شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_يشهد التعاون الأمني والدفاعي بين الإمارات وألمانيا تطورًا متزايدًا، في ظل تنامي التحديات الأمنية الإقليمية والدولية، ولا سيما تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات الهجينة. وتسعى الدولتان إلى توسيع مجالات التنسيق وتبادل الخبرات وتعزيز القدرات الدفاعية والتكنولوجية، بما يدعم أمن الخليج وأوروبا. ويأتي هذا التقارب في إطار توجه أوسع نحو بناء شراكات دفاعية أكثر مرونة واستجابة للتحولات المتسارعة في البيئة الأمنية.
بُنيت أسس هذه الشراكة على مدى عقود. فقد أرست اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2004، والتي أعقبتها خطوات إضافية لتعميق التعاون في عامي 2019 و2022، علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والانفتاح الاقتصادي والتعاون الدولي. وما بدأ بالعلاقات الدبلوماسية والتجارة تطور إلى شراكة بين دولتين تتطلعان إلى الصناعات والتكنولوجيات والبنية التحتية التي ستسهم في تشكيل الاقتصاد العالمي في المستقبل. تتحرك ألمانيا والإمارات في عالم أصبحت فيه المرونة الاقتصادية وأمن الطاقة وموثوقية سلاسل الإمداد والقدرة على المنافسة التكنولوجية عناصر أساسية للازدهار والأمن الوطنيين. وقد أظهرت حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي في أوروبا والشرق الأوسط أن الاقتصادات القوية تحتاج إلى شركاء موثوقين، وأن بناء القدرة على الصمود يتحقق من خلال التعاون.
تعزيز التعاون مع ألمانيا
تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة إلى تعزيز التعاون مع ألمانيا في مجال الدفاع، وكذلك في مجال الذكاء الاصطناعي. ويقول أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، قبيل زيارة رئيس الدولة إلى برلين، إن الوقت حان للارتقاء بالعلاقات “المهمة جدًا” بين البلدين إلى “المستوى التالي”. وتابع قرقاش: “هل يمكننا أن نتعاون، على سبيل المثال، من أجل بناء قدرات في مجال الدفاع ضد الطائرات المسيّرة؟”. وأوضح أن الحربين في أوكرانيا وإيران أظهرتا أن العالم لا يمتلك قدرات كافية لمواجهة صواريخ وطائرات مسيّرة من النوع المستخدم اليوم. وأضاف: “أعتقد أن ألمانيا تدرك أن المهام المقبلة لن تكون بالضرورة مماثلة لتلك التي واجهناها في الماضي”. كما أعربت الإمارات عن اهتمام كبير بالذكاء الاصطناعي، وفقًا لقرقاش. وتستثمر بلاده، على غرار جارتها السعودية، بصورة مكثفة في هذه التكنولوجيا.
الرئيس الإماراتي في زيارة دولة إلى برلين
يتوجه الرئيس محمد بن زايد إلى برلين في زيارة دولة تستمر عدة أيام، ومن المقرر أن يلتقي في 10 سبتمبر من العام 2026، من بين آخرين، الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والمستشار الألماني فريدريش ميرتس، المنتمي إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي.CDU وخلال الحرب مع إيران، التي مستمرة منذ أكثر من نصف عام، تعرضت الدولة الخليجية لهجمات مكثفة. ووفقًا لقرقاش، أطلقت إيران نحو 3 آلاف صاروخ وطائرة مسيّرة باتجاه الإمارات. وقال إن غالبية هذه الهجمات استهدفت البنية التحتية المدنية، وإنه تم اعتراض 97% منها. وفي ألمانيا ، تدور نقاشات حول خطر الطائرات المسيّرة وسبل التصدي لها، وذلك في سياق الهجمات الهجينة التي تحمل الحكومة الألمانية روسيا مسؤوليتها. ويقصد بالهجمات الهجينة مزيج من الوسائل العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية والدعائية. وتشمل هذه الوسائل أيضًا الهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي.
جدول زيارة رئيس دولة الإمارات إلى ألمانيا
تُجرى زيارة الدولة التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية ابتداءً من 9 سبتمبر 2026. ويتضمن البرنامج الرسمي للزيارة لقاءات رفيعة المستوى في برلين، في مقدمتها لقاء رئيس دولة الإمارات مع الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، إلى جانب لقاء المستشار الألماني فريدريش ميرتس في المستشارية الاتحادية يوم 10 سبتمبر 2026. وتركز المباحثات على تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتطوير العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، والتعاون في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالسلام والاستقرار في الشرق الأوسط. ويُعتبر تصنيف الزيارة كـزيارة دولة مؤشراً على المستوى الرفيع للعلاقات الثنائية، إذ ترافقها مراسم استقبال وتشريفات رسمية وفق البروتوكول الألماني الخاص بزيارات رؤساء الدول. ولم يُنشر، حتى تاريخ إعداد الدراسة، برنامج تفصيلي كامل يتضمن جميع المواعيد وموعد المغادرة النهائي، ولذلك يقتصر الجدول المنشور على المواعيد التي تم تأكيدها رسمياً.
المحاور الرئيسية للزيارة : يرتقب أن تركز المباحثات الإماراتية–الألمانية على عدد من الملفات ذات الأولوية، أبرزها: تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين دولة الإمارات وألمانيا، زيادة الاستثمارات والتعاون الاقتصادي والتجاري. التعاون في مجالات الطاقة والتحول في قطاع الطاقة. تطوير التعاون في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والبحث العلمي. التعاون في مجالات الطاقة المتجددة والهيدروجين وكفاءة الطاقة، مناقشة قضايا السلام والاستقرار الإقليمي، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط. توسيع أطر التعاون بين المؤسسات الحكومية والشركات والمستثمرين في البلدين.
الجانب البروتوكولي: نظرًا إلى تصنيف الزيارة باعتبارها زيارة دولة، فإنها تتم وفق مستوى مرتفع من التشريفات الرسمية. وعادةً ما تتضمن زيارات الدولة لرؤساء الدول: الاستقبال الرسمي، مراسم حرس الشرف، الأناشيد الوطنية، اللقاء الرسمي مع رئيس الدولة المضيفة، المباحثات الثنائية والموسعة، الصور الرسمية، مأدبة أو فعالية رسمية، إذا كانت مدرجة في البرنامج، توقيع الاتفاقيات أو البيانات المشتركة، عند اعتمادها.،برنامج اقتصادي أو ثقافي مصاحب، مراسم المغادرة الرسمية.
قرقاش: “يجب أن نكون أكثر انفتاحًا وبراغماتية“
كانت ألمانيا قد خففت في مارس من العام 2026، على خلفية الحرب مع إيران، قواعد تصدير بعض أنواع الأسلحة إلى الإمارات ودول خليجية أخرى، وكذلك إلى أوكرانيا. وتخضع صادرات الأسلحة إلى ما يسمى “الدول الثالثة”، أي الدول التي لا تنتمي إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو” أو الاتحاد الأوروبي، لشروط وقيود صارمة أساسًا. وأكد قرقاش: “لقد تجاوزت الأحداث القيود السابقة”. وأضاف أن الحروب والتحديات المتعلقة بالأمن والطاقة أظهرت “أن علينا أن نصبح أكثر انفتاحًا وبراغماتية بكثير في تحركاتنا”. وفيما يتعلق بموعد انتهاء الحرب مع إيران وكيفية انتهائها، قال قرقاش: “سيتعين علينا التعامل مع إيران غير مستقرة لفترة طويلة جدًا”، مشيرًا إلى أن الأمر لا يقتصر على دول الخليج، بل يشمل أوروبا كذلك. وأضاف: “نحن في مرحلة يتعين علينا فيها التعامل مع الوضع بدلًا من انتظار حلول سريعة”.
حجم التعاون في الاقتصاد والطاقة
تمتلك ألمانيا نقاط قوة في مجالات الهندسة والتصنيع المتقدم والبحث العلمي والتكنولوجيا الصناعية. بينما تمتلك الإمارات رأس مال استثماريًا استراتيجيًا، وبنية تحتية عالمية المستوى، وبيئة أعمال منفتحة وتنافسية، وموقعًا فريدًا يربط أوروبا بالخليج وآسيا وأفريقيا. قفز حجم التجارة الثنائية الإجمالية إلى 13.5 مليار يورو (15.6 مليار دولار) العام الماضي، ولا يزال ينمو بمعدل لافت. ويقود هذا التطور اندماج هيكلي عميق، وشراكات في مجال الطاقة النظيفة، والتصنيع المتقدم، وتبادل التكنولوجيا، وليس تقلبات أسواق النفط. وتعمل حاليًا نحو 2000 شركة ألمانية في الإمارات، إلى جانب وجود جالية ألمانية كبيرة. وفي الوقت نفسه، تتدفق الاستثمارات الإماراتية إلى الشركات الألمانية.
ويتمثل المقياس الأهم لهذه الشراكة بين الطرفين، وما ستتيح هذه الاستثمارات تحقيقه خلال السنوات المقبلة. وقد أصبح حجم هذا الالتزام واضحًا بالفعل. فمن خلال استثمار شركة XRG البالغ 14.7 مليار يورو في شركة “كوفسترو” (Covestro)، الرائدة في تصنيع البوليمرات والمواد الكيميائية المتخصصة في ألمانيا، نفذت الإمارات أحد أكبر الالتزامات التي قدمها مستثمر دولي للصناعة الألمانية. ولا تكمن أهمية هذا الاستثمار في حجمه فقط، بل فيما يمثله من ثقة في مستقبل ألمانيا الصناعي، وريادتها التكنولوجية، وقدرتها على مواصلة احتضان شركات عالمية رائدة. وهذا يعكس إيمانًا مشتركًا بالابتكار الألماني والتميز في التصنيع والريادة الصناعية، والتزامًا طويل الأمد بمساعدة الشركات العالمية الرائدة على النمو والمنافسة والريادة في الصناعات التي ستشكل المستقبل.
تتخذ الدولتان اليوم خيارات مدروسة بشأن الاقتصادات التي تريدان بناءها في المستقبل. ويعني ذلك الاستثمار في الطاقة النظيفة والهيدروجين والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والخدمات اللوجستية وغيرها من التكنولوجيات ذات القيمة العالية.
وهذا يعني خلق الوظائف وتطوير المهارات التي تتيح لشعبي البلدين الاستفادة من التحول الاقتصادي المقبل. وتعمل ألمانيا على تعزيز قاعدتها الصناعية وتحديثها، بينما تسرّع الإمارات انتقالها نحو اقتصاد أكثر تنوعًا قائم على المعرفة والتكنولوجيا. وتدرك الدولتان بصورة متزايدة أن تحقيق الازدهار على المدى الطويل سيعتمد على الابتكار والتنويع والقدرة على المنافسة التكنولوجية. وتقدم الطاقة مثالًا واضحًا على ذلك.
تركز ألمانيا على تأمين إمدادات طاقة موثوقة، إلى جانب التحدي طويل الأمد المتمثل في خفض الانبعاثات الكربونية. وبدلًا من التعامل مع هذين الهدفين باعتبارهما أولويتين متعارضتين، جمعت اتفاقية “مسرّع أمن الطاقة والصناعة”، التي وقعتها الدولتان عام 2022، بينهما ضمن أجندة واحدة.
وأظهرت الاتفاقيات التي تلت ذلك كيف يمكن ترجمة هذا التعاون إلى واقع عملي. فقد وصلت شحنة من الغاز الطبيعي المسال لتشغيل المحطة العائمة في برونسبوتل، إلى جانب شحنات تجريبية من الأمونيا منخفضة الكربون للصناعة الألمانية. ووصلت الأمونيا إلى هامبورغ عام 2022، حيث استخدمتها شركة “أوروبوريس” بدلًا من الغاز الطبيعي في سلسلة اختبارات بمصنعها لإنتاج قضبان النحاس. ووصلت شحنة الغاز الطبيعي المسال إلى برونسبوتل عام 2023، وكانت أول شحنة تُرسل إلى ألمانيا من الشرق الأوسط. وتسلمتها شركة “آر دبليو إي”، التي تعمل على تطوير محطة لاستيراد الأمونيا في الموقع نفسه، بهدف تحويل المنشأة إلى محطة لاستيراد الجزيئات الخضراء.
ومنذ ذلك الحين، انتقل هذا التعاون إلى مرحلة جديدة. ففي عام 2023، استثمرت شركة “مصدر” في مشروع “بالتك إيغل” لطاقة الرياح البحرية، الذي تبلغ قيمته 1.6 مليار يورو، قبالة الساحل الشمالي الشرقي لألمانيا. ويوفر المشروع، الذي تبلغ قدرته 476 ميغاواط، ما يكفي من الطاقة المتجددة لتزويد 475 ألف أسرة بالكهرباء. وتتجاوز الفرص مجال الطاقة بكثير. إذ يمكن للشركات الألمانية استخدام الإمارات منصةً للتوسع والتواصل مع بعض أسرع الاقتصادات نموًا في العالم. وبالنسبة إلى الإمارات، فإن تعميق التعاون مع الصناعة الألمانية يوفر الخبرات والابتكار والشراكات الصناعية التي تدعم تحولها الاقتصادي.
تتحرك ألمانيا والإمارات في عالم أصبحت فيه المرونة الاقتصادية وأمن الطاقة وموثوقية سلاسل الإمداد والقدرة على المنافسة التكنولوجية عناصر أساسية للازدهار والأمن الوطنيين.وتقدم تجربة شركة “ويلو” مثالًا واضحًا على كيفية تطور هذه العلاقة إلى شراكات صناعية تعود بالنفع المتبادل على البلدين. وتنتج شركة “ويلو”، المتخصصة في تكنولوجيا المياه والمضخات ومقرها دورتموند، منتجاتها في المنطقة الحرة بجبل علي منذ نحو 20 عامًا، كما وسعت طاقتها الإنتاجية في دبي العام الماضي. وفي يونيو، وقعت “ويلو” و”موانئ دبي العالمية” اتفاقية لتوسيع هذه الشراكة لتشمل تكنولوجيا المياه المستدامة، والخدمات اللوجستية الذكية، والحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي لقطاع المياه.
لكن هذه الشراكة تتجاوز الجانب الاقتصادي. فالإمارات وألمانيا تشتركان في الالتزام بالحوار والتعاون الدولي والاستقرار. وفي فترة تتسم بعدم اليقين الجيوسياسي، تكتسب العلاقات القائمة على الثقة أهمية كبيرة. فالمرونة الاقتصادية والاستقرار السياسي يعزز كل منهما الآخر. أن الشراكات التي تخلق فرص العمل، وتعزز سبل العيش، وتعمق الروابط الاقتصادية يمكنها أيضًا أن تساعد في بناء أسس مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولهذا السبب تكتسب هذه الزيارة الرئاسية الأولى أهمية كبيرة. فهي تعكس عمق ونضج علاقة بُنيت على مدى عقود. كما تعكس أهمية الإمارات بالنسبة إلى ألمانيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا موثوقًا في مجالات الطاقة والاستثمار والتكنولوجيا والتجارة. وتوفر الزيارة فرصة للانتقال بالعلاقة إلى مرحلة جديدة.
تأتي زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية، إلى ألمانيا في التاسع من سبتمبر 2026 بوصفها زيارة دولة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز العلاقات الثنائية؛ فاللقاء مع الرئيس فرانك فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرتس يركز رسميًا على تطوير الشراكة الاقتصادية والتنموية، لكنه يأتي أيضًا في بيئة إقليمية ودولية مضطربة تجعل ملفات الطاقة والأمن والاستقرار الإقليمي والدولي حاضرة بقوة في جدول المباحثات.
وتمثل الزيارة، من منظور أوسع، محاولة من برلين وأبوظبي لتوسيع شراكة تقوم على المصالح الاقتصادية والتكنولوجيا والطاقة، مع الحفاظ على قنوات التنسيق السياسي بشأن أزمات المنطقة؛ وهو ما يمنح الإمارات أهمية متزايدة كشريك خليجي قادر على الجمع بين العلاقات الاقتصادية مع أوروبا والدور السياسي في ملفات إقليمية متعددة. كما تأتي الزيارة وسط نقاشات ألمانية حول علاقاتها مع دول الخليج وقضايا إقليمية حساسة، ما يجعلها فرصة أمام الطرفين لتثبيت الشراكة وتوسيعها، وليس مجرد مناسبة بروتوكولية.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
