عبدالسلام الفقهى
عدسة : أكرم قانا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_لا يقدم الفنان التشكيلي البهلول الشريف رؤية متعارفا عليها لعوالم المدينة في معرض (تلوين) ، لكنه يحاول المرور من نقاط الاشتباك بين المألوف وعكسه، فهو يغرق أماكن نألفها بنسيج لاهب من رذاذ الريشة، حتى تكاد تستحيل ملامحها عن الوضوح. هنا ينشأ الفارق بين النظرة الفيزيائية للأشياء والبصيرة التي تقودنا إلى مكنونها الروحي، حيث تنفتح ممرات الظاهر إلى رواسب الباطن مطلة على مفازات من جنون البراءة، وسرديات الخيال المدرب على استنطاق الجمال دون عبث.
خطوط الكروسة
في لوحة «الكروسة» مثلا تجري عملية استفزاز البصر إلى الحد الذي يجعلك تتلذذ في اكتشاف ملامح استدارة العجلات أو مقود السائس أو تفاصيل الحصان وهو يمضي متمهلا على أرضية المدينة المبلطة بأحجار التاريخ. وقد يتسنى لك ربما تخيل الاستماع إلى فرقعة السنابك وهي تضرب بخفة، أو صخب المارة وهمهماتهم المختلطة بهواء البحر. وفي حين تعكس الألوان في تباينها جمالية المشهد، تنقلك أيضا إلى فيض زمني تحتضن فيه الكروسة حفلات الزفاف، وتسجل شهاداتها على ميلاد ذكريات هنا وهناك.
في لوحة أخرى، تقابلنا واجهة أحد المساجد بقالبه المتواضع الذي خطه البهلول في زفة من الألوان. كما تخبرنا تلك الرتوش جرأة الانغماس في تباينات لونية لا تحفل بها أبنية المساجد، لكنها تسجل حفاوة فنية بالطابع الروحي الذي يدفق في دواخلنا، وتترجمه مفازات الدفق التجريبي لنمط اللوحة، مع الوضع في الاعتبار أن واجهة المسجد بضرباتها اللونية المتباينة تمثل تواصلا نفسيا مع المحيط في أشجاره وأرضيته وطقسه العام، وبذلك يصبح للواقع المتخيل سلطته الفنية التي تحيلنا إلى عناصره وضروراته ومعطيات تسمح بوجودها في مدخلات العمل.
لا زقاق في المدينة إلا لندخل في آخر، والأزقة هي الأخرى كانت حاضرة في لوحات البهلول لا بصورة منفردة، وإنما ضمن مكونات إيقاع فسيفسائي عام، فأنت تناظر مثلا واجهة سوق المشير في نسخ لونية متعددة، تتيح للبصر تأمل وتخيل عناصر البناء الممتد على طول المسافة من الواجهة إلى آخر الممر، وكذا يمكننا رؤية مطلع آخر لممشى قوس ماركوس في زمنه الأول، حيث يتعانق ما هو تاريخي مع الجمالي، مع إتاحة العارف بالمكان رصد مكونات المحيط، وتقييم مستويات الإضافة أو معاينة اللمسات الخفيفة التي يبرقها الفنان لمصلحة الذائقة دون المساس بهويته وطرازه العام.
كتل وأطياف
يعرفنا البهلول على مجموع لوحات متجاورة، هي معطى يقترب من التجريدي للوحات الكروسة ومطلع باب الحرية، وباقي المساحات تندمج في موجة من الألوان. كتلة من الأطياف تتدفق في حزم وأشكال هندسية كالمربع والمثلث والدائرة، وربما تستحيل إلى جسم أميبي لا يخضع إلى وصف محدد. كل ذلك ينغمس في ألوان الأخضر والأصفر والأحمر، ونقاط تميل إلى الأسود لا ينظمها نسق محدد. كما لا يمنحها هذا التراص قصدية بعينها، لكن ما يمكنك استنطاقه هو تلك الروح الطفولية المجنحة التي تأنس إلى وضع تراكيب أشبه ببيوت صغيرة متناثرة مبثوثة على جسد اللوحة.
لا ينسى الفنان التوقف عند إحدى علامات المدينة، وهي شبابيك النوافذ، وتحديدا تشبيكاتها، حيث جهد البهلول في رسم طقس تشكيلي خاص لها يمنحها وضوحا وإطارا تعبيريا في صورة نموذج يعطي الطابع العام لكل نوافذ المدينة، مجرد انحناءات بسيطة مع تربيعات خفيفة، وهكذا يصبح الشباك في دائرة الاستعمال.
هنا في فضاء الشريف حتما يصبح الشباك واجهة تتراء خلفها موجات ودوائر الألوان المشار إليها سابقا، فالشباك لا ينفصل عن الوحدة البنائية العامة للبناء، ولا يبتعد عن روح المكان وجاذبيته. *
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
