أحمد بن عثمان التويجري
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في زمنٍ طغت فيه الحسابات السياسية والمصالح الجيوستراتيجية على المبادئ والقيم، برزت إسبانيا، حكومةً وشعباً، بوصفها واحدة من أكثر الدول الأوروبية وضوحاً وشجاعة في موقفها من القضية الفلسطينية، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر 2023.
لم يكن الموقف الإسباني مجرد بيانات دبلوماسية أو تعبيرات عن القلق، بل تطور تدريجياً إلى سياسة متكاملة جمعت بين الاعتراف السياسي بالدولة الفلسطينية، والتحرك في المؤسسات الدولية، والمطالبة بوقف الحرب، وتقديم المساعدات الإنسانية، والضغط السياسي والقانوني على الحكومة الإسرائيلية، وصولاً إلى إجراءات اقتصادية وعسكرية صارمة.
إن هذا الموقف الرسمي لم يكن معزولاً عن المجتمع الإسباني؛ فقد شهدت مدن إسبانية لا حصر لها، من مدريد وبرشلونة إلى إشبيلية وملقة وفالنسيا، مظاهرات واسعة تضامناً مع الشعب الفلسطيني، ورفع المشاركون فيها الأعلام الفلسطينية وطالبوا بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال والاعتراف بدولة فلسطين. ومن أهم وأضخم هذه المظاهرات المظاهرة التي خرج فيها مئات الألوف من المتظاهرين في شهر أيار/مايو 2024م في مدريد مطالبين الحكومة الإسبانية بالاعتراف بدولة فلسطين ووقف دعم إسرائيل، وقد كانت استجابة الحكومة الإسبانية آنية، حيث أعلنت الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين في الثامن والعشرين من الشهر نفسه. وقد وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز القرار بأنه خطوة تاريخية، مؤكداً أن الاعتراف خطوة مهمة لتحقيق السلام وترسيخ حل الدولتين، وأن قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب دولة إسرائيل هو الطريق الواقعي لتحقيق السلام والأمن للشعبين. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لأنها جاءت في ذروة الحرب على غزة، في وقت كانت فيه دول غربية كثيرة تدعم حرب الإبادة الصهيونية بالسلاح والغطاء السياسي.
لم تكتف إسبانيا بالاعتراف الرمزي، بل سعت إلى تحويل الاعتراف إلى مشروع سياسي أوسع، داعية إلى عقد مؤتمر دولي للسلام، والعمل على تنفيذ حل الدولتين، وتعزيز مكانة السلطة الفلسطينية بوصفها شريكاً في عملية السلام وإعادة بناء غزة.
وقد كان من أكثر المواقف الإسبانية أهمية قرار مدريد التدخل في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. ففي 28 حزيران/يونيو 2024، أعلنت إسبانيا رسمياً تدخلها في القضية، مؤكدة أن هذه الخطوة تستند إلى مسؤوليتها كدولة طرف في اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وإلى التزامها بالقانون الدولي ودور محكمة العدل الدولية في النظام الدولي. كما شددت على أهمية تنفيذ التدابير المؤقتة التي أصدرتها المحكمة، ولا سيما ما يتعلق بحماية الفلسطينيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة. وهنا تتضح إحدى أهم خصائص السياسة الإسبانية: فهي لم تكتفِ بالخطاب السياسي، بل سعت إلى وضع القضية الفلسطينية داخل إطار القانون الدولي والمؤسسات القضائية الدولية.
ومنذ الأشهر الأولى للحرب، تصاعدت لهجة الحكومة الإسبانية في انتقاد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وبخاصة مع اتساع حجم الخسائر في صفوف المدنيين وتدمير المستشفيات والبنية التحتية ومنع وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية. وفي أيلول/سبتمبر2025، بلغ هذا الموقف مرحلة أكثر صراحة عندما أعلن رئيس الوزراء الإسباني بييدرو سانشيز أن ما يجري في غزة لا يمكن تبريره بمجرد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وأن حماية الدولة لا تعني قصف المستشفيات وتجويع الأطفال.
وكان هذا التصعيد السياسي انعكاساً، إلى حد كبير، لموقف اجتماعي إسباني واسع. فقد أظهر بارومتر المعهد الملكي إلكانو في تموز/ يوليو 2025 أن 82 في المئة من الإسبان الذين شملهم الاستطلاع وصفوا ما تقوم به إسرائيل في غزة بأنه “إبادة جماعية”، وأن 78 في المئة أيدوا اعتراف الدول الأوروبية بدولة فلسطين. كما ظل رفض سياسات الحكومة الإسرائيلية واسعاً، مع بقاء المواقف المعادية لليهود أقلية واضحة، وهو تمييز مهم بين انتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية وبين العداء لليهود كجماعة دينية أو إثنية. وفي استطلاع نشرته صحيفتا “El País” و”Cadena SER” في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، وصف 56.7 في المئة من الإسبان ما تقوم به حكومة نتنياهو في غزة بأنه “إبادة جماعية”، وأيد 77.2 في المئة تقديم المساعدات الإنسانية، و65.2 في المئة فرض عقوبات، و58.7 في المئة فرض حظر على الأسلحة لإسرائيل.
ومن أهم ما يميز السياسة الإسبانية أنها لم تتوقف عند الاعتراف بفلسطين أو الإدانات السياسية. فقد أعلنت أنها أوقفت فعلياً تصدير المعدات العسكرية إلى إسرائيل منذ أكتوبر 2023، ثم اتجهت في أيلول/سبتمبر 2025 إلى تحويل ذلك إلى حظر قانوني دائم. وفي 8 سبتمبر 2025 أعلن رئيس الوزراء حزمة من تسعة إجراءات إضافية لوقف ما وصفته الحكومة بـ”الإبادة في غزة”، كان أبرزها تثبيت حظر الأسلحة قانونياً، بما يشمل بيع وشراء الأسلحة والذخائر والمعدات العسكرية لإسرائيل، ثم أقر مجلس الوزراء في 23 أيلول/سبتمبر 2025 مرسوماً بقانون يعزز هذا الحظر، ويشمل أيضاً مواد الدفاع والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج. وهذه خطوة ذات دلالة سياسية كبيرة؛ لأنها تنقل إسبانيا من مرحلة انتقاد الحرب إلى محاولة استخدام أدوات الدولة الاقتصادية والقانونية لمنع المساهمة فيها.
ولم تقتصر الإجراءات الإسبانية على الأسلحة، فقد قررت الحكومة أيضاً منع السفن التي تحمل وقوداً يمكن استخدامه من قبل القوات المسلحة الإسرائيلية من العبور عبر الموانئ الإسبانية، ومنع طائرات الدول التي تنقل مواد دفاعية إلى إسرائيل من دخول المجال الجوي الإسباني. كما قررت منع دخول الأشخاص الذين تعتبرهم مسؤولين بصورة مباشرة عن جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في غزة، وأعلنت إدراج شخصيات إسرائيلية بارزة على قوائم المنع من الدخول. كما اتخذت الحكومة الإسبانية كذلك موقفاً واضحاً من المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ففي أيلول/سبتمبر 2025 أعلنت مدريد حظر استيراد المنتجات القادمة من المستوطنات غير القانونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وربطت هذا الإجراء بضرورة مواجهة الاحتلال ومنع التهجير القسري والحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. وهذه السياسة تنسجم مع رؤية إسبانية أوسع تعد الاستيطان أحد أخطر العقبات أمام قيام الدولة الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين.
وفي موازاة الضغط السياسي، واصلت إسبانيا تقديم الدعم الإنساني للفلسطينيين. فقد أعلنت الحكومة في 2025 زيادة مساعداتها الإنسانية والتعاونية لغزة لكي تصل إلى 150 مليون يورو بحلول 2026، إلى جانب إضافة 10 ملايين يورو إلى مساهمتها في وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). كما عززت دعمها للسلطة الفلسطينية ومشروعات التعاون في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والرعاية الطبية. وهذا الجانب الإنساني مهم بصفة خاصة؛ لأن الموقف الإسباني لم يكن قائماً على العقوبات والضغط السياسي فحسب، وإنما حاول الجمع بين ردع المعتدي وإغاثة الضحية.
وإذا كان من الإنصاف الإشادة بالحكومة الإسبانية، فإن الإنصاف نفسه يقتضي الإشادة بالشعب الإسباني الذي جعل من التضامن مع فلسطين أحد أبرز مظاهر الحراك الشعبي في أوروبا خلال خرب الإبادة في غزة. فقد خرجت مئات المظاهرات الحاشدة في معظم المدن الإسبانية وبخاصة في مدريد وبرشلونة وبلنسية وملقا وبلباو وإشبيلية ولاس بالماس وقادس، شارك فيها مواطنون من جميع الأطياف، ونقاباتٌ ومنظماتٌ حقوقية، وأكاديميون وفنانون وشخصيات سياسية، مطالبين بوقف الحرب وفتح ممرات المساعدات وإنهاء الاحتلال والاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2024، شهدت أكثر من 50 مدينة إسبانية فعاليات وتظاهرات مؤيدة للفلسطينيين مع اقتراب الذكرى الأولى للحرب، في مشهد يعكس اتساع التضامن الشعبي مع غزة. ولم يكن هذا التضامن مجرد انفعال عابر؛ فالمؤشرات الاجتماعية اللاحقة أظهرت أن قطاعات واسعة من الإسبان تؤيد بالفعل السياسات التي اتخذتها الحكومة تجاه الحرب: المساعدات الإنسانية، والعقوبات، وحظر الأسلحة، والاعتراف بالدولة الفلسطينية. وهذا يؤكد أن الحكومة الإسبانية لم تكن تتحرك في فراغ، وإنما كانت تستجيب لشعور اجتماعي واسع يرى أن استمرار قتل المدنيين وتجويعهم وتهجيرهم لا يمكن أن يُقابل بالصمت.
لقد أعادت إسبانيا، في السنوات الأخيرة، طرح سؤال بسيط ولكنه عميق على أوروبا كلها هو: إذا كانت القارة الأوروبية تؤكد باستمرار أهمية القانون الدولي وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، فهل يجوز أن تتوقف هذه المبادئ عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟ وقد كانت إجابة مدريد العملية: لا. فالاعتراف بدولة فلسطين، والتحرك أمام محكمة العدل الدولية، ودعم الأونروا، وتقديم المساعدات لغزة، والدعوة إلى وقف إطلاق النار، ورفض الاستيطان، وفرض حظر الأسلحة، وتقييد الدعم اللوجستي للحرب، كلها حلقات في سياسة واحدة قوامها أن السلام لا يمكن أن يقوم على الاحتلال، وأن أمن إسرائيل لا يمكن أن يتحقق بإلغاء حقوق الفلسطينيين. ومن هذه الزاوية، فإن قيمة الموقف الإسباني لا تكمن فقط في القرارات التي اتخذتها الحكومة، وإنما في أنها أعادت إلى السياسة الخارجية الأوروبية شيئاً من الاستقلال الأخلاقي والسياسي الذي افتقدته دول غربية كثيرة أمام المأساة الفلسطينية وللأسف الشديد.
ستبقى إسبانيا، بعد السابع من أكتوبر، واحدة من أبرز دول العالم التي حاولت أن تجعل من فلسطين قضية سياسية وقانونية وإنسانية، لا مجرد ملف دبلوماسي مؤجل. وقد التقت في هذا المسار إرادة حكومية واضحة مع حركة شعبية واسعة؛ حكومة اختارت الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والتحرك أمام المؤسسات القضائية الدولية، وتقديم المساعدات، وفرض قيود على التعاون العسكري والاقتصادي المرتبط بالحرب؛ وشعبٌ خرج إلى الشوارع والميادين ليقول إن قتل الأطفال وتجويع المدنيين وتهجير السكان لا يمكن أن يصبح أمراً عادياً في عالم يدّعي احترام حقوق الإنسان. إن الموقف الإسباني خلال هذه المرحلة سيُذكر بوصفه أهم محاولة جادة على المستوى الدولي لتحويل التعاطف مع فلسطين إلى سياسة، والتضامن مع غزة إلى فعل، والقانون الدولي إلى أداة للمساءلة.
إن أفضل ما يمكن أن تفعله الدول في مثل هذه اللحظات ليس أن تسأل فقط: أين تقف مصالحنا؟ وإنما أن تسأل أيضاً: أين يقف الحق؟ وفي هذه المسألة تحديداً، اختارت إسبانيا أن تقف بوضوح لا لبس فيه إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في الحياة والحرية وتقرير المصير، وإلى جانب السلام العادل الذي يضمن الأمن والكرامة للفلسطينيين واليهود على حد سواء.
إن هذه المواقف التاريخية من قبل الحكومة الإسبانية والشعب الإسباني توجب على جميع الدول والشعوب العربية والإسلامية أن تقابل الإحسان بالإحسان، والوفاء بالوفاء، والفضل بالفضل، وذلك بأن تقوي الدول العربية والإسلامية علاقاتها السياسية والاقتصادية والثقافية بإسبانيا حكومة وشعباً، وأن تمنح إسبانيا أفضلية وأولية كبرى في التعاملات الاقتصادية والتجارية والمالية والثقافية، وأن يكرم السياسيون والقياديون الإسبان الذين رفعوا راية الدفاع عن الحقوق الفلسطينية من قبل جميع الدول العربية والإسلامية، وأن تُقدم للمواطنين الإسبان تسهيلاتٌ دبلوماسية استثنائية، وأن تستقبلهم الشعوب العربية والإسلامية في كل حين بما هم أهل له من الترحيب والمحبة والتقدير والاحترام.
عربي 21
