ياسين التميمي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_على إثر التطورات الخطيرة في جنوب البحر الأحمر وباب المندب، يمكن الحديث عن مستوى مختلف تماماً من المواجهة الحاسمة التي باتت هدفاً جدياً لكل من الحكومة الشرعية وحليفتها وداعمها الرئيس المملكة العربية السعودية، بعد أن نجحت إيران في تحقيق هدفها المعلن المتمثل في التحكم الاستراتيجي الكامل بمضيق باب المندب وتعزيز مركزها العسكري، في إطار حربها الحالية مع الولايات المتحدة، وصدور إشارات غير إيجابية من واشنطن تفيد بإحالة النتائج الحالية لمعركة باب المندب على كاهل السعودية وحدها.
كعادته من عدم التحفظ، أوضح ترامب أن الحوثيين توسلوا إليه أن لا يتدخل عسكرياً والتزموا بعدم اعتراض السفن الأمريكية والدولية عدا السفن السعودية. هذا التوسل ربما جاء في صيغة علاقات عامة، بادرت إليها جهات إقليمية يحكمها المنطق الثأري والرغبة المشتركة في إرباك الدور السعودي في اليمن ودفع المملكة نحو خيار التطبيع، وهو هدف يفترض وجود إسناد إسرائيلي واضح في هذا الاتجاه.
اللافت أن إيران عملت كل ما بوسعها لتحصين مكاسبها في باب المندب، عبر الدفع بحلفائها إلى التنسيق والتخادم مع الولايات المتحدة، بالاستفادة من الضمانات الخفية التي تقدمها دول عربية لطالما حرثت في الجغرافيا اليمنية وأشاعت فيها الخراب واعتبرتها الخندق الأول والأخير في الحرب الخفية التي تخوضها مع المملكة.
ليس بوسع ترامب أن يدعي بعد إخفاقاته بأنه سيتحكم بمضيق باب المندب عبر الحوثيين، في معزل عن توظيف محتمل لهذا المضيق من جانب إيران، لأن هذه السياسة تهز مصداقية القوة العظمى بعد أن اهتزت الثقة بقدرتها على توفير الأمن لحلفائها في المنطقة.
واجهت تركيا وضعاً حرجاً كهذا في شمال سوريا، لكنها فرضت خيار المواجهة مع مخطط حصار تركيا وإغراقها بالأزمات عبر عمل عسكري، كان العالم الغربي وحلف الناتو يقفون ضده وتواجهه إيران ومحورها الطائفي، وروسيا وترسانتها العسكرية، ونجحت رغم ذلك؛ في كسب المعركة وتحويل مجرى الأحداث بالاتجاه الذي يخدم مصالح الشعبين التركي والسوري.
السعودية تتوفر لها فرص كبيرة لإنهاء الوضع الناشئ في جنوب البحر الأحمر، بعد أن حيّدت المعارك القوة الوظيفية التي أنشأتها الإمارات في جنوب البحر بقيادة نجل شقيق الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، وتراجع مفعول القوة الانفصالية الجنوبية التي وظّفتها الإمارات لفصل الجنوب عن الشمال في عملية عسكرية وقحة، قبل أن تجهض السعودية هذا المسعى الخطير عبر القوات اليمنية والقوة الجوية.
تحتاج السعودية بشكل سريع وعاجل إلى تعزيز الجهد العسكري الميداني عبر وحدات القوات المسلحة اليمنية، والدمج الكامل للتشكيلات والمسميات التي فرضتها مرحلة الهندسة الخائبة للمشهد اليمني، والتي لم تأخذ بعين الاعتبار مخاطر تحول اليمن إلى ساحة لصراع متعدد الأطراف.
المعركة النوعية هي الخيار الأكثر إلحاحاً لمواجهة النتائج الناشئة عن سيطرة الحوثيين المدعومين من إيران على مضيق باب المندب، ومن أهمها، زيادة فرص التحكم بالممر الملاحي الدولي بأقل الإمكانيات، بالإضافة إلى ميزة الباب المفتوح الذي ستمر عبره الموارد العسكرية والإمدادات، وتتعزز بفضله شبكة التخادم بين المكونات المسلحة وجماعات ما دون الدولة والكيانات الانفصالية التي تدعمها الإمارات وإسرائيل في جمهورية الصومال.
لم تكن قوات طارق صالح المعروفة باسم “المقاومة الوطنية” جزءا من جهد عسكري لحماية سيادة الدولة اليمنية ومقدراتها، ومواجهة التمرد الحوثي، بقدر ما كانت قوة وظيفة صرفت الجزء الأكبر من وقتها وجهدها العسكري والأمني والاستخباراتي لتأسيس نموذج كانتوني سلطوي؛ لاذ به بعض أتباع النظام القديم من العسكريين وقيادات وأعضاء المؤتمر الشعبي العام وبعض المكونات اليسارية والقومية التي تتبنى موقفاً عدائياً من الجيش الوطني، بحجة أن الإصلاح يهيمن عليه، الأمر الذي حوّل قوات طارق صالح المدعومة إماراتياً إلى حارس سيئ يوصد الأبواب أمام القوات المدافعة عن تعز، ويمنعها من الحصول على الموارد العسكرية التي تتدفق للحوثيين والانفصاليين ولقواته بسخاء كبير.
لطالما نظر أبناء محافظة تعز ومعهم كثير من اليمنيين إلى معركة السهم الذهبي، التي قادتها الإمارات عام أوائل العام 2016 لدحر الانقلابيين من الساحل الغربي لمحافظتي تعز والحديدة باسم تحالف دعم الشرعية، بأنها عمل ينطوي على مخاطر حقيقية على مستقبل الدولة اليمنية، لأن تلك المعركة لم تتجاوز في سقفها الجيوسياسي هدف إعادة تثبيت الحدود الشطرية التي أُدمجت مع إعادة تحقيق الوحدة اليمنية في 22 أيار/مايو 1990، والحيلولة دون الاستفادة من مضيق باب المندب لتأمين إمداد الجيش الوطني، لقتال الانقلابيين الحوثيين، إلى جانب هدف خطير آخر وهو تأسيس تحالف شطري توافقي يحقق هدف تقسيم اليمن ويحميه عسكريا.
عربي 21
