صفوح صادق – شاعر فلسطيني
وأنتَ تنزعُ جلدَ الحياةِ عن جسدكَ
عانق قميصَ أُمِّكَ عندَ مغيبِ الشمسِ
دُسَّ وجهكَ في نسيجٍ
يحملُ رائحةَ الطفولةِ
ذلكَ العطرُ الذي لا يخون
ولا يشيخُ
ولا يتركُكَ وحيداً أمامَ مرآةِ الغياب
عندَ حافّةِ المساءِ
حينَ تتسلَّلُ خُطاكَ فوقَ تعبِ السنين
سيمسحُ القميصُ على كتفيكَ
كما لو أنَّ يديها هناك
تُخبِّئُكَ من صقيعِ الأيامِ
وتُعيدُكَ طفلاً يلهو
في ساحاتِ القلبِ الأولى
فلا تخف
حينَ تنكمشُ الدروبُ
ويضيقُ الحلمُ في صدرِكَ
فثمَّةَ حضنٌ ينتظرُكَ
بين أزرارِ القميصِ المفتوحِ
على اتساعِ الذكريات
الليلُ طويلٌ
والحكاياتُ القديمةُ وحدها
تعرفُ كيف تُهدهِدُ وجعَ القلبِ
وكيف تسقي الروحَ من كفيّها
رشفةَ حبرٍ وشيئاً من رضا
أغمض عينيكَ قليلاً
واسمع نبضَ الخيطِ
يهمسُ باسمكَ
كم مرةٍ خبَّأتَ فيهِ دمعَكَ
كم مرةٍ التفتَ حولَ حزنِكَ
كأنَّهُ ذراعاها
القميصُ ليس مجرّدَ قماشٍ
إنَّهُ ظلُّ غيابِها
إنَّهُ الأمانُ العالقُ في التفاصيل
رائحةُ دعائها المُتغلغلةُ في نسيجهِ
وصدى ضحكاتها
التي لم يمحُها الزمن
عانقهُ طويلاً
ولا تُفلتهُ
فثمَّةَ أمٌّ تنظرُ إليكَ من بعيد
وتهمسُ في صمتِ المساءِ
أنا هنا..لا زلتُ هنا
وأنتَ تنزعُ جلدَ الحياةِ عن جسدِكَ
عانق قميصَ أُمِّكَ عند مغيبِ الشمسِ
دُسَّ يديكَ في أكمامهِ
علَّكَ تجدُ بقايا دفءِ يديها
تُربِّتُ على كتفيكَ المُثقلين
كما كانت تفعلُ حين كانَ الحزنُ
أكبرَ من عمرِكَ الصغير
إستنشق بعمقٍ
فالنسيجُ بحفظُ أنفاسَها
وتلكَ الرائحةُ التي ما زالت
تُبلسِمُ أوجاعَ قلبكَ المُتعَبِ
كم مرّةٍ أخفيتَ وجهكَ فيه
خجلاً من دمعِكَ
وكم مرّةٍ كنتَ تحملُهُ
كأيقونةٍ تُطمئِنُ بها قلبكَ المُشرّدِ
عندَ مغيبِ الشمسِ
حين تُفرِغُ الأيامُ جيوبَها
من الأملِ والضوءِ
يبقى القميصُ شاهداً
حارساً للعمرِ الذي مضى
وباباً صغيراً
يُفضي إلى صدرِها
إلى تلكَ اللّحظة التي تمنَّيتَ
أن تُخلَّدَ للأبد
لا تتركهُ
فهو وطنُكَ الأخير
حين تغتربُ في زحامِ العالمِ
حين يُثقلُكَ الحنينُ
وحين تكتشفُ أنَّ بعضَ الحُبِّ
لا يموتُ أبداً
بل يبقى عالقاً
في خيطٍ قديم
في زرٍّ مكسور
وفي رائحةٍ تأبى أن ترحلَ
عانق قميصَ أُمّكَ طويلاً
دعهُ يبتَّلُّ بدمعِكَ إن شئت
فهو وحدهُ يعرفُ سرَّ انكساراتكَ
وحدهُ يدركُ كم كنتَ طفلها المُدلَّل
وكم صرتَ الآنَ وحيداً في مواجهةِ العالم
لا تخف
فالأُمُّ لا تغيبُ تماماً
تبقى في الأشياءِ التي لامسَتها
في الأقمشةِ التي عطَّرتْها بأنفاسها
وفي صوتٍ داخليِّ
سيُناديكَ كلما تعثَّرتَ
أنا هنا.. لا زلتُ أراكَ
لا زلتُ أُحبُّك
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
