجية” كجزء من رؤية 2030، حيث تسعى الرياض لتحويل العلاقة مع إيران من مربع المواجهة الصفرية إلى مربع التعايش الحذر، معتبرة أن نجاح مشاريعها الكبرى يتطلب تجميد الجبهات المفتوحة وعلى رأسها ملف اليمن، ومع ذلك يظل التنافس القيادي على زعامة المنطقة قائماً خلف ستار التفاهمات الدبلوماسية.

أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فقد نحت منحى البراغماتية الاقتصادية العالية، حيث عملت على فصل المسار التجاري والاستثماري مع طهران عن الهواجس الأمنية المتعلقة بالجزر المحتلة والنفوذ الإقليمي، متبنية سياسة “تصفير الأزمات” التي تهدف لتعزيز مكانتها كمركز مالي عالمي يتجاوز الاضطرابات الجيوسياسية المحيطة.

تلعب كل من قطر وسلطنة عُمان أدوارًا تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية، لتصل إلى مستوى الوساطة الإقليمية. مسقط، تمتلك تاريخًا طويلًا في الوساطة، حيث استضافت محادثات سرية بين إيران والولايات المتحدة قبل التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015، ولا تزال تُعد قناة اتصال موثوقة بين طهران وعدد من العواصم الخليجية والغربية. تتسم مواقف البحرين والكويت بدرجة أعلى من الحذر.

أدوات النفوذ الإيراني في الخليج

تعتمد إيران على بنية مركبة من أدوات النفوذ، تتجاوز المفهوم التقليدي للقوة العسكرية، لتشمل مزيجًا من الوسائل غير المباشرة التي تتيح لها تحقيق تأثير واسع بكلفة أقل. ويُعد الاعتماد على الفواعل غير الدولتية أحد أبرز هذه الأدوات، حيث طورت طهران، على مدى عقود، شبكة من الحلفاء المحليين في عدد من الدول، ما يمنحها قدرة على التأثير في موازين القوى الداخلية دون الانخراط المباشر في الصراع.

النفوذ يمتد إلى المجال السياسي، حيث تسعى إيران إلى بناء علاقات مع نخب سياسية واجتماعية، خاصة في البيئات التي تعاني من هشاشة مؤسسية أو انقسامات داخلية بهدف التأثير في عملية صنع القرار، أو على الأقل تعطيل سياسات معادية لها. إلى جانب ذلك، برزت أدوات الحرب غير المباشرة كعنصر أساسي في الاستراتيجية الإيرانية، حيث تشمل الهجمات السيبرانية التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، والعمليات الاستخباراتية العابرة للحدود، فضلًا عن الحملات الإعلامية التي تهدف إلى التأثير في الرأي العام.

سيناريوهات العلاقة المستقبلية

تشير المعطيات إلى أن مستقبل العلاقات بين إيران ودول الخليج سيتشكل وفق ثلاثة مسارات محتملة. يتمثل المسار الأول في إمكانية ترسيخ تهدئة طويلة الأمد، وهو سيناريو يتطلب توافر إرادة سياسية حقيقية، وإطار أمني إقليمي قادر على معالجة جذور الصراع.

المسار الثاني، وهو الأكثر ترجيحًا، فيتمثل في استمرار توازن ردع هش، حيث تتجنب الأطراف المواجهة المباشرة، مع استمرار التنافس غير المباشر. ويظل هذا التوازن عرضة للانهيار في حال حدوث صدمات مفاجئة.

ويتمثل المسار الثالث في عودة التصعيد عبر الوكلاء، خاصة في حال فشل جهود التهدئة، أو تصاعد التوتر في إحدى الساحات الإقليمية.

التحديات أمام الاستقرار

يواجه أي مسار نحو الاستقرار مجموعة من التحديات البنيوية، يأتي في مقدمتها انعدام الثقة بين الأطراف، وهو عامل متجذر يصعب تجاوزه في المدى القصير. كما يمثل الأمن البحري في الخليج ومضيق هرمز نقطة توتر دائمة، نظرًا لأهميته الاستراتيجية في تجارة الطاقة العالمية. إلى جانب ذلك، تسهم التدخلات الخارجية، خاصة من جانب الولايات المتحدة والصين، في تعقيد المشهد، حيث تتداخل المصالح الدولية مع الحسابات الإقليمية.

تقييم وقراءة المستقبلية

– تشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقات بين إيران ودول الخليج تتجه نحو نمط من “إدارة الصراع” بدلًا من حله، حيث تفرض اعتبارات الكلفة الاقتصادية والعسكرية قيودًا واضحة على خيارات التصعيد المباشر.

– من المرجح أن يستمر توازن الردع الهش كإطار حاكم للعلاقات في المدى المتوسط، حيث تحافظ الأطراف على خطوط حمراء تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع الإبقاء على أدوات الضغط غير المباشر.

– سيبقى النفوذ الإيراني حاضرًا في الإقليم، لكن بصيغة أكثر مرونة وتكيّفًا، تعتمد على تقليل الانخراط المباشر وتعزيز أدوات التأثير غير التقليدية. هذا النمط يجعل من الصعب احتواء الدور الإيراني عبر الوسائل التقليدية، ويُبقي على حالة التوتر الكامن في العلاقات مع دول الخليج.

– من المتوقع أن يتزايد دور القوى الدولية في ضبط إيقاع التفاعلات الإقليمية، حيث تستمر الولايات المتحدة في لعب دور الضامن الأمني، مقابل صعود الصين كوسيط اقتصادي ودبلوماسي.

– يظل مستقبل الاستقرار في الخليج مرتبطًا بقدرة الأطراف على الانتقال من التهدئة التكتيكية إلى ترتيبات أمنية أكثر استدامة، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة في ظل انعدام الثقة وتضارب المصالح.

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code