ألطاف موتي –(كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي)
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لسنوات طويلة، كان يُنظر إلى الحوثيين بوصفهم حركة تمرد يمنية تعتمد أساساً على الصواريخ والأسلحة المرتجلة. لكن هذا الوصف لم يعد يعكس واقعهم العسكري الراهن. فقد أدت عملية التحول العسكري التي خاضتها الجماعة إلى ظهور قوة تجمع بين الصواريخ الباليستية، وصواريخ كروز، والطائرات المسيّرة الهجومية، والزوارق غير المأهولة، وأنظمة أخرى.
ولا تقتصر أهمية هذا التحول على اليمن وحده. فالـحوثيون يقدمون نموذجاً على قدرة جماعة مسلحة من غير الدول على امتلاك قدرات كانت ترتبط، حتى وقت قريب، بالجيوش النظامية للدول. كما أن تجربتهم تشير إلى نموذج متغير للحرب، يمكن فيه لأسلحة منخفضة التكلفة نسبياً أن تهدد سفناً وبنى تحتية ومنظومات دفاع جوي باهظة الثمن.
من الأسلحة المستولى عليها إلى صناعة عسكرية
بدأ التحول الحوثي جزئياً بالأسلحة التي استولت عليها الجماعة من الجيش اليمني السابق، بعد سيطرتها على صنعاء عام 2014. وقد وفرت الصواريخ والمعدات العسكرية ذات المنشأ السوفياتي أساساً أولياً لهذا التطور.
ومع مرور الوقت، طورت الحركة نموذجاً أكثر طموحاً. وتشير تقارير إلى أن المساعدة الإيرانية وفرت لها أسلحة، ومعارف تقنية، ومكونات، وخبرات في مجال التصنيع. كما وثقت تحقيقات للأمم المتحدة أوجه تشابه بين بعض المنظومات الحوثية والأسلحة الإيرانية. غير أن التحول المهم لا يتمثل فقط في وصول الأسلحة الإيرانية إلى اليمن، وإنما في التطور التدريجي لقدرة محلية على التجميع والتصنيع.
ويستطيع الحوثيون تصنيع بعض الصواريخ الباليستية الأبسط أو تجميعها داخل اليمن، كما تبدو قدرتهم على الإنتاج المحلي أكثر وضوحاً في مجال الطائرات المسيّرة الأقل تعقيداً. أما الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الأكثر تطوراً، فما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا والمكونات الأجنبية.
وهذا يخلق نموذجاً صناعياً عسكرياً هجيناً: تدخل التكنولوجيا الأجنبية إلى اليمن، ثم يعمل متخصصون محليون على تعديل الأنظمة وتجميعها، بل وعلى إعادة إنتاج بعض مكوناتها بصورة متزايدة.
المسيّرات تغيّر المعادلة
تحتل الطائرات المسيّرة موقعاً مركزياً في هذه الثورة العسكرية. فالطائرة العسكرية التقليدية باهظة التكلفة للغاية. أما الطائرة المسيّرة الهجومية البسيطة، التي تُستخدم مرة واحدة، فيمكن إنتاجها وتشغيلها بكلفة أقل بكثير. وهذا يخلق معادلة غير متكافئة؛ إذ قد يضطر المدافع إلى استخدام صاروخ اعتراضي مرتفع التكلفة لإسقاط منظومة هجومية أرخص بكثير.
وقد استغل الحوثيون هذا الاختلال في استهداف منشآت وأهداف عسكرية واقتصادية. كما أظهرت طائراتهم المسيّرة قدرة على الوصول إلى مسافات بعيدة، ما أتاح للجماعة تهديد أهداف تقع خارج اليمن.
ويبدو أن بعض الطائرات المسيّرة الحوثية يُنتج محلياً باستخدام مكونات متاحة تجارياً، بينما تعتمد طائرات أخرى على تقنيات إيرانية أكثر تطوراً. ويجعل هذا المزيج من الصعب القضاء على القدرة الهجومية للجماعة بمجرد تدمير عدد من منشآت تصنيع الأسلحة.
الصواريخ تحوّل اليمن إلى منصة إقليمية للضربات
أما الركيزة الثانية لهذا التحول فتتمثل في التوسع في استخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز. فقد استخدمت الصواريخ الحوثية ضد أهداف في السعودية وإسرائيل، كما استُخدمت في استهداف حركة الملاحة البحرية. وأظهرت الجماعة كذلك امتلاكها قدرات متزايدة في مجال الصواريخ المضادة للسفن.
وليس كل صاروخ موجود في ترسانة الحوثيين منتجاً محلياً. فالصواريخ الباليستية متوسطة المدى وصواريخ كروز المتطورة لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا الأجنبية. لكن قدرة الجماعة على تجميع هذه الأنظمة وتعديلها وتشغيلها تمنحها قدرات تتجاوز بكثير ما كان متوقعاً من حركة تمرد تقليدية.
والنتيجة هي قوة قادرة على الجمع بين أنواع مختلفة من الأسلحة، بدلاً من الاعتماد على منظومة صاروخية واحدة.
البحر يتحول إلى ساحة حرب جديدة
ربما كان التطور الأكثر تأثيراً هو التحول في مجال الحرب البحرية. فمنذ عام 2023، أظهرت الهجمات الحوثية أن جماعة مسلحة برية يمكنها التأثير في واحد من أهم ممرات التجارة البحرية في العالم. واستخدمت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، وطائرات مسيّرة، وزوارق سطحية غير مأهولة ضد سفن في المنطقة.
كما أظهر الحوثيون قدرة على تنفيذ عمليات صعود إلى السفن. وهكذا أصبحت ترسانتهم البحرية تجمع بين أنظمة الضربات بعيدة المدى، ومنظومات غير مأهولة قصيرة المدى، إلى جانب قدرات بشرية مباشرة.
ويضيف توسع الجماعة على الساحل الغربي لليمن، المطل على البحر الأحمر، بعداً جديداً إلى هذا التهديد. فامتلاك مواقع أقرب إلى باب المندب يمنحها نقاط انتشار يمكن من خلالها، من الناحية النظرية، تهديد خطوط الملاحة بصورة أكثر مباشرة.
وتكمن أهمية ذلك في أن باب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويُعد ممراً مهماً للتجارة العالمية.
التحول الصامت : المكونات القادمة من العالم
لكن أحد أهم الدروس التي تقدمها التجربة الحوثية يتمثل في أن تطوير أسلحة متقدمة لم يعد يتطلب بالضرورة إقامة مصنع تقليدي ضخم للأسلحة.
فقد حددت تحقيقات حديثة مكونات في أسلحة حوثية جرى تجميعها من مصادر موجودة في دول متعددة. وبعض هذه المكونات متاح تجارياً، بينما يتم الحصول على مكونات أخرى عبر شبكات تهريب دولية.
وقد حددت منظمة «أبحاث تسليح النزاعات» في تحقيق أجرته عام 2026 مئات المكونات المرتبطة بصواريخ وطائرات مسيّرة حوثية، بما في ذلك منظومات جرى تجميعها داخل اليمن باستخدام أجزاء مصدرها الخارج.
وهذا يجعل عمليات اعتراض الإمدادات أكثر تعقيداً. فإيقاف شحنة واحدة لا يعني بالضرورة وقف الإنتاج. إذ يمكن توزيع المكونات على شبكات إمداد مختلفة، ثم تجميعها بعد وصولها إلى اليمن.
الذكاء الاصطناعي يضيف بُعداً جديداً
وقد يكون التطور الأحدث أكثر أهمية.
فقد أفاد تحقيق نُشر في سبتمبر/أيلول 2026 بأن أفراداً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين استخدموا برامج تجارية للذكاء الاصطناعي خلال محاولات لتطوير أسلحة موجّهة. وشملت الأعمال التي أُبلغ عنها جوانب تتعلق ببرمجيات التوجيه والملاحة والتحكم.
وإذا تأكد اتساع نطاق هذه الممارسة، فإن ذلك يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض بعض الحواجز التقنية التي كانت تحد من قدرة الجماعات المسلحة من غير الدول على تطوير أسلحة متقدمة.
ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحاجة إلى المهندسين والأجهزة والاختبارات. لكنه يمكن أن يسرّع، من الناحية المحتملة، عمليات تطوير البرمجيات ومعالجة المشكلات وتصميم الأنظمة.
نموذج جديد للحرب
تشير التجربة الحوثية إلى تحول أوسع في طبيعة الحرب.
فجماعة مسلحة تعمل في بيئة معزولة نسبياً تستطيع الجمع بين التكنولوجيا المستوردة، والأسلحة المجمعة محلياً، والمكونات التجارية، والذكاء الاصطناعي، والتكتيكات غير التقليدية. وهي لا تحتاج إلى امتلاك قوة جوية أو بحرية كبيرة حتى تتمكن من فرض تكاليف على دول تمتلك هذه القدرات مجتمعة.
ولا يعني ذلك أن الحوثيين أصبحوا قوة عسكرية مماثلة لجيوش الدول الحديثة. فما زالت أسلحتهم المتطورة تعتمد على التكنولوجيا الأجنبية، كما أن قاعدتهم الصناعية تواجه قيوداً مهمة.
لكن تطورهم يكشف حقيقة استراتيجية مهمة: الفجوة التكنولوجية بين الدول والجماعات المسلحة من غير الدول أصبحت أكثر تعقيداً.
وقد تعتمد حروب الجيل المقبل، بالتالي، بدرجة أقل على الطرف الذي يمتلك أكبر ترسانة، وبدرجة أكبر على الطرف القادر على تكييف التكنولوجيا بسرعة، وإنتاج الأسلحة بتكلفة منخفضة، وإخفاء منشآت التصنيع، ودمج الصواريخ والطائرات المسيّرة والمنظومات البحرية والبرمجيات في شبكة عملياتية واحدة.
والحوثيون يقدمون بالفعل أحد أوضح الأمثلة على الشكل الذي يمكن أن يبدو عليه هذا المستقبل.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
