الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026
بروكسل · أمستردام · لوكسمبورغ
من قلب أوروبا

رئيس التحرير: هشام عوكل

هنا وطني

“أحملني معي”

0 0
Read Time:1 Minute, 45 Second

صفوح صادق شاعر فلسطيني

وأنا
لا أحمل حقيبةً في السفر،
بل أحملني.

أضعُ في جيب المعطف
طفولةً لم تكتمل،
وفي الجيب الآخر
صوتَ أمي
وهي تناديني من آخر البيت
كأنها تعرف
أن الإنسان لا يغادر المكان،
بل يغادر النسخةَ التي كانها فيه.

أمشي…

والطريق لا يعرفني،
لكنني أعرف رائحته؛
ترابٌ مبتلّ،
ووجهُ غيمة،
وظلُّ شجرة
تلوّح لمن لا يملك
إلا أن يمضي.

كلما ابتعدتُ
كبرت المدن خلفي،
وصغرتُ أنا
حتى صرتُ نقطةً
في مرآة الحافلة.

سألتُ نفسي:

هل نحن الذين نختار الطريق؟
أم أن الطرق
تختارنا ثم تقنعنا
أننا أصحاب القرار؟

ومن قال
إن الوصولَ نهاية؟

ربما الوصول
هو أن تكتشف
أنك كنتَ تحمل البيتَ معك،
وأن الغربة
ليست أن تكون بعيداً،
بل أن تجلس بين الذين تحبهم
ولا تجد نفسك بينهم.

لذلك
حين تعبتُ من السفر،
لم أبحث عن محطة.

جلستُ على حافة الوقت،
نزعتُ عن قلبي
أسماء الأماكن،
وتركتُ الريح
تفتش في دمي
عن وطن.

وحين سألتني الحياة:

ماذا تريد؟

لم أقل:
بيتاً،
ولا مالاً،
ولا طريقاً قصيراً.

قلت:

أريد قلباً
إذا عاد إليه صاحبه
بعد أعوامٍ من التيه
لا يسأله:
أين كنت؟

بل يفتح له الباب
ويقول:

كنتَ هنا…
منذ البداية.

ثم مضيت…

ولم أعد أخاف
أن أضيع.

فقد أدركتُ أخيراً
أن الضياع ليس أن تفقد الطريق،
بل أن تمشي طويلاً
في طريقٍ لا يشبه روحك.

وأدركتُ
أن العمر ليس ما نعبره من سنوات،
بل ما يتركه العبور
في أعماقنا.

كم من مدينةٍ دخلتها
ولم أدخلها،
وكم من وجهٍ التقيته
فسكنني أكثر
مما سكنتُ نفسي.

وكم من وداعٍ ظننته موتاً،
ثم اكتشفتُ بعد أعوام
أنه كان نافذةً
فتحتها الحياة
كي أرى وجهي الآخر.

الآن…

لا أريد أن أصل.

يكفيني
أن أمشي خفيفاً،
دون أن أجرَّ خلفي
جثث الأشياء التي انتهت.

سأترك للريح
ما لا أستطيع حمله،
وللماضي
حقَّه في أن يكون ماضياً،
وللغد
حقَّه في أن يأتي
دون أن أرهقه بأسئلتي.

أما أنا…

فسأحتفظ بهذا القلب
كما هو:

مليئاً بالندوب،
قابلاً للحب،
قابلاً للدهشة،
وقابلاً لأن يبدأ
مرةً أخرى.

فربما
لم نُخلق كي نجد وطناً نهائياً،
وربما الوطن
ليس مكاناً نعود إليه،
بل ذلك السلام
الذي يحدث في داخلنا
حين نتوقف عن الهرب من أنفسنا.

وحين أصل يوماً
إلى آخر الطريق…

لن ألتفت
لأحصي المسافات.

سأبتسم فقط،
وأقول للغريب الذي كنتُه:

لقد تأخرنا كثيراً…
لكننا وصلنا.

ثم أمضي…

لا إلى نهاية،
بل إلى بدايةٍ أخرى
لا أعرف اسمها،

فالحياة
ليست أن تعرف أين تنتهي،
بل أن تملك الشجاعة
لتخطو الخطوة التالية…

وأنت لا تعرف.
شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code
 ⟲    ➴