ألطاف موتي–(كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي)
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ثمة زمنٌ مضى كانت فيه الحروب، والدبلوماسية، وتوازنات القوى العالمية تُصاغ بشكل شبه حصري على أيدي الرؤساء، والجنرالات، والدبلوماسيين. أما اليوم، فقد ولجت الحلبةَ مجموعةٌ أخرى؛ لا يرتدي أفرادها البزات العسكرية، ولا يشغلون مناصب منتخبة، ولا يمثلون دولاً ذات سيادة. ومع ذلك، باتت قراراتهم تؤثر بشكل متزايد في مسارات الصراعات، والأمن القومي، والاتصالات العالمية، بل وحتى الحسابات الاستراتيجية للحكومات.
إنهم قادة كبريات شركات التكنولوجيا في العالم.
ولئن كان بزوغ نجم الذكاء الاصطناعي قد استأثر بمعظم العناوين الإخبارية، إلا أن هذا الذكاء ليس سوى جزء من تحول جيوسياسي أوسع نطاقاً. إن العالم يشهد اليوم صعود “النفوذ الجيوسياسي الخاص”؛ وهو تحول تاريخي باتت فيه حفنة من مليارديرات التكنولوجيا والشركات العملاقة فاعلين استراتيجيين جنباً إلى جنب مع الدول القومية. وليس إيلون ماسك سوى واجهة القصة، أو بالأحرى الدليل الأكثر وضوحاً على أن الاحتكار التقليدي للحكومات للتأثير الجيوسياسي قد بدأ يتآكل.
عندما يتحول الرئيس التنفيذي إلى فاعل جيوسياسي
تخيل لو أنك أخبرت الدبلوماسيين قبل عقدين من الزمن بأن اتصالات جيش يخوض غمار حرب كبرى قد ترتهن بقرار رجل أعمال يمثل القطاع الخاص! لكان الأمر حينها ضرباً من العبث والمستحيل. بيد أن هذا هو عين الواقع الذي نعيشه اليوم.
لقد أثبتت شبكة الأقمار الاصطناعية “ستارلينك” التابعة لشركة “سبيس إكس” أن البنية التحتية المملوكة للقطاع الخاص يمكن أن تصبح عصبًا لا غنى عنه إبان النزاعات المسلحة. وهكذا، اكتسبت القرارات التي تُتخذ داخل أروقة مجالس إدارات الشركات، فجأةً، تداعيات عسكرية ودبلوماسية حاسمة. ووجدت الحكومات نفسها مضطرة للتعامل ليس مجرد مع شركة تجارية عابرة، بل مع فاعل استراتيجي قادرة تكنولوجياه على توجيه دفة الأحداث في ميدان القتال.
إن دلالة هذا التطور تتجاوز أبعاد شركة واحدة أو فرد عينه؛ فهو مؤشر على أن القدرات الاستراتيجية التي كانت حكراً على الدول في ما مضى، باتت تقع وبشكل متزايد تحت سطوة الشركات الخاصة..
العملة الجديدة للقوة
على مر التاريخ، كان النفوذ الجيوسياسي يرتكز على السيطرة على الأصول الاستراتيجية؛ فخاضت الإمبراطوريات حروباً للسيطرة على طرق التجارة، وتنافست القوى الصناعية على النفط والموارد الطبيعية. أما اليوم، فإن الأصول الاستراتيجية الأكثر قيمة باتت رقمية بامتياز.
لقد غدا الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات المتقدمة، والحوسبة السحابية، وكوكبات الأقمار الاصطناعية، والأبحاث الكمومية، والأمن السيبراني، ومراكز البيانات الضخمة، بمثابة البنية التحتية الحيوية التي تتوقف عليها الاقتصادات الحديثة والأمن القومي للدول.
والمفارقة هنا أن السواد الأعظم من هذه الأصول لا تملكه الحكومات، بل تؤول ملكيته إلى شركات خاصة.
وهذا بدوره يعيد صياغة قواعد اللعبة الجيوسياسية برمتها. فقد تحوز الدولة جيشاً عسكرياً ضارباً، بيد أن قدراتها الاستراتيجية ستظل مكبلة ورهينة ما لم تملك زمام الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، والبنية التحتية السحابية الآمنة، والرقائق الإلكترونية فائقة التطور، أو شبكات الاتصالات الاصطناعية المرنة.
لم تعد القوة تُقاس اليوم بعدد الصواريخ وحاملات الطائرات فحسب، بل باتت تُقاس بالقدرات الحوسبية، والخوارزميات، والبيانات، والبنية التحتية الرقمية.
الحكومات بحاجة إلى “عمالقة التكنولوجيا” أكثر من أي وقت مضى
ولعل الجانب الأكثر إثارة للدهشة في هذا التحول يكمن في أن الحكومات نفسها هي من سارعت بخطى هذا المسار.
إذ باتت المؤسسات العسكرية تعتمد بشكل متزايد على الأقمار الاصطناعية التجارية، وتتكل وكالات الاستخبارات على تحليل البيانات المدعوم بالذكاء الاصطناعي، في حين توائم المؤسسات العامة شؤونها عبر تخزين معلوماتها الحساسة في منصات سحابية تجارية. علاوة على ذلك، أضحى الابتكار الدفاعي ينبثق من أروقة شركات التكنولوجيا بدلاً من متعهدي الدفاع التقليديين.
ويفضي هذا المشهد إلى صياغة علاقة غير مألوفة؛ فبينما تظل الحكومات هي السلطة السياسية العليا والنهائية، فإنها تجد نفسها مرتهنة على نحو متزايد للشركات الخاصة لتحقيق مآربها الاستراتيجية، لينشأ من رحم ذلك واقع يتعايش فيه التنظيم الحكومي والتبعية الاقتصادية جنباً إلى جنب.
كما أن هذا الارتهان يمنح الشركات أوراق ضغط ونفوذ؛ فالجهات التي تحكم قبضتها على التكنولوجيات الحيوية تحوز بالضرورة تأثيراً سياسياً تلقائياً، دون أن تضطر للسعي وراء مناصب سياسية أو خوض معارك انتخابية.
مليارديرات التكنولوجيا والنخبة الجيوسياسية الجديدة
لا يمثل إيلون ماسك سوى غيض من فيض في إطار اتجاه عالمي أوسع نطاقاً.
فقد أدى التمدد المتسارع للذكاء الاصطناعي إلى ترقية الرؤساء التنفيذيين لشركات التقنية ليصبحوا أطرافاً فاعلة ومؤثرة في النقاشات الاستراتيجية العالمية. وصارت القرارات المتعلقة بأمان الذكاء الاصطناعي، والاستثمار في أشباه الموصلات، والبنية التحتية السحابية، والحوسبة المتقدمة، تمس بشكل مباشر التنافسية الاقتصادية، والجاهزية العسكرية، والعلاقات الدبلوماسية بين الدول.
وبمقدور الاستراتيجيات الاستثمارية للشركات الكبرى أن تحدد مراكز ثقل أبحاث الذكاء الاصطناعي، وتتحكم في هوية الدول التي تمنح حق الوصول إلى التقنيات المتقدمة، فضلاً عن تحديد وتيرة انتشار القدرات الجديدة حول العالم.
وفي أزمنة خلت، كانت الحكومات هي من ترسم وتيرة التطور التكنولوجي وتضبط إيقاعه. أما اليوم، فغالباً ما تتنافس الحكومات بضراوة لاجتذاب استثمارات شركات تكنولوجية تفوق ملاءتها المالية ميزانيات وزارات سيادية بأكملها.
تحدٍّ يواجه السيادة الوطنية
ويثير هذا التحول المتسارع جملة من الأسئلة المقلقة والمحرجّة:
إذا غدت شبكات الأقمار الاصطناعية المملوكة للقطاع الخاص عصبًا لا غنى عنه إبان الحروب، فمن يملك سلطة السيطرة النهائية على الاتصالات الحيوية؟
وإذا صار الذكاء الاصطناعي المطور برأس مال خاص ركيزة أساسية للتحليل الاستخباري أو التخطيط الدفاعي، فمن يتحكم بالتكنولوجيا التي بات الأمن القومي يرتكز عليها بشكل مطرد؟
وإذا انحصرت المنصات السحابية، ونماذج الذكاء الاصطناعي، وتقنيات أشباه الموصلات الأكثر تقدماً في العالم بين أيدي ثلة من الشركات عابرة القارات، فهل بمقدور أي دولة أن تدّعي امتلاك سيادة تكنولوجية مطلقة؟
لم تعد هذه الأسئلة ترفاً نظرياً، بل أضحت القضايا الجوهرية والمحددة لمعالم الجيوسياسة في القرن الحادي والعشرين.
وتواجه الدول النامية على وجه الخصوص تحدياً أشد وطأة؛ إذ يتهدد الكثير منها خطر الارتهان الدائم للبنية التحتية الرقمية الأجنبية وأنظمة الذكاء الاصطناعي المستوردة، مما يؤسس لشكل جديد من التبعية الاستراتيجية التي قد لا تقل خطورة عن التبعية التاريخية لمصادر الطاقة أو التكنولوجيا الصناعية.
صعود القوى العظمى الخاصة
نادراً ما تعلن السيرورة التاريخية عن ولادة عصر جديد بقرع الطبول؛ إذ لا تتضح معالم التحولات الكبرى عادةً إلا عبر قراءة الماضي وبأثر رجعي.
ولعل مؤرخي المستقبل سيخلصون إلى أن التحول الجيوسياسي الأبرز في عصرنا لم يكن مجرد صعود الذكاء الاصطناعي أو التنافس الاستراتيجي المحموم بين الولايات المتحدة والصين، بل كان بروز “القوى العظمى الخاصة”؛ تلك الشركات التكنولوجية العملاقة التي بدأ نفوذها يتخطى الحدود السياسية ليضاهي نفوذ الكثير من الحكومات.
إن الدولة القومية لن تتلاشى؛ إذ ستظل الحارس الأخير للقانون، والدبلوماسية، والقوة العسكرية، غير أنها لم تعد تبسط سيطرتها المطلقة والحصرية على الموارد الاستراتيجية التي تحدد معالم النفوذ العالمي.
ومن ثم، يشهد القرن الحادي والعشرون إعادة توزيع لموازنات القوة على نحو غير مسبوق في التاريخ الحديث. فلم تعد خريطة السياسة العالمية تُخط بأقلام الدول فحسب، بل باتت تشكلها بصمات الشركات الكبرى التي تهيمن على التقنيات التي تقتات عليها الحكومات، والاقتصادات، والمجتمعات المعاصرة.
إن السؤال الجيوسياسي الكبير القادم ليس ما إذا كانت هذه القوى العظمى الخاصة ستواصل نموها وتمددها، فذلك أمر مفروغ منه ويكاد يكون حتمياً.
بل إن السؤال الحقيقي والجوهري يدور حول مدى قدرة الحكومات على إعادة صياغة قواعد الحوكمة العالمية وإرسائها، قبل أن تنزلق موازين القوى تماماً خارج نطاق سيطرتها.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
