شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_أثارت التعهدات العلنية التي أطلقها سياسيون في وسط ريغا بشأن حماية اللغة الروسية وضمان تدفق الوقود والأغذية الرخيصة عبر الحدود، جدلاً واسعاً في المجتمع اللاتفي. وقد جاءت هذه التصريحات لتطمئن فئات معينة من السكان، وعلى رأسهم معلمة الموسيقى أنجيلا التي فقدت وظيفتها مؤخراً نتيجة رسوبها في اختبار إتقان اللغة اللاتفية. ورغم أن هذه الوعود تبدو وكأنها تقدم حلولاً عملية للأفراد المتضررين، إلا أنها تفتح باباً لمخاوف أعمق تتعلق بالمساواة في الفرص وحقوق الأقليات.
يتجاوز الجدل السياسي الحالي مسألة الوظائف أو التكافؤ الاجتماعي، ليصل إلى صلب القضية الجيوسياسية التي تشغل بال الدولة. إذ إن التهميش المزعوم للأقلية الروسية كان أحد المسوغات الرئيسية التي استندت إليها موسكو لتبرير اجتياحها لأوكرانيا عام 2022، وكذلك لضم جزيرة القرم قبل ذلك بعامين. وفي هذا السياق، يراقب المحللون المشهد بعين القلق، خاصة مع تزايد الانقسام داخل الأوساط السياسية اللاتفية حول كيفية التعامل مع هذه الديناميكية المعقدة.
تشير التقديرات إلى أن روسيا تمتلك القدرة على التأثير في المجال الجوي، بينما يواصل حلف شمال الأطلسي تعزيز حضوره البري في المنطقة. وهذا التباين في قدرات الطرفين يعكس طبيعة التهديدات المحتملة التي تواجه لاتفيا، والتي تختلف عن التحديات التقليدية التي اعتادت عليها الدول الغربية. ومن المقرر أن يتوجه الناخبون اللاتفيون إلى صناديق الاقتراع يوم السبت المقبل للإدلاء بأصواتهم في انتخابات نيابية تأتي بعد خمسة أشهر من انهيار الحكومة السابقة بسبب أزمة الطائرات المسيّرة.
تقع لاتفيا في شمال شرق أوروبا، وتحدها إستونيا من الشمال وليتوانيا من الجنوب، فيما تطل على بحر البلطيق من الغرب. كما تتشارك حدوداً برية مع روسيا وبيلاروسيا، وبحرية مع السويد. وتعتبر هذه الموقع الاستراتيجي عاملاً إضافياً يزيد من تعقيد الوضع الأمني والسياسي للبلاد، ويجعلها نقطة ارتكاز مهمة في موازين القوى الإقليمية.
على الرغم من دعم الحكومة الحالية للغرب وأوكرانيا، فإن القوى السياسية الأخرى لا تزال متمسكة بعلاقاتها مع الجانب الروسي. وخلال حملته الانتخابية، وعد رئيس الوزراء أندريس كولبيرغس بتقديم دعم لا يتزحزح لأوكرانيا، وتعزيز القدرات الدفاعية للافيا ضد الهجمات بالطائرات المسيّرة. ويعتمد كولبيرغس في خطابه على إثارة مخاوف المواطنين من احتمال تعرض بلادهم لمصير مشابه لما يحدث في أوكرانيا.
يذكر أن الحرب في أوكرانيا كلفت كييف نحو عشرين بالمئة من أراضيها، وتسببت في خسائر فادحة في الأرواح والاقتصاد. ويحاول كولبيرغس تسليط الضوء على هذه العواقب لتحذير الناخبين من أي تقارب مع موسكو، معتبراً أن حب الغرب قد يكون له ثمن باهظ إذا لم يتم التعامل معه بحذر. وتعكس هذه الرؤية الانقسام العميق الذي يسود المشهد السياسي والاجتماعي في لاتفيا، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخوف من العدوان الخارجي.
وتظهر استطلاعات الرأي الأخيرة تبايناً كبيراً في توجهات الناخبين، مما يجعل نتائج الانتخابات غير متوقعة. ويرى البعض أن التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية يجب أن يأتي أولاً، بينما يرى آخرون أن الأمن القومي هو الأولوية القصوى. وهذا الانقسام يعكس صعوبة إيجاد توافق وطني حول سياسة خارجية موحدة تجاه الجارة الشرقية.
في ختام الحملة، أكدت الأحزاب المختلفة على ضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية واللغة الرسمية، مع الاعتراف بحق الأقليات في التعبير عن ثقافتها. لكن السؤال يبقى حول مدى قدرة الحكومة الجديدة على إدارة هذه التوترات دون استفزاز الجارة الروسية، أو إضعاف الدعم الغربي الذي تعتمد عليه لاتفيا في تأمين حدودها.
أوروبا بالعربي
