شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تراهن أوروبا على دعم أوكرانيا باعتباره جزءاً من معادلة أمنها المستقبلية، وليس مجرد استجابة للحرب الدائرة على حدودها الشرقية. فقد ربط الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة بين استمرار الدعم السياسي والعسكري والمالي لكييف وبين حماية الأمن الأوروبي ومنع فرض تغييرات إقليمية بالقوة، مع التأكيد على أن أي تسوية يجب أن تتضمن ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا
و لا ينحصر الرهان الأوروبي في تمكين أوكرانيا من مواصلة الدفاع عن نفسها، وإنما يمتد إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وتقليص الاعتماد الاستراتيجي، والاستعداد للتعامل مع مرحلة ما بعد الحرب. وقد أكد المجلس الأوروبي في يونيو 2026 أن الحرب الروسية على أوكرانيا تمثل تحدياً أمنياً أساسياً للاتحاد، داعياً إلى رفع الجاهزية الدفاعية الأوروبية وتعزيز حماية الحدود والبنية التحتية ومواجهة التهديدات الهجينة.
جاءت تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يوم 26 سبتمبر 2026 خلال أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في توقيت دولي شديد التعقيد، تتداخل فيه الحرب الروسية ـ الأوكرانية مع أزمات الشرق الأوسط، وتتصاعد فيه الخلافات حول مستقبل النظام الدولي ودور المؤسسات متعددة الأطراف. وعقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 26 سبتمبر 2026 لقاءً مع نظيره الألماني يوهان فاديفول، في أول مباحثات مباشرة بين وزيري خارجية البلدين منذ ما قبل العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022. ووفقاً للخارجية الروسية، تناول اللقاء العلاقات الثنائية والوضع في أوكرانيا، فيما نقلت مصادر ألمانية أن فاديفول دعا موسكو إلى وقف ما وصفه بـمسار التصعيد الخطير تجاه ألمانيا وأوروبا وحلف شمال الأطلسي، مؤكداً أن برلين منفتحة على تحسين العلاقات، لكن ذلك يتطلب استعداداً روسياً حقيقياً لإنهاء الحرب. بحث الجانب الألماني إمكانية التوصل إلى ترتيبات بشأن صادرات الحبوب عبر البحر الأسود، باعتبارها خطوة يمكن أن تفتح المجال أمام إجراءات عملية أخرى. وفي مؤتمره الصحفي عقب اللقاء، قلل لافروف من أهمية المباحثات، قائلاً إنه لم يسمع من الوزير الألماني مواقف جديدة تتجاوز ما تعلنه برلين رسمياً، وهو ما يعكس استمرار الهوة السياسية بين موسكو وبرلين، رغم عودة قنوات الاتصال المباشر على المستوى الدبلوماسي.
الحرب تتحول إلى صراع على شكل التسوية
الرسالة الروسية بشأن أوكرانيا تركز على أن الحرب لا يمكن فصلها عن تصور موسكو للأمن الأوروبي وعلاقات روسيا مع الغرب. وفي المقابل، تتمسك أوكرانيا وشركاؤها الأوروبيون بمبادئ السيادة والسلامة الإقليمية والضمانات الأمنية.وتكشف هذه المواقف أن الخلاف لم يعد مقتصراً على سؤال وقف إطلاق النار، بل أصبح مرتبطاً بما سيأتي بعده: حدود التسوية، والضمانات الأمنية، والعقوبات، ومستقبل العلاقات الروسية ـ الأوروبية، وترتيبات الأمن في القارة. تظل الاتصالات الأميركية ـ الروسية والأميركية ـ الأوكرانية ذات أهمية، إلا أن مسار التفاوض لم يصل إلى اتفاق شامل. وحتى خلال اجتماعات الجمعية العامة الأخيرة، استمرت الاتصالات الدبلوماسية دون تحقيق اختراق حاسم. وهذا يعني أن المرحلة الحالية يمكن وصفها بأنها مرحلة تفاوض على شروط التفاوض نفسه؛ إذ لم تصل الأطراف بعد إلى صيغة مشتركة حول الإطار الذي يمكن أن تنتقل من خلاله من وقف القتال إلى تسوية سياسية مستدامة.
يرى تحليل صادر عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) أن انتهاء الحرب الروسية ـ الأوكرانية لن يعني بالضرورة نهاية التوتر بين روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، بل قد يقود إلى مرحلة جديدة من المنافسة الأمنية طويلة الأمد. ويشير التحليل إلى أن وقف القتال قد يترك الأطراف أمام حالة من المواجهة منخفضة الحدة تستمر لسنوات، الأمر الذي يجعل أوروبا أمام تحدي إدارة هذه المنافسة ومنع تحولها مجدداً إلى حرب مفتوحة. ويعتبر الباحثون أن أوروبا ستكون الطرف الأكثر تأثراً بأي تصعيد مستقبلي بحكم قربها الجغرافي من الصراع، وبالتالي فإن بناء آليات للردع وإدارة الأزمات سيصبح جزءاً أساسياً من مستقبل الأمن الأوروبي.
ويعكس هذا الطرح تحولاً في طبيعة العلاقة بين روسيا وأوروبا؛ فحتى في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار، من المرجح أن تستمر الخلافات حول الأمن الإقليمي، والحدود، والعقوبات، ومستقبل أوكرانيا، وترتيبات الدفاع الأوروبي، بما يجعل مرحلة ما بعد الحرب امتداداً للتنافس الاستراتيجي ولكن بأدوات مختلفة.
أوروبا .. التأثير في التسوية
تمثل أوروبا أحد أهم التحولات في المشهد التفاوضي، فالدول الأوروبية لم تعد تتعامل مع الحرب باعتبارها أزمة تقع خارج حدودها الأمنية، وإنما باعتبارها أزمة ستحدد مستقبل منظومة الأمن الأوروبية. وقد أعلنت المؤسسات الأوروبية استمرار الدعم السياسي والمالي والعسكري لأوكرانيا، وربطت أي تسوية بما تصفه بسلام شامل وعادل ودائم، مع ضمانات أمنية قوية لأوكرانيا. كما أبدى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء استعداداً للمساهمة في الضمانات الأمنية وآليات مراقبة وقف إطلاق النار.
وهنا يظهر الخلاف مع موسكو؛ إذ تنظر روسيا إلى بعض المواقف الأوروبية باعتبارها عاملاً يزيد صعوبة التوصل إلى تسوية، بينما ترى أوروبا أن مشاركتها ضرورية لأن أي اتفاق بشأن أوكرانيا سيؤثر بصورة مباشرة في الأمن الأوروبي. فإن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت أوروبا تريد السلام أو استمرار الحرب، وإنما بنوع السلام الذي تريد الوصول إليه. تسعى أوروبا الى تسوية لا تؤدي، من وجهة نظرها، إلى تجميد الصراع بصورة مؤقتة ثم عودته، ولذلك تركز على الضمانات الأمنية وترتيبات ما بعد وقف إطلاق النار. وهذا يفسر انتقال الدور الأوروبي تدريجياً من دعم أوكرانيا أثناء الحرب إلى محاولة التأثير في شكل التسوية نفسها.
يرى الباحث أركادي موشيش في تحليل نشرته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي أن إعادة فتح قنوات الحوار المباشر بين أوروبا وروسيا لا ينبغي أن تكون هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق هدف أوسع يتمثل في ضمان استقلال أوكرانيا وأمن أوروبا. ويشير إلى أن فكرة استئناف الاتصالات الأوروبية ـ الروسية بدأت تدخل مجدداً في النقاش الدبلوماسي، إلا أن نجاح أي حوار يتطلب من أوروبا صياغة مقاربة واقعية لا تقوم على افتراضات مسبقة بشأن انهيار روسيا اقتصادياً أو قرب تحقيق حسم عسكري لصالح أوكرانيا.
الدعم الأوروبي لأوكرانيا
يمثل الدعم العسكري الأوروبي لأوكرانيا واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، فمن الناحية العملية، فإن استمرار تدفق الأسلحة والتمويل والتدريب يعزز القدرة العسكرية الأوكرانية على مواصلة القتال والدفاع عن أراضيها. لكن القول إن هذا الدعم يساهم في استمرار القدرة العسكرية على القتال لا يعني تلقائياً أنه يمثل انتهاكاً للقانون الدولي. فالمنظور الأوروبي يقوم على حق أوكرانيا في الدفاع عن نفسها، بينما تظل مشروعية استخدام الأسلحة مرتبطة بقواعد القانون الدولي الإنساني وبكيفية استخدامها في العمليات العسكرية. ويعلن الاتحاد الأوروبي صراحة أن مساعدته العسكرية تهدف إلى تمكين أوكرانيا من ممارسة حقها في الدفاع عن النفس، كما بلغت المساعدات العسكرية الأوروبية مستويات كبيرة، بالتوازي مع الدعم المالي والإنساني
لذلك فإن النقاش هو ليس حول ما إذا كان الدعم العسكري قانونياً أو غير قانوني بصورة عامة، وإنما حول كيفية تحقيق التوازن بين دعم قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها وبين الدفع نحو مسار سياسي يمنع استمرار الحرب بلا نهاية. وهنا تكمن المعضلة الأوروبية: كيف يمكن استخدام القوة والدعم العسكري لتحسين الموقع التفاوضي لأوكرانيا، من دون أن يتحول ذلك إلى بديل عن الدبلوماسية؟
مستقبل المفاوضات
المسار التفاوضي الروسي ـ الأوكراني يدخل مرحلة أكثر تعقيداً؛ فحتى إذا أمكن التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فإن ذلك لن يعني بالضرورة انتهاء النزاع السياسي. الملفات الأصعب ستظهر بعد وقف القتال، وفي مقدمتها الأراضي، والضمانات الأمنية، والعقوبات، ومستقبل العلاقة بين روسيا وأوروبا، وترتيبات الأمن الأوروبي، وإعادة الإعمار، وآليات مراقبة وقف إطلاق النار. ومن هنا، فإن الدور الأميركي سيبقى مهماً في دفع المسار السياسي، لكن أوروبا تسعى إلى ضمان ألا تُحدد ترتيبات الأمن الأوروبي من دون مشاركتها.
وقد أكدت بريطانيا وفرنسا وألمانيا في موقف مشترك أن المصالح الأمنية الأوروبية يجب أن تكون محفوظة في أي اتفاق، مع تأكيد الحاجة إلى مشاركة أميركية وأوروبية في العملية التفاوضية. إن التفاوض المقبل لن يكون مجرد مفاوضات روسية–أوكرانية، بل سيأخذ تدريجياً طابعاً أكثر تعدداً، تتداخل فيه الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا وأوكرانيا، مع احتمال استمرار الأمم المتحدة كمنصة سياسية وقانونية أكثر منها جهة قادرة بمفردها على فرض التسوية.
يحذر تحليل صادر عن تشاتام هاوس من أن وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، إذا كان سريعاً أو غير واضح المعالم، قد لا يؤدي تلقائياً إلى تحقيق الاستقرار، بل يمكن أن يخلق مخاطر أمنية جديدة. ويشير الباحثون إلى أن فترة التوقف في العمليات العسكرية يمكن أن تمنح روسيا فرصة لإعادة تنظيم قواتها وتعزيز قدراتها، بالتوازي مع استمرار استخدام أدوات ضغط أخرى مثل الهجمات السيبرانية والتخريب والتدخل في العمليات السياسية.
تسعى أوروبا إلى إنهاء الحرب بشروط أمنية وسياسية مقبولة،أكثر من استمرارالحرب. فتصعيد اللهجة الألمانية تجاه روسيا، خصوصاً في ظل تشدد برلين بشأن الردع والدفاع الأوروبي، يعكس في جانب منه قناعة بأن الضغط العسكري والسياسي على موسكو ضروري لتحسين شروط أي تفاوض، وليس بالضرورة لإطالة الحرب.
يؤكد الاتحاد الأوروبي رسمياً دعمه لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات ذات معنى، مع إصراره على ضمانات أمنية طويلة الأمد لأوكرانيا ودور أوروبي في صياغة التسوية . لذلك فإن المعادلة الأوروبية الحالية تقوم على “السلام عبر الردع والضغط”: استمرار دعم أوكرانيا إلى حين توافر شروط تفاوض أكثر أمناً، مع الاستعداد للمفاوضات عندما تصبح قادرة على إنتاج تسوية مستدامة، وليس السلام بأي ثمن ولا الحرب إلى أجل غير محدد. وهذا يفسر لماذا قد تبدو اللهجة الأوروبية، والألمانية خصوصاً، أكثر تصعيداً تجاه روسيا بالتوازي مع الحديث عن إنهاء الحرب.
قراءة مستقبلية
ـ أن الحرب الروسية ـ الأوكرانية تتجه نحو مرحلة يكون فيها الاستنزاف العسكري والدبلوماسية متوازيين. فلا يبدو أن الميدان وحده قادر على إنتاج تسوية نهائية، وفي الوقت نفسه لا تزال الفجوة بين مواقف الأطراف كبيرة بما يكفي لمنع اتفاق شامل وسريع. ومن المرجح أن تزداد أهمية المفاوضات الجزئية أو التدابير المحدودة لبناء الثقة، مثل ترتيبات حماية البنية التحتية والطاقة أو إجراءات إنسانية محددة، قبل الانتقال إلى الملفات السياسية الأكثر تعقيداً. وهذا النوع من التدرج قد يكون أكثر قابلية للتطبيق من محاولة الوصول مباشرة إلى اتفاق شامل.
ـ من المتوقع أن تستمر أوروبا في تعزيز قدرتها العسكرية والسياسية، ليس فقط لدعم أوكرانيا، وإنما لتعزيز موقعها في أي ترتيبات أمنية مستقبلية. وهذا يعني أن موسكو ستتعامل مع أوروبا بصورة متزايدة باعتبارها جزءاً من معادلة الأمن الأوروبي، وليس مجرد داعم خارجي لكييف.
ـ تبقى الولايات المتحدة عاملاً حاسماً في تحديد سرعة ومسار التفاوض، خصوصاً أن واشنطن تمتلك قنوات اتصال مباشرة مع موسكو وكييف، بينما تمتلك أوروبا أدوات اقتصادية وعسكرية وأمنية لا يمكن تجاهلها.
ـ بات مرجحاً أن لا يكون الوصول السريع إلى اتفاق سلام نهائي، وإنما مسار تفاوضي تدريجي يبدأ بإجراءات محدودة لخفض التصعيد، ثم ينتقل إلى وقف إطلاق النار، وصولاً إلى مفاوضات أوسع حول الأمن والأراضي وترتيبات ما بعد الحرب.
ـ تسعى روسيا إلى تثبيت رؤيتها للأمن الأوروبي والنظام الدولي، بينما تحاول أوروبا ضمان ألا تؤدي التسوية إلى تهديد طويل الأمد لأمنها، وتتمسك أوكرانيا بسيادتها وضماناتها الأمنية، في حين تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على دورها المركزي في إدارة المسار الدبلوماسي.
ـ إن مستقبل الأمن الأوروبي قد يحتاج إلى الجمع بين الردع والحوار، بدلاً من النظر إليهما كخيارين متناقضين. فاستمرار القطيعة الكاملة مع موسكو قد يحد من أدوات إدارة المخاطر، بينما لا يعني الحوار بالضرورة التنازل عن المصالح الأمنية الأوروبية أو عن دعم استقلال أوكرانيا. ومن ثم، قد يصبح إنشاء قنوات اتصال وإدارة الخلاف جزءاً من بنية الأمن الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب.
ـ يكشف استئناف الحوار المباشر بين موسكو وبرلين أن التصعيد الأوروبي تجاه روسيا لا يعني بالضرورة إغلاق الباب أمام التسوية، بل قد يعكس محاولة أوروبية للجمع بين الردع والاتصال الدبلوماسي؛ فكلما ارتفعت حدة التوتر الأمني، ازدادت الحاجة إلى قنوات اتصال قادرة على احتواء سوء التقدير وتهيئة الظروف لأي مسار تفاوضي مقبل، وهو ما يجعل العلاقة الروسية ـ الأوروبية مرشحة لمرحلة تتعايش فيها الضغوط السياسية والعسكرية مع اتصالات دبلوماسية محدودة.
ـ أن التحدي الأوروبي لا يتمثل فقط في الوصول إلى وقف للقتال، وإنما في ضمان أن يكون أي اتفاق مصحوباً بترتيبات أمنية وآليات مراقبة وقدرات دفاعية قادرة على منع عودة الصراع. وبذلك، فإن الأمن الأوروبي بعد الحرب قد يتطلب إعادة النظر في منظومة الردع والدفاع الأوروبية، وفي طبيعة الضمانات المقدمة لأوكرانيا، وفي قدرة الدول الأوروبية على التعامل مع تهديدات لا تقتصر على المجال العسكري التقليدي.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
