شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_- يبدو أن النقاش حول الموازنة الفيدرالية في بلجيكا دخل مرحلة غريبة، فبينما يصوّر رئيس الوزراء بارت دي ويفر المهمة باعتبارها تسلقًا شاقًا يتطلب جهداً كبيراً وقرارات مؤلمة، يرى سياسيون آخرون أن العثور على مليارات اليوروهات قد يكون أسهل بكثير مما تقدمه الحكومة.
موازنة بلجيكا.. بداية سياسية غير عادية
المشهد السياسي المرتبط بالموازنة لا يزال يشبه إلى حد كبير حالة الانتظار. فدي ويفر يراقب شركاءه وخصومه، بينما يكرر رسالتين واضحتين: هناك حاجة ملحة للتحرك، لكن التحرك لن يكون ممكناً من دون خيارات صعبة يتحمل الجميع تبعاتها.
وهذا يعني، بحسب رئيس الوزراء، أن المواطنين والأحزاب السياسية ورؤساءها سيجدون أنفسهم أمام قرارات لن تكون سهلة على أحد.
لكن خطاب الاستعجال هذا يصطدم بخطاب مختلف تماماً من جانب بعض السياسيين، الذين يرون أن تأمين الأموال المطلوبة لا يحتاج إلى كل هذا التعقيد.
بول مانييت يتحدث عن 20 مليار يورو
من صفوف المعارضة، خرج رئيس الحزب الاشتراكي بول مانييت ليؤكد أن بالإمكان العثور على ما يقارب 20 مليار يورو من خلال مجموعة من الإجراءات.
ومن بين الأفكار التي طرحها مانييت رفع الأجور وتقليص المساعدات الموجهة إلى الشركات، بل إنه ذهب إلى حد القول إن العثور على مليارات إضافية ليس بالأمر الصعب.
قد لا يكون من المستغرب أن تتبنى المعارضة مثل هذا الخطاب، لكن الأمر يبدو أكثر لفتاً للانتباه بالنسبة إلى حزب يسعى إلى استعادة مصداقيته في الملف الاقتصادي، خصوصاً أنه شارك في السابق في عمليات إصلاح وتقشف مالي، بعد أزمة 2008 وخلال تسعينيات القرن الماضي.
جورج-لوي بوشيه يرفع السقف إلى 17 ملياراً
أما جورج-لوي بوشيه، فيبدو أكثر ثقة أيضاً بإمكانية تحقيق وفورات ضخمة. صحيح أنه لم يقل صراحة إن الأمر سهل، لكن مضمون خطابه يسير في هذا الاتجاه.
وبعبارة لافتة قال بوشيه: «لو كنت رئيساً للوزراء»، ثم قدم خطة قال إنها قادرة على توفير 17 مليار يورو من خلال خفض النفقات فقط.
واللافت أن هذا الرقم يتجاوز بكثير مبلغ 10 مليارات يورو الذي يطالب دي ويفر بتوفيره. وكأن الرسالة هي أن التسلق الذي يصفه رئيس الوزراء بأنه طريق شديد الصعوبة يمكن إنجازه من دون عناء تقريباً.
وحتى أن بوشيه استخدم صورة ساخرة من عالم سباقات الدراجات، فبدلاً من تسلق جبل صعب، يبدو الأمر بالنسبة إليه أشبه بصعود طريق منحدر بالكاد يُذكر. أما الحديث عن «صعود» في مدينة نيوبورت الساحلية، حيث لا تكاد تجد مرتفعاً أصلاً، فهو جزء من السخرية التي يحملها الطرح.
هل توجد أزمة عاجلة فعلاً؟
لم يكتفِ بوشيه بالقول إن توفير الأموال ممكن، بل اعتبر أيضاً أن الوضع لا يستدعي إجراءات مالية عاجلة تحقق نتائج سريعة.
وفي المقابل، يرى أن المطلوب هو تنفيذ إصلاحات قادرة على طمأنة الأسواق المالية على المدى الطويل.
وبذلك، فإن الخلاف لا يتعلق فقط بحجم الأموال التي يمكن توفيرها، بل أيضاً بسرعة التحرك وطبيعة الإجراءات المطلوبة. فبينما يتحدث دي ويفر عن سباق مع الوقت، يبدو بوشيه وكأنه يرى أن الطريق لا يزال طويلاً وأنه لا داعي للاندفاع.
دي ويفر يختار الشطرنج بدلاً من كشف أوراقه
أما بارت دي ويفر، فيواصل الانتظار من دون أن يضع حتى الآن مجموعة واضحة من الإجراءات على الطاولة.
وفي خضم النقاش الحاد حول الموازنة، اختار رئيس الوزراء أن يظهر أمام وسائل الإعلام في مواجهة بطلة العالم في الشطرنج جوديت بولغار، في مشهد حرصت الصحافة على تصويره وتوثيقه.
ومن الصعب اعتبار اختيار هذا التوقيت مجرد صدفة. فبينما يخوض السياسيون معركة حول سؤال «من يستطيع توفير أكبر عدد من المليارات؟»، اختار دي ويفر أن يجلس أمام رقعة شطرنج، في صورة تحمل رسالة سياسية واضحة: هو ينتظر ويراقب تحركات الآخرين قبل أن يكشف خطوته التالية.
رئيس الوزراء ينتظر.. لكنه لا يكشف أوراقه
وباستثناء تأكيده أن الوضع صعب وأن التحرك أصبح ضرورياً، لم يلتزم دي ويفر حتى الآن بإجراءات محددة، كما أنه لم يضع نفسه أمام مخاطر سياسية من خلال الإعلان عن خطة تفصيلية.
بدلاً من ذلك، يراقب تحركات خصومه وشركائه، وكأنه ينتظر منهم أن يكشفوا أوراقهم أولاً قبل أن يقوم بخطوته.
لكن حتى في لعبة الشطرنج الحقيقية، لم تكن الأمور مثالية بالنسبة إلى رئيس الوزراء. ففي المباراة التي خاضها أمام جوديت بولغار، انتهت المواجهة بخسارته، وهو أمر ليس مفاجئاً بالنظر إلى الفارق الكبير في المستوى بين الطرفين.
ومع ذلك، لفتت إحدى نقلاته الانتباه، بعدما لعب F6، وهي نقلة يعتبرها كثير من لاعبي الشطرنج خطأً أساسياً.
أما جوديت بولغار، فوصفت هذه النقلة بأنها «خطأ غير مسؤول».
وهنا تبرز المفارقة: بارت دي ويفر يلعب الشطرنج، لكن هل يمتلك فعلاً خطوة سياسية إضافية في معركة الموازنة؟ أم أنه ينتظر فقط حتى يكشف الآخرون عن خططهم؟
الإجابة قد تظهر خلال شهر.
وكالات

