بقلم/ نجلاء السيد،. ((مصر ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في مدينتي حكايات لا تنتهي، ومعكم في هذه الحلقة نسافر بين عبق الماضي ورحيق الحاضر، وكأننا ركبنا معاً آلة الزمان.
نعم، هي آلة الزمان حقاً. وقفتُ في محطة الرمل، قلب مدينتي النابض، والكورنيش يتنفس خلف ظهري، وأمامي ترام عتيق ينتظرني. وما إن وضعتُ قدمي على سلّمه حتى أدركتُ أنني عبرتُ إلى زمن آخر. جلستُ قرب النافذة، وأخذت السنون تمر أمام عيني، وأخذتُ أستعيد الأماكن التي طالما أسعدني التجول فيها مع إخوتي وأصدقائي.
لكن قبل أن نمضي، دعوني أحكِ لكم حكاية هذه الرفيقة العتيقة.
بدأت قصة ترام الإسكندرية عام 1860، في عهد الوالي محمد سعيد باشا، حين مُنح تاجر إنجليزي امتياز إنشاء خط ترام الرمل. وفي يناير 1863 افتُتح الخط للجمهور بقطار تجرّه الخيول، ليكون من أقدم وسائل النقل الجماعي في أفريقيا. ومرّت السنون وتبدّلت وسيلة الجر، حتى جاءت الكهرباء في مطلع القرن العشرين، فانطلقت العربات بقوة جديدة.
وبعدها بسنوات، في عام 1896، دخل ترام المدينة، بلونه الأصفر المحبب، على يد شركة بلجيكية وبحضور الخديوي عباس حلمي الثاني، فتعددت خطوط الترام وتشابكت مع نبض الحياة اليومية. وحتى ثورة يوليو 1952 كان السائقون إيطاليين والمحصّلون مالطيين، وكأن المدينة بكل جالياتها كانت تركب معنا في العربة نفسها.
أما اليوم، فتقف الحكاية عند منعطف جديد؛ فقد أُعلن في عام 2026 عن مشروع كبير لتطوير ترام الرمل وتحويله إلى قطار حديث أسرع، مع الحفاظ على ترام المدينة التاريخي، خاصة خطي رأس التين ومحرم بك. وهكذا تلتقي ذاكرة الترام العتيق بطموح النقل الحديث، وتبقى الحكاية مفتوحة، لم تنتهِ بعد، تماماً كحكايات مدينتي.
وها هي نافذتنا تحمل إلينا طلة مسجد القائد إبراهيم، فلننزل هنا قليلاً.
وقفنا أمام أحد أشهر مساجد الإسكندرية، يطل على الكورنيش في قلب محطة الرمل، بمئذنته الرشيقة التي تتوسطها ساعة. وقصته أن فكرة بنائه باسم إبراهيم باشا ظهرت قبل الحرب العالمية الثانية، لكن الحرب أوقفتها، ثم أعاد الملك فاروق إحياءها. وجاء عام 1948، الذكرى المئوية لوفاة إبراهيم باشا ابن محمد علي ومؤسس الجيش المصري الحديث، فصار المسجد تخليداً لاسمه.
صممه المعماري الإيطالي ماريو روسي، كبير مهندسي الأوقاف، وهو الذي ارتبط اسمه كذلك بمسجد المرسي أبو العباس. وجمع فيه بين الطرازين المملوكي والأندلسي؛ فالقبة والمئذنة مملوكيتان، والواجهة عقودها أندلسية مفصصة. وتبلغ مساحته نحو ألفي متر مربع، ويضم دار مناسبات. وفي رمضان يتحول إلى منارة تستقبل الآلاف في صلاتي التراويح والتهجد.
وهنا ارتفع صوت الأذان، فدخل قلبي وملأ أركانه راحةً وسكينة. وقفتُ أستعد للصلاة، وبعد أن أنهيتُها عدتُ أنتظر الترام من جديد، ليحملنا إلى رحلة أخرى بين محطات مدينتي الجميلة وشوارعها.
ففي كل محطة حكاية، وفي كل شارع ذاكرة، وتبقى الإسكندرية قادرة على أن تفاجئنا بحكاية جديدة.
انتظروني في المحطة القادمة… في مدينتي الجميلة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
