حسن محمد عبداللطيف
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_فى جغرافيا الأوطان، ثمة رجال لا يقاس عمرهم بالسنين، بل بحجم الأثر الذى تركته أصابعهم المغبرة بمسحوق الطباشير على جدران العقول. ومن رحم مدينة “ودان” الأصيلة، يبرز أسم المعلم الإنسان الأستاذ/ عبدالله أنبية حنطوق (مواليد 1939م)، كشاهد حي على جيل الرعيل الأول، ذلك الجيل الذى نحت فى الصخر، وعاند الشدائد، وعاش حياة التقشف والخشونة من أجل أن يضيء قناديل العلم فى دروب أجيال ليبية تائهة فى مجاهل الأمية آنذاك.
بدأت الحكاية في عام 1957م، حين عين هذا الشاب الطموح فى قطاع التربية والتعليم، يحمل شهادته الإعدادية ودورات تقوية من مصراتة وسبها كدروع معرفية يخوض بها معركة الوعي. شد الرحال إلى مدرسة زلة الابتدائية، ليكون هناك المعلم الشامل بنظام الفصل حتى عام 1960م. لم يتوقف العطاء، بل عاد إلى جذوره مدرساً بمدرسة ودان القديمة حتى عام 1966م، متدرجاً إلى نائب مدير، ثم قائداً لدفة الإدارة فى مدرسة الإمام على بن أبي طالب التى ترجل فيها عن صهوة الوظيفة عند بلوغه سن التقاعد، لكنه لم يترجل قط عن صهوة الأثر والقدوة.
عبدالله أنبيه ليس مجرد أسم فى أرشيف التعليم، بل هو مخزون إجتماعي بإمتياز، عندما تجلس إليه، يفتح لك خزائن ذاكرته الملمة بالماضي والحاضر، يسرد تفاصيل طفولته وأصدقائه بحكمة السنين ورأي سديد يعرف معادن الناس. هذا التاريخ الحى تجسد مؤخراً فى لفتة إنسانية هزت مشاعر الحاضرين بمسرح كلية التربية بودان، حيث دخل المعلم الفاضل مدفوعاً على كرسيه المتحرك بإرادة لا تنكسر، يقوده إبنه الأصغر “النصر”، ليقف المسرح بأكمله إجلالاً وتوقيراً. هناك، تسلم درع الشكر والوفاء من رجل تضامني عرف بصدق العطاء، الأستاذ محمد على أدم (مدير فرع صندوق التضامن الاجتماعي بالجفرة سابقآ)، ليبرهن هذا الحدث على أن المعروف لا يموت، وأن من زرع الصبر والوطنية يحصد الإجلال ولو بعد حين.
شهادة زملائه فى الإدارة مدرسة الإمام على بن أبي طالب.
حين تولى الأستاذ عبدالله إدارة المدرسة، لم يكن مديراً يجلس خلف مكتب، بل كان قائداً تربوياً فى الميدان. كان يملك حنكة إدارية فطرية، ونظرة بعيدة المدى، والأهم من ذلك حسه الإنساني العالي وصراحته الشديدة التى تدل على نقاء سريرته. تميز بقدرته الفائقة على معرفة معادن الناس، وكان يحل الخلافات بحكمة وهدوء، فكسب احترام المعلمين، وأولياء الأمور، والطلاب على حد سواء حتى يوم تقاعده.
إن تكريم المعلم عبدالله أنبية حنطوق هو تكريم لقيم الصبر، والتضحية، والوفاء الشامخ كشجر النخيل فى ودان. هو درس صامت وعظيم موجه لشبابنا المثقف اليوم، ليدركوا حجم الجوع والعطش والسهر الذى كابده هؤلاء العظماء ليصنعوا لنا حاضراً آمناً بالعلم. حفظه الله، ومدّه بالصحة والعافية، فمثله لا يموت أثرهم، بل يظل خطهم نبراساً تتوارثه الأبناء والأحفاد.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
