🌐 اقرأ المدار بلغتك
الأحد، 4 أكتوبر 2026
بروكسل · أمستردام · لوكسمبورغ
من قلب أوروبا

رئيس التحرير: هشام عوكل

هنا وطني

الجزء الخامس من…مدينتي حكاية… لا تنتهي

0 0
Read Time:4 Minute, 33 Second

بقلم/ نجلاء السيد

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_ما زلتُ أتجول في شوارع مدينتي الساحرة…
أمشي وكأنني أعرفها شارعًا شارعًا، وأحفظ ملامحها حجرًا حجرًا، لكن الإسكندرية لا تسمح لي أن أظن طويلًا أنني عرفتها!
فكلما ظننت أنني اكتشفت سرًا من أسرارها، فتحت لي بابًا جديدًا لحكاية لم أكن أعرف أنها ما زالت تنتظرني.
واليوم…
توقفت فجأة أمام مكتبة…
وتذكرت أن للتاريخ حُراسًا، وللأماكن رُواة.
وتذكرت أنني كنت هنا…
أجل، كنت هنا منذ عدة سنوات، أمام مكتبة البلدية، في رحلة مدرسية وأنا ما زلت طالبة في المرحلة الإعدادية.
وقتها لم أكن أعرف الكثير عن هذا المكان.
كنت فقط أقف أمام باب المكتبة، أنتظر الدخول مع زملائي، وربما لم يخطر ببالي أنني بعد كل هذه السنوات سأعود إليها، لكن هذه المرة بعين مختلفة.
اليوم…
سآخذكم معي لنتجول في أرجائها، ونقترب من كتبها ومخطوطاتها، ونستمع إلى حكاية مكان عاش مع الإسكندرية سنوات طويلة.
سنمشي وسط رائحة الكتب القديمة، تلك الرائحة التي لا تشبه أي شيء آخر…
رائحة ورقٍ مرّت عليه سنوات، وصفحاتٍ احتفظت بكلمات أصحابها، وكتبٍ تشهد على تاريخ وتراث أجيال مضت.
فماذا تخبئ لنا مكتبة البلدية؟
تعالوا ندخل…
مكتبة البلدية… حين يصبح الكتاب ذاكرة
بدأت حكاية مكتبة البلدية عام 1892، لتصبح واحدة من أقدم المكتبات العامة في الإسكندرية.
ومنذ ذلك الوقت، لم تكن المكتبة مجرد مكان يذهب إليه شخص ليقرأ كتابًا ثم يغادر.
كانت جزءًا من الحياة الثقافية للمدينة، ومكانًا اجتمعت فيه الكتب والباحثون والطلاب، وحُفظت بين جدرانها مواد نادرة من ذاكرة الإسكندرية.
وأنا أتجول بين أرففها، أتخيل كم يدًا امتدت قبل يدي إلى كتاب هنا…
وكم عينًا توقفت أمام صفحة…
وكم باحثًا كان يبحث عن معلومة، وربما وجد في هذا المكان ما لم يجده في مكان آخر.
لكن أكثر ما شدني في حكاية المكتبة هو ما تحتفظ به من مخطوطات.
فمركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية يوثق ضمن مجموعة مكتبة البلدية 4924 مخطوطًا، بينها مخطوطات أصلية ونسخ مصورة.
وهنا أدركت أنني لا أقف أمام كتب قديمة فحسب…
أنا أقف أمام آثار مكتوبة.
كل مخطوط يحمل كلمات كتبها إنسان عاش قبلنا، وفكر في زمن مختلف، ثم ترك لنا شيئًا من علمه أو تجربته أو رؤيته للحياة.
ولهذا…
فالكتاب القديم ليس مجرد ورق أصفر.
إنه شاهد.
شاهد على زمن مرّ…
وعلى أناس عاشوا وكتبوا وتركوا وراءهم أثرًا يمكننا أن نقرأه اليوم.
نغادر البلدية… لكن الرحلة لم تنتهِ
خرجت من المكتبة، وأنا أشعر أنني لم أغادر مكانًا فقط…
بل تركت خلفي جزءًا من زمن قديم.
لكن الإسكندرية لا تسمح لنا أن نتوقف طويلًا.
فإذا كان للكتاب بيت يحفظه…
فهناك شارع آخر ستجد فيه الكتب نفسها بين أيدي الناس.
نترك مكتبة البلدية ونتجه إلى شارع النبي دانيال.
ذلك الشارع الذي ارتبط اسمه في ذاكرة الإسكندرية بالكتب والمكتبات.
وهنا تتغير الحكاية.
في البلدية كنا نبحث عن تاريخ محفوظ داخل مكتبة…
أما في النبي دانيال، فنحن نبحث بأنفسنا.
قد تدخل وأنت تعرف الكتاب الذي تريده…
ثم تخرج بكتاب آخر تمامًا!
تبدأ رحلة البحث بين الرفوف…
كتاب هنا، ومجلة هناك، وطبعة قديمة تلفت انتباهك…
وفجأة تجد نفسك ممسكًا بكتاب لم تكن تبحث عنه أصلًا.
وهذه هي متعة الكتب القديمة…
أنك أحيانًا لا تجد ما جئت من أجله، وإنما تجد ما كنت تحتاج إلى أن تجده.
النبي دانيال… شارع الكتاب
ارتبط شارع النبي دانيال منذ عقود بوجود المكتبات وتجارة الكتب، وأصبح مقصدًا للطلاب والباحثين وكل من يبحث عن كتاب جديد أو مستعمل.
وهنا للكتاب علاقة مختلفة بالناس.
فالكتاب ليس خلف أبواب مؤسسة ثقافية فقط…
إنه في الشارع.
بين أيدي الناس.
تستطيع أن تراه، تقلب صفحاته، وتسأل عن كتاب ربما صدر منذ سنوات طويلة.
وربما تعثر على نسخة قديمة تحمل في أول صفحاتها اسم صاحبها الأول…
وهنا تبدأ في التساؤل:
من كان يقرأ هذا الكتاب قبلي؟
ولماذا كتب اسمه هنا؟
وأين ذهب؟
أحيانًا…
الكتاب نفسه يصبح حكاية.
ومن الماضي… إلى المستقبل
لكن رحلتنا لم تنتهِ عند النبي دانيال.
فالإسكندرية التي حفظت كتبها ومخطوطاتها، لم تتوقف عند الماضي.
وفي عام 2002 افتتحت مكتبة الإسكندرية الجديدة، لتبدأ فصلًا جديدًا في علاقة المدينة بالمعرفة.
وأمام مبناها، تشعر أنك أمام شيء مختلف.
مبنى دائري ضخم يميل باتجاه البحر، وكأنه قرص شمس يطل من ناحية المتوسط.
وعلى جدرانه الجرانيتية نقوش وحروف من لغات مختلفة…
وكأن المبنى نفسه يقول لك:
المعرفة لغة يفهمها الجميع.
وهنا لا نجد الكتب وحدها.
فمكتبة الإسكندرية الحديثة تضم المكتبة الرئيسية، ومتاحف ومراكز ثقافية وعلمية، من بينها متحف المخطوطات، ومتحف الآثار، ومتحف السادات، والقبة السماوية، إلى جانب المعارض والأنشطة الثقافية والعلمية.
وهكذا…
لم تعد رحلة الكتاب في الإسكندرية مجرد رحلة بين رفوف الكتب.
بل أصبحت رحلة تجمع الكتاب، والمخطوط، والأثر، والعلم، والفن، والتكنولوجيا.
وأنا… ماذا وجدت في نهاية الرحلة؟
وجدت أنني عندما وقفت أمام مكتبة البلدية في تلك الرحلة المدرسية منذ سنوات…
لم أكن أعرف أنني سأعود إليها يومًا لأحكي حكايتها.
وأن المكان الذي مررت أمامه وأنا طفلة…
سيجعلني اليوم أتوقف وأسأل نفسي:
كم مكانًا مررنا أمامه في حياتنا ولم نعرف حكايته؟
كم بابًا رأيناه ولم نحاول أن نعرف ماذا يوجد خلفه؟
وكم مبنى ظنناه عاديًا…
بينما كان يحمل بين جدرانه سنوات طويلة من حكايات مدينتنا؟
ربما لهذا أحب الإسكندرية…
لأنها لا تنتهي.
كلما ظننت أنني عرفت طريقها…
فاجأتني بحكاية جديدة.
واليوم بدأت الحكاية من مكتبة البلدية…
ثم أخذتنا إلى شارع النبي دانيال…
وانتهت بنا الرحلة عند مكتبة الإسكندرية الحديثة.
ثلاثة أماكن مختلفة…
لكنها تلتقي في شيء واحد:
الكتاب.
كتاب حفظ ذاكرة الماضي…
وكتاب ينتقل من يد إلى يد في شوارع المدينة…
وكتاب يدخل اليوم عالمًا جديدًا من المعرفة والتكنولوجيا.
وهكذا تظل الإسكندرية…
مدينة لا تكتفي بأن تعيش التاريخ.
بل تحتفظ به… ثم تروي لنا حكاياته عندما نقترب منها.
مدينتي… حكاية لا تنتهي

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴