الخميس. سبتمبر 10th, 2026
0 0
Read Time:2 Minute, 32 Second

صفوح صادق شاعر فلسطيني

يا صبية…
ما أثقل هذا الشوق حين يستيقظ في آخر الليل،
حين يصبح الوطن ظلًا بعيدًا
يمشي في الذاكرة أكثر مما يمشي على الأرض.

أحملُ عمري كمن يحملُ حقيبةً قديمة
امتلأت بالطرق التي لم أعد أسلكها،
وبالأبواب التي أغلقتها الريح خلفي
ولم تفتح بعدها أبدًا.

أشتاق لوطنٍ
لم يعد في الخرائط،
صار يسكن في نبضي فقط،
وكلما حاولتُ أن أبلغه
تقدّم الغياب خطوة
وتراجعتُ أنا خطوة.

يا صبية…
أتعبني هذا الحنين،
أتعبني أن يكون القلب بيتًا كبيرًا
تسكنه أصواتٌ رحلت،
وصورٌ لا تزال تطرق الجدران كل مساء
كأنها تطلب العودة.

الوطن الغائب ليس مكانًا،
إنه رائحة خبزٍ
لم تعد في الصباح،
ووجوهٌ كانت تبتسم دون سبب،
وخطواتٌ أعرفها من بعيد
حتى لو مرّت في حلمٍ لا يخصّني.

أشتاق إليه
كما يشتاق البحرُ لملحٍ ضاع منه،
وكما تشتاق الأشجارُ لظلّها
حين يطول النهار أكثر مما يجب.

يا صبية…
قلبي عتيق، نعم،
لكنّه ما زال يتّسع لكل هذا الغياب،
وما زال يخبّئ في زواياه
مكانًا صغيرًا
لوطنٍ يعود يومًا
ولو في الحلم فقط.

يا صبية…
ما عاد المساء مساءً،
صار مثل ذئبٍ يجيء من آخر العمر
يبحث في جيوب القلب عن فتات وطنٍ ضاع،
عن رائحةٍ تركتها على نافذةٍ قديمة
ثم رحلتِ دون أن تلتفتي.

أحملُ عمري كما يحمل المسافر حقيبةً
يعرف أنّه لن يصل،
لكنّه يواصل السير
لأن الطريق وحدها تمنحه معنى البقاء.
تعبتُ يا صبية…
تعبتُ من أن أكون ابنًا لوطنٍ
لا يعود،
ولا ينسى،
ولا يكفّ عن الظهور في أحلامي
كضيفٍ يأتي بلا موعد
ويغادر بلا وداع.

أشتاق لوطنٍ
كان يفتح لي أبوابه
قبل أن أطرقها،
وكان يعرف اسمي
قبل أن أنطق به.
وطنٍ كانت شمسُه
تربّت على كتفي
كما تربّت الأمّ على طفلٍ عاد من اللعب،
وكانت لياليه
تسهر معي
حتى لو لم يكن في قلبي
سوى صمتٍ طويل.

يا صبية…
الوطن الغائب ليس ترابًا،
إنه تفاصيل صغيرة
تتسلّل إلى القلب كلما ظننتُ أني نسيت:
رائحة خبزٍ
كانت توقظني قبل الضوء،
ضحكة جارٍ
كان يمرّ أمام البيت
فيترك في الهواء أثرًا يشبه الفرح،
طريقٌ أعرف حجارتها
كما أعرف خطوط يدي،
وشجرةٌ كنتُ أستند إليها
حين يضيق العالم.

أشتاق إليه
كما يشتاق الطفلُ ليدٍ
أفلتته فجأة،
وكما يشتاق البحرُ لموجةٍ
لم تعد إليه،
وكما تشتاق الأغنيةُ لصوتٍ
كان يكمّلها
ثم صمت.

يا صبية…
قلبي عتيق، نعم،
لكنّه ليس خرابًا،
هو مثل كل البيوت القديمة:
تشقّقت جدرانه،
تآكلت نوافذه،
لكنّه ما زال واسعًا،
ما زال قادرًا على الاحتفاظ بالضوء
حتى لو جاء من شقّ صغير في السقف.
قلبي بيتٌ كبير،
تسكنه ذكرياتٌ
لا أعرف كيف أخرجها،
وأحلامٌ
لا أعرف كيف أُعيدها،
وأوطانٌ نعود إليها.

أحيانًا
أجلس في آخر الليل
وأحدّق في الظلام
كأنّي أنتظر أن ينهض الوطن من بين الظلال،
أن يجيء مثل صديقٍ قديم
ويقول لي:
لقد تأخرتُ،
لكنّي لم أنسَ الطريق إليك.

يا صبية…
هذا الشوق ليس حنينًا فقط،
إنه حياةٌ أخرى
أعيشها في داخلي،
وطنٌ صغير
أحمله معي
كلما ابتعدتُ أكثر،
وكلما حاولتُ أن أكون قويًا
أمام غيابٍ
لا يلين.

وإن عاد الوطن يومًا،
ولو في حلمٍ عابر،
سأفتح له قلبي
كما تُفتح الأبواب القديمة
لأصحابها،
وسأقول له:
تعبتُ يا وطن،
لكنّي ما زلتُ أحبّك
كما لو أنّك لم تغب يومًا.
شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code