بقلم: نجلاء السيد ((مصر ))
سمعتُ أنينَ طفلٍ يهمس لي:
«ارحموا طفولتي».
لماذا أدفع ثمن ما لم أفعله؟
قبل أن تأتوا بي إلى الدنيا، هل سألتم أنفسكم: هل نحن مستعدون لاستقباله؟
هل سنحميه من قسوة العالم؟ هل سنمنحه حياةً سويّة، وشخصيةً سنُسأل عنها أمام الله؟
جعلتموني حبلَ شدٍّ وجذبٍ بينكم.
كلٌّ منكم يحاول أن يكرّهني في الآخر، أو يجذبني إليه دونه.
أتمزّق من داخلي وأنتم لا تدرون.
نزاعاتٌ وخلافات، وقد يصل الأمر إلى الطلاق، وأنا ما زالت أوصالي تتقطّع بينكم.
فقدتُ الأمان قبل أن أعرف معناه.
وأعيش غربةً بين ثقافتين، وكان بيتي وطني الوحيد، فصار هو الغربة الأكبر.
أنا لستُ تجربةً لأحدٍ منكم.
أنا بريءٌ من اختياركم الخاطئ.
فأخبروني: بأيّ ذنبٍ تُقتل طفولتي؟
أنا لم أختر أحدًا منكم، فلماذا تُجبرونني على الاختيار؟
أأعيش مع أبي وأفقد أمي، أم أعيش مع أمي وأفقد أبي؟
قرّرتم الانفصال دون أن تفكّروا فيّ.
كلٌّ منكم فكّر في حياته وبدأ من جديد، ونسيَني.
نسيتم أنكم مسؤولون، فقد قال رسول الله ﷺ: “كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيَّته”.
وأنا من رعيّتكم، وسأُخاصمكم أمام الله.
تركتموني وحدي، بلا قدوةٍ وبلا معلّم.
تركتموني لمربٍّ آخر، لا أدري إلى أين سيقودني، وكيف سيعيد تشكيل شخصيتي.
تركتموني للهاتف والشاشات، ولعالمٍ افتراضيٍّ يبثّ سمّه في العقول بلا دينٍ ولا قيمٍ ولا مبادئ، لتخفّفوا عن أنفسكم عبء الجلوس معي.
تركتموني أفقد جوّ الأسرة، وأفقد دفئكم.
أعرف أنكم تحبّونني، لكنكم نسيتم كيف تُظهرون ذلك.
امنحوني الحياةَ السليمة السويّة، وسأمنحكم حبًّا وبرًّا.
سأكون لكَ يا أبي العصا التي تتوكّأ عليها،
وسأكون لكِ يا أمي الظهرَ الذي يشدّ أزرَكِ.
لا تجعلوا مني إنسانًا ناقمًا على الحياة قبل أن أعيشها.
انظروا إلى من هم في مثل عمري يتمتعون بدفء عائلاتهم، وأنا أعاني التجمّد والقهر النفسي.
فكّر قليلًا يا أبي، وفكّري يا أمي:
هل كنتما مستعدَّين لاستقبالي؟
اتقوا الله في أنفسٍ لم تقترف ذنبًا، تدفع ثمن كل شيء، ولا يدَ لها في أخطائكم.
هذا ما يقوله أطفالنا، بصوتٍ مسموع أو بصمتٍ موجع.
هل أنتما مستعدّان لتكونا أبوين ومربّيَين لجيلٍ سويٍّ ينشأ دون تشوّهات نفسية؟
أنا لا أدين الطلاق وحده، بل أدين أيضًا النشأة في أسرةٍ تبدو مترابطة، لكنها تقوم فوق بركانٍ من المشكلات: شجارٌ أمام الطفل، وأبوابٌ تُغلق، وصمتٌ أثقل من الكلام. ليس المهم أن يبقى البيت قائمًا، بل أن يبقى آمنًا.
والطفل ليس ساحةً لتصفية الحسابات، ولا جاسوسًا ينقل أخبار كلِّ طرفٍ للآخر. فإذا فعلنا ذلك حوّلنا أبناءنا إلى أعداءٍ لنا دون أن ندري، وصرنا نخشى الكلام أمامهم، وصرنا نستدرجهم: “ماذا رأيتَ؟ وماذا فعل؟” ثم نعلّمهم أن الفتنة أشدّ من القتل، ثم نشكو من سلوكهم، والذي يحتاج إلى تعديلٍ هو سلوكنا نحن.
والتربية الإيجابية ليست تدليلًا، بل حزمٌ ولينٌ معًا: حدودٌ تُقال باحترام، وحبٌّ لا يُشترط بالتفوق ولا بالطاعة، ووقتٌ حقيقي بلا شاشات، وقدوةٌ تفعل ما تطلبه. والطفل الذي ينشأ آمنًا يكبر واثقًا بنفسه.
لقد نسينا أننا لا نربّي طفلًا فحسب، بل نربّي أبًا جديدًا وأمًّا جديدة. فإن أعدنا معهم قصتنا أعادوها مع أبنائهم، وبقينا في حلقةٍ مفرغة: جيلٌ مشوَّه يسلّم جيلًا مشوَّهًا. والكبار الذين لم يُعالجوا جراحهم هم أول من يحتاج إلى العلاج، وطلب المساعدة شجاعة.
فمن أحسن الاختيار فقد نجا، ومن أخطأ فلا يجعل من لا ذنب له يدفع الثمن.
«هذا ما جناه أبي عليّ، وما جنيتُ على أحد».
فيا من تقرأ، قبل أن تجنيَ على روحٍ لا ذنب لها، توقّف قليلًا وفكّر.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
