شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_عادت الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا إلى الساحة السياسية خلال السنوات الأربع الأخيرة، ووصل بعضها إلى السلطة، فيما برز بعضها الآخر ككتلة معارضة مؤثرة في المشهدين السياسي والاجتماعي. وأسهمت الظروف الاقتصادية، وفي مقدمتها الأزمة المالية لعام 2008، إلى جانب أزمة اللاجئين في عامي 2015 و2016، في زيادة شعبية الأحزاب اليمينية، والانتقال بها من مرحلة التغلغل في المجتمع إلى مرحلة التأثير في القرارات السياسية، وتعزيز نفوذها داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية.
ما المخاطر السياسية لصعود اليمين المتطرف؟
– الاستقطاب السياسي: أوضح تحليل أجراه أكثر من (150) عالمًا سياسيًا في (31) دولة، في يونيو 2026، أن نسبة الأوروبيين الذين صوتوا لحزب يميني متطرف في أحدث انتخابات وطنية في بلادهم، قد ارتفعت لأكثر من (23%) من حوالي (10%) قبل عقد من الزمن، ونحو (5%) في 1995. أوضح البحث الذي قاده ماتياس رودوين، عالم السياسة في جامعة أمستردام، في استطلاع “PopuList” للأحزاب اليسارية واليمينية المتطرفة والشعبوية الأوروبية، أن ما يقرب من (30%) من الناخبين صوتوا للأحزاب المناهضة للمؤسسة. ويقول ماتياس رودوين، إن ” بداية المشروع كانت في 2018، وصوت ربع الأوروبيين للأحزاب الشعبوية، ومعظمهم من أقصى اليسار وأقصى اليمين، والآن ربعهم يصوتون لأحزاب اليمين المتطرف، ومعظمهم من الشعبويين”.
تزايد الدعم لليمين المتطرف في عامي 2023 و2025، وحققت أحزاب اليمين المتطرف مكاسب تاريخية في الانتخابات الوطنية في فرنسا وبريطانيا، وفي ألمانيا في 2025. في النمسا، تقدم حزب “الحرية” اليميني المتطرف من (16%) إلى (29%) في انتخابات 2024، وارتفع حزب “التجمع الوطني الفرنسي” من (19%) إلى (37%) ليصبح أكبر حزب منفرد في البرلمان الفرنسي، وتقدم حزب “شيغا” البرتغالي من (7%) إلى (18%). وحصل حزب “الإصلاح” البريطاني على (14%) من الأصوات، بعد أن حصد (2%) فقط في 2019. ضاعف حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، نسبته من (10%) إلى (21%) في انتخابات ألمانيا 2025، ليصبح ثاني أكبر حزب في ألمانيا لأول مرة.
تتواجد الأحزاب اليمينية المتطرفة في ائتلافات حاكمة في كرواتيا والتشيك وإيطاليا وفنلندا، وتتصدر هذه الأحزاب استطلاعات الرأي في فرنسا وألمانيا، وبريطانيا، وبلجيكا، والنمسا. في أكتوبر 2025، جاءت المفاجأة بخسارة حزب “من أجل الحرية” الهولندي، ما يقرب من ثلث مقاعده ليحتل المركز الثاني. وفي أبريل 2026، تعرض حزب “فيدس” بزعامة فيكتور أوربان، لهزيمة ساحقة على يد منافسه من يمين الوسط. تشير التقديرات الحديثة، إلى وجود (133) حزبًا يمينيًا متطرفًا في أوروبا، مقابل (112) حزبًا في 2003.
– إضعاف التوافق الديمقراطي: يرى سيزارو رودريغيز-أغيليرا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة برشلونة، أن اليمين المتطرف أسوأ ما في الإيديولوجية الأوروبية، لاعتماده على تمجيد الأمة على أساس عرقي وشوفيني، وكراهية الأجانب والمهاجرين، والشعبوية المناهضة للسياسيين والمؤسسة الحاكمة، مشيرًا إلى أن خطاب اليمين المتطرف يدفع لزيادة معدلات الجريمة بما في ذلك الإرهاب، ويهدد خطط الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية.
يوضح سيزارو رودريغيز-أغيليرا، أن اليمين يصور الاتحاد الأوروبي كنوع من الاتحاد السوفيتي المعاصر، ويرفض الفيدرالية ويدعم البعض منه مغادرة الاتحاد، ويدعو البعض الأخر لتقليص صلاحياته، ليصبح مجرد تنسيق اقتصادي للدول، نظرًا لأنه ينظر إلى الديمقراطية على أنها مجرد قشرة فارغة، والسياسة الاقتصادية الحالية كخطة معادية للشعوب الأوروبية لتعزيز أجندة العولمة.
– الضغط على المؤسسات: يعد صعود اليمين المتطرف تحديًا مباشرًا لمؤسسات الدولة، وسيطرت حكومة فيكتور أوربان على نحو (80%) من سوق الإعلام، وأتخذ إجراءات ضد الصحفيين والمعارضين. بالمثل، أدخلت حكومة بولندا في عهد حزب “العدالة والقانون” تغييرات قضائية جعلت أجهزة الرقابة تحت النفوذ التنفيذي، واعتبرت المفوضية الأوروبية هذه التغييرات انتهاكًا للدساتير والقوانين الأوروبية.
ظهرت دعوات من اليمين لحظر مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الداعمة للمهاجرين. وعرض في النمسا قانون يتيح إخضاع المحاكم الإسلامية لرقابة الدولة. وأصدرت حكومة جورجيا ميلوني، أوامر بملاحقة المنظمات غير الحكومية التي تنقذ اللاجئين في البحر. أشارت منظمة “مراسلون بلا حدود”، إلى تراجع تصنيف حرية الصحافة في بولندا والمجر، بأكثر من (10) نقاط خلال عقد، مقارنة باستقرار نسبي في باقي دول الاتحاد. أشارت دراسة “إدارة النزاع” من جامعة زيورخ، إلى ارتفاع نسبة الأوروبيين الذين يعتقدون أن مؤسسات بلادهم لا تخضع لأي رقابة فعلية، لاسيما بين مؤيدي الأحزاب الشعبوية.
هل يتحول العنف من الهامش إلى التيار؟
– التطرف العنيف: أوضح المرصد الدولي لدراسات الإرهاب”OIET”، أن المشهد العالمي في 2026، اتسم بوجود مقلق للإرهاب المرتبط بإيديولوجيات اليمين المتطرف، ما يعقد معادلة الأمن العالمي. وكشفت تحقيقات في إسبانيا، عن محاولات من جماعة “فرقة أتوموافن” النازية الجديدة، لتأسيس وجود لها في إسبانيا، والانتقال من النشاط الإلكتروني لأعمال عنف محتملة، بنشر دعاية متطرفة وتعليمات على “تليغرام” لصنع أسلحة ومتفجرات محلية الصنع.
في بريطانيا، أقر مراهق من ليدز بتخطيطه لأعمال إرهابية بدافع إيديولوجية التفوق العرقي الأبيض، وإنشاء “يوتوبيا بيضاء” قائمة على الفصل العنصري، ما يعكس زيادة التطرف عبر الإنترنت بين الأقليات. كشف محققو مكافحة التطرف في بريطانيا، عن شبكة متنامية من النازيين الجدد، مستخدمة منصات الإنترنت والرسائل المشفرة للتجنيد والتنسيق. منعت السلطات الفرنسية، (10) ناشطين من اليمين المتطرف من دخول البلاد، لارتباطهم بشبكات قومية متطرفة تدعو لتفوق العرق الأبيض. وألقت الشرطة البرتغالية القبض على (37) شخصًا في حملة ضد شبكة يمينية متطرفة، متهمة بنشر دعاية للنازية الجديدة وتجنيد أعضاء.
– الذئاب المنفردة: اعتبرت الأجهزة الأوروبية، أن اليمين المتطرف أحد التهديدات الرئيسية، وأن الخطر الحالي يتمثل في الذئاب المنفردة والخلايا الصغيرة، والشبكات الرقمية العابرة للحدود، والمراهقين والشباب المتطرفين عبر الإنترنت. واصلت الأجهزة الأمنية في 2025، و2026، ملاحقة شبكات النازيين الجدد على تطبيق “تليغرام”، والمتهمة بنشر أدلة تنفيذ الاغتيالات والتفجيرات. توضح المؤشرات أن أخطر تيارات اليمين المتطرف هي الجماعة المؤمنة بتسريع انهيار الدولة، والنظام الديمقراطي عبر العنف والفوضى، وتمثل الخطورة الأكبر استعدادها لتنفيذ هجمات ضد المدنيين.
– خطاب الكراهية: يشكك اليمين المتطرف في خطابه في نوايا الحكومات القائمة، لإثارة المخاوف لدي الناخبين. ويتبنى رؤية ثنائية تزيد من الانقسامات داخل المجتمع الواحد. ودعا يمينيون متشددون في السويد إلى تحويل الهجرة للصفر. وفي إيطاليا دعت الحكومة إلى إعادة الهوية الوطنية وتأجيج معاداة الهجرة.
– التهديدات الأمنية: رغم انخفاض هجمات اليمين المتطرف في 2024 و2025، فإنه لا يزال مصدرًا للقلق في 2026. وبحسب تقرير “يوربول” 2025، سجل الاتحاد الأوروبي (58) هجومًا في 2024، وتم اعتقال (449) شخصًا في قضايا مرتبطة بالإرهاب داخل (20) دولة أوروبية. حذر “يوروبول” من أن صغر سن المتورطين في التخطيط لهجمات يمينية متطرفة أصبح أحد أبرز التطورات الأمنية في أوروبا، مشيرًا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي والدعاية الرقمية وصل لأعلى مستويات داخل الأوساط اليمينية المتطرفة، وأصبحت منصات التراسل المشفرة أداة رئيسية للتجنيد والتحريض على العنف.
تشير الأجهزة الأمنية في ألمانيا وفرنسا والنمسا والسويد، إلى أن اليمين المتطرف بات أكبر تهديد للأمن الداخلي، لارتفاع جرائم الكراهية وزيادة النشاط النازي الجديد، وانتشار الدعاية المعادية للمهاجرين والمسلمين واليهود، ونمو الشبكات العابرة للحدود الأوروبية.
كيف يؤثر اليمن المتطرف على سياسات الهجرة والاندماج؟
– تشديد قوانين اللجوء: دخل ميثاق الهجرة واللجوء حيز التنفيذ، في دول الاتحاد الأوروبي، في 12 يونيو 2026، ويشمل قواعد الفحص الإلزامي للمهاجرين على الحدود الخارجية للاتحاد، وتسريع إجراءات البت في طلبات اللجوء، وإنشاء نظام موحد لتسجيل الوافدين، وتشديد قواعد إعادة المهاجرين المرفوضة طلباتهم، بجانب الحد من دخول المهاجرين بطرق غير نظامية، وتحسين توزيع طالبي اللجوء بين الدول الأعضاء، وتسريع ترحيل الأشخاص المقيمين بصورة غير قانونية.
قالت رئيسة وزراء الدنمارك ميتي فريدريكسن، في 23 يونيو 2026، إن الدول الأوروبية قد تنشئ مراكز للمهاجرين ممولة من الاتحاد الأوروبي خارج أراضيه بحلول 2027، وسط تشديد أوسع لسياسة الهجرة مدفوعة بصعود أحزاب اليمين المتطرف. ودافعت عن إنشاء “مراكز العودة”، لذا تعمل للحصول على تمويل من المفوضية الأوروبية لهذه الخطوة.
عقب صعود حزب “البديل من أجل ألمانيا” في استطلاعات الرأي، بنسب تجاوزت (20%)، بعد تحقيقه نتائج ساحقة في انتخابات الولايات الشرقية، أعادت ألمانيا فرض رقابة حدودية مؤقتة على بعض حدودها، ووسعت من صلاحيات ترحيل المهاجرين المرفوضة طلباتهم، وطرحت مناقشة إنشاء مراكز استقبال خارج الاتحاد. وكان لحزب “من أجل الحرية” الهولندي، دورًا في خفض أعداد طالبي اللجوء، وتقليص برامج لم الشمل الأسري، وتشديد شروط الإقامة الدائمة ومنح الجنسية.
– إعادة تعريف الهوية الوطنية: طالب حزب “الحرية” النمساوي، بوضع سقف للهجرة واللجوء، وربط بين الحصول على الخدمات الاجتماعية بمستوى الاندماج وإتقان اللغة الألمانية. وأصبح لحزب “ديمقراطي السويد” تأثيرًا في صياغة السياسات الحكومية، بتشديد شروط الإقامة، وتقليل مزايا الهجرة، ورفع متطلبات اللغة والدخل للحصول على الجنسية. طرحت أحزاب يمينية في فرنسا وألمانيا وهولندا والنمسا، فكرة أن الاندماج لا يقتصر على تعلم اللغة، بل يجب أن يؤسس على القيم الوطنية والثقافة السائدة، وأن فشل الاندماج يهدد الأمن والاستقرار. ركزت خطابات الأحزاب اليمينية في انتخابات 2025 و2026، على حماية الهوية الأوروبية والحد من تأثير الهجرة على التركيبة الديموغرافية.
– انعكاساته الاجتماعية: تسبب خطاب اليمين المتطرف، في انقسام الرأي العام حول الهجرة في 2025، و2026، وارتفاع جرائم الكراهية ضد المهاجرين والمسلمين واليهود، بحسب دراسات أوروبية حديثة. وفي ألمانيا، ألقت الشرطة القبض في مايو 2025، على (5) مراهقين أعمارهم بين (14-18) عامًا يشتبه بتشكيلهم خلية متطرفة يمينية، متهمة بمحاولة قتل وإشعال حريق ضد مهاجرين وطالبي لجوء. واعتقلت في أكتوبر 2025، متطرفًا يمينيًا كان يخطط لهجوم ضد المهاجرين.
كيف تتعامل ألمانيا مع هذه الظاهرة؟
– دور هيئة حماية الدستور: تعد الأداة الرئيسية في مكافحة التطرف اليميني، وفي 2 مايو 2025، صنفت الهيئة “حزب البديل من أجل ألمانيا” على المستوى الفيدرالي، تنظيمًا متطرفًا، استنادًا لتقرير استخباراتي، تضمن خطابات وممارسات اعتبرتها السلطات مناهضة للنظام الديمقراطي، وتحمل مضامين عنصرية ومعادية للمهاجرين. وبحسب تقارير الأمن الداخلي الألماني الأخيرة، يظل اليمين المتطرف أكبر تيار متطرف منظم داخل البلاد، من حيث عدد الأفراد المصنفين أمنيًا. في17 فبراير 2026، صنفت هيئة الاستخبارات الداخلية في ولاية ساكسونيا السفلى الألمانية، فرع حزب “البديل من أجل ألمانيا” كمنظمة ذات توجهات متطرفة، ليصبح الحزب مصنفًا كحالة مؤكدة لمنظمة يمينية متطرفة في (4) ولايات. وقالت وزيرة داخلية ولاية ولاية ساكسونيا السفلى دانييلا بيرنس، إن “تقييم الاستخبارات الداخلية واضح، فأكبر خطر يهدد مجتمعنا يأتي من التطرف اليميني، وأن استمرار مراقبة الحزب من قبل هيئة حماية الدستور، نتيجة منطقية بناءً على هذا التصنيف”.
– الرقابة الاستخباراتية: بعد تصنيف حزب البديل من أجل ألمانيا كمنظمة متطرفة، توسعت صلاحيات هيئة حماية الدستور، وشملت تشغيل مصادر بشرية داخل الأوساط المتطرفة، وإجراء تحقيقات مالية، ومراقبة الاتصالات في حالات محدودة وبعد موافقات قانونية، وجمع وتحليل المحتوى الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. توسعت مراقبة الفروع الإقليمية للحزب بداية من 2025، لتشمل الحزب على المستوى الوطني. شددت ألمانيا الرقابة على المنصات الرقمية، مع تزايد انتشار الخطاب اليميني المتطرف وحالات تجنيد الشباب عبر الإنترنت.
– الأدوات القانونية: تمتلك ألمانيا أدوات قانونية رئيسية لمكافحة التطرف اليميني، ويتيح القانون لوزارة الداخلية، حظر الجمعيات والتنظيمات التي تهدد النظام الديمقراطي وتنشر الكراهية، بينما تمتلك المحكمة الدستورية صلاحية حظر الأحزاب. وبموجب الدستور الألماني، يمكن فرض قيود على التمويل العام للأحزاب والتنظيمات، التي ثبت معاداتها للنظام الدستوري والقانون بالبلاد.
ما التدابير التي ينبغي اتخاذها لمواجهة اليمين المتطرف؟
– ينبغي على الأحزاب التقليدية استعادة ثقة الناخبين، بتقديم حلولًا في أزمة السكن، وتحسين الخدمات العامة، ومكافحة التضخم، وتقليص الفجوات الاجتماعية، لاسيما وأن الأحزاب اليمينية استغلت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لانتقاد الحكومات الحالية.
– وظفت الأحزاب اليمينية أزمة الهجرة لصالحها في الانتخابات، لذا يجب أن ينظم الاتحاد الأوروبي استقبال المهاجرين واللاجئين، ومراقبة الحدود في إطار منظم يمنع حدوث أي فوضي، لأنها قد تصبح مادة سياسية لليمين المتطرف.
– ينبغي أن تسرع دول أوروبا إجراءات دمج المهاجرين بصورة أنجح، لمكافحة أي محاولات للجماعة الإسلاموية المتطرفة لاستقطاب المهاجرين، الأمر الذي قد يستغله اليمين المتطرف للهجوم على الهجرة والمهاجرين.
– أطلقت المفوضية الأوروبية مشروع “الدرع الأوروبي للديمقراطية”، في 2025، لمكافحة التضليل الإلكتروني. وفي فبراير 2026، أطلقت أجندة لمكافحة التطرف والإرهاب، ما يتطلب توسيع هذه الإجراءات وإنشاء شبكة أوروبية موسعة عابرة للحدود، لمواكبة التطور التكنولوجي الذي يستخدمه اليمين المتطرف.
– تدشين برامج لتعلم الفكر النقدي، ورفع الوعي بالتضليل الإلكتروني، في إطار البرامج التي أطلقتها المفوضية الأوروبية، في 2026، لدعم منظمات المجتمع المدني العاملة في منع انتشار التطرف بين الشباب.
– تعزيز التماسك الاجتماعي، بتقليل الفجوات بين المناطق الجغرافية والفئات المجتمعية، وتوفير الفرص في التعلم والعمل، ودعم الفئات الأكثر تضررًا من التغيرات الاقتصادية.
إلى أين يتجه اليمين المتطرف في أوروبا؟
– سيناريو الاحتواء والتراجع: يرتبط هذا السيناريو بقدرة الأحزاب التقليدية على العودة للحياة السياسية بصورة أفضل، عبر تحسين الأداء الاقتصادي، ومعالجة أزمة الهجرة واللجوء، وتجديد الخطاب السياسي. ورغم خسارة أحزاب وحكومات يمينية شعبيتها مؤخرًا في المجر وهولندا، تصبح فرص حدوث السيناريو ضعيفة، نظرًا لاتجاه بعض الأصوات من الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى أحزاب مشابه لسياساتهم.
– سيناريو الشراكة في الحكم: يعني هذا السيناريو مشاركة الأحزاب اليمينية المتطرفة في الحكومات الائتلافية، وتعد الحكومات في إيطاليا وكرواتيا والتشيك وفنلندا نموذجًا لهذا السيناريو، بينما يرفض سياسيون في أحزاب يمين الوسط هذا التعاون. وقد تصبح احتمالية حدوث هذا السيناريو مرتفعة، نظرًا لتزايد شعبية الأحزاب اليمينية، وحصد أصوات كبيرة في الانتخابات العامة والمحلية في عدد من الدول، ما يجعل مشاركتهم في الحكم أمرًا وارد الحدوث.
– سيناريو التحول إلى التيار السياسي المهيمن: يعتمد هذا السيناريو على قدرة اليمين المتطرف، للسيطرة على المشهد الانتخابي وتحقيق الأغلبية في الانتخابات العامة والمحلية، خاصة وأن الأحزاب اليمينية في فرنسا وألمانيا والنمسا يتصدرون المشهد بصورة غير مسبوقة مقارنة بالأعوام السابقة. تصبح فرص حدوث السيناريو متوسطة، ومرتبطة بسياسات الأحزاب التقليدية في الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وقدرة اليمين المتطرف على ترتيب صفوفه وحل الانقسامات الداخلية.
– سيناريو أوروبا أكثر يمينية ضمن الإطار الديمقراطي: يتجه هذا السيناريو إلى سيطرة اليمين المتطرف على الحكم، لكن دون إحداث تغييرات جذرية في السياسات الأوروبية، وبقاء الاتحاد الأوروبي والانتخابات التعددية، وإحداث تغييرات في ملفات الهجرة والهوية والأمن وحرب أوكرانيا. تصبح فرص حدوث هذا السيناريو متوسطة، ومرتبطة بقدرة اليمين المتطرف على تنفيذ جزء من أجندته السياسية، التي اعتمد عليها في استقطاب الناخبين.
تقييم وقراءة مستقبلية
– إن نتائج الانتخابات في عدد من دول أوروبا خلال الثلاث الأعوام الماضية، تشير إلى فقدان الأحزاب اليسارية والليبرالية مصداقيتها لدى الناخب الأوروبي، ونجاح الأحزاب اليمينية المتطرفة في استقطاب هذه الأصوات لصالحها، واستغلال الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، لتحويلها إلى جزء أساسي من الخطاب الانتخابي. ومن المتوقع أن تشتد المنافسة بين الأحزاب اليمينية المتطرفة والأحزاب التقليدية في الانتخابات المرتقبة خلال 2027، في فرنسا وإيطاليا، خاصة وأن جميع الأحزاب تدرك أن هذه الانتخابات ستكون مؤثرة في سياسات أوروبا في الهجرة والأمن والاقتصاد.
– ستواصل الأحزاب اليمينية سياسات الضغط، على الحكومات الحالية والأحزاب التقليدية، لتحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية، التي تتمثل في إجبار هذه الأحزاب والحكومات على تغير خطاباتها وسياساتها، وأن تكون مقاربة أكثر لسياسات اليمين الشعبوي، ما يفقد هذه الأحزاب ثقلها السياسي تدريجيًا بين الناخبين، وإحداث تغييرات في سياسات الاتحاد الأوروبي وفقًا لرؤية اليمين المتطرف، وممارسة ضغوط على المؤسسات الأوروبية، لإثارة الانقسام بداخلها وتهديد وحدتها وتماسكها.
– إن صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة للسلطة في عدد من الدول، لا يعني تخلي هذه الأحزاب عن العنف، لاسيما وأن طبيعة هذه الحوادث لا ترتبط بالقيادات السياسية التي تعمل في المجال السياسي، بل ترتبط أكثر بالفروع الأكثر تطرفًا في الأحزاب، مثل منظمة “الشباب” التابعة لحزب البديل من أجل ألمانيا، وبالفئات العمرية الأكثر صغرًا والأكثر استخدامًا لشبكة الإنترنت، ما يعني أن نهج العنف من قبل اليمين المتطرف قابل للتصاعد، في ظل تزايد حالة الاستقطاب المجتمعي وإثارة خلافات حول الهجرة والتوترات بالشرق الأوسط.
– تمادي أحزاب اليمين المتطرف في خطاب الكراهية ضد المهاجرين، يزيد من الهجمات الإرهابية من قبل الذئاب المنفردة، ويدفع لتشديد الإجراءات ضد المهاجرين واللاجئين المتواجدين حاليًا في أوروبا، وتطبيق دول أوروبا سياسات أكثر تشددًا في استقبال موجات هجرة ولجوء جديدة، ما يضعها أمام معضلة بين إرضاء اليمين المتطرف وتحسين صورتها في الداخل، والتزامها بالقوانين الدولية، وتحمل المسؤولية الاجتماعية والإنسانية تجاه المهاجرين واللاجئين، والحفاظ على صورتها في الخارج.
– تمثل سياسات ألمانيا تجاه اليمين المتطرف نموذجًا، لاسيما وأن حزب البديل من أجل ألمانيا حقق نتائج غير مسبوقة في الانتخابات التشريعية والمحلية، وينشر نفوذه في ولايات لا يمتلك فيها أصوات، وفي الوقت نفسه شددت ألمانيا من الرقابة والإجراءات تجاه الحزب والمنظمات التابعة له، ما يعني أن دول أوروبا بحاجة إلى سياسة متوازنة بين الأجهزة الاستخباراتية والأمنية والتشريعية، لمواجهة تداعيات صعود اليمين المتطرف في السياسة والمجتمع.
– تعد هزيمة الزعيم المجري اليميني فيكتور أوربان، وتولي بيتر ماجار الحكومة، دليلًا استرشاديًا لدول أوروبا لتحجيم نفوذ الأحزاب اليمينية المتطرفة، ويتمثل الأمر في تغيير الخطاب السياسي والنزول للشارع لإعادة بناء الثقة مع الناخبين، واختيار أسماء معارضة بعيدة عن المعارضة التقليدية والأسماء المعروفة لدى الناخبين، وطرح حلول واقعية لأزمات الهجرة والاقتصاد.
– من المحتمل أن يكون سيناريو الشراكة في الحكم بين الأحزاب اليمينية المتطرفة والأحزاب التقليدية هو الأقرب، نظرًا لتحول المزاج الانتخابي نحو اليمين المتطرف، وفي الوقت نفسه، لن تترك الأحزاب التقليدية الساحة السياسية بسهولة.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

