اسماء القرقني من مجموعتها القصصية( عندما تتداعى الأشياء)
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تسلَّلت رياحُ كانون الثاني القاسية من شقوق النافذة، اِصطدمت برودتها بوجهي وأنا أقف أمامَ المرآة أعدِّلُ خصلات شعري المشعث، ولحيتي الطويلة النافرة، وأهذِّب مظهري الخشن المهمل دون جدوى، لم أتفحَّصْ محيَّاي في المرآة منذ فترةٍ طويلةٍ، شعرت بالحزن وأنا أَتَأمَّل التغيُّرَ الكبيرَ الذي طرأ على ملامحي، جفنانِ محتقنانِ لا يلتقيانِ إلَّا خلسةً، وَجْنتَانِ ضامرتانِ تبدو عظامُهُمَا بارزةً بصورة منفِّرَةٍ، شفتانِ يابستانِ، نظراتٌ تائهةٌ.
يالهذا الضجيج المزعج، مازالوا يضعونَ أغانيَ واهازيج النصر..! زفرتُ بسخريَّةٍ، اطفأتُ الراديو بِغِلٍّ، يكفيني ضجيج لومها وتأنيبها ونعوتها القاسية
(ماذا دهاك؟ هل جننت ؟ صار النوم بجانبك محنة..!)
لم تراودني الرغبة في الخروج والكلام إلَّا عندما سمعت أَنَّ صديقي قد عادَ من غربته بعدَ غيابٍ طويلٍ، خرقتُ تلكَ العزلَةَ التي فرضتها على نفسي،تحرَّقتُ شوقًا لرؤيتِهِ وبثّ حزني وشكواي بين يديه لعله يشعر بي.
جلست في المقهى الذي كان أثيرًا لدي، رحمة الله تتغمَّدُ رفاقي، كانَ أغلبهم من السَّريَّة الخامسة لإحدى كتائب جيشنا، كم جلسنا هنا وعلت ثرثرتنا ومزاحنا، ذهبنا للحرب جميعًا، لكنِّني عدت وحدي،شعرت بهوَّةٍ في قلبي وأنا أَتَأمَّل أماكنهم الخالية،سَرَت في جسدي رعشة هائلة وأنا أراهم يتجسَّدون أمامَي، يقتربون مني واحدًا تلوَ الآخر، يقتربونَ كثيراً، نظراتهم تطفحُ غضبًا، أغمضتُ عينيَّ بقوَّةٍلأبعدَهُم عن مخيِّلتي، بلعت ريقي بصعوبة، جمعت شتات نفسي بمشقَّةٍ، أخذت أتلهَّى بتفقُّد المكانِ من حولي ودموعي تهطل بلا توقفٍ، شعرت أنه أصبح ضيقاً يكتمُ الأنفاس، أُسدلتْ على النوافذ ستائرَسوداءَ طويلةً حجبَت نورَ النهار، ووضعتْ أجهزةُتكييفٍ حديثةٌ بدلَ المدفأةِ العتيقة، لكنها لا تعمل على ما يبدو فرجفة البرد لم تفارقني، وحدها الكراسي المخمليَّة ظلَّت على حالها ولم تتغيَّر.
جلس رفيقي واجمًا بعدَ أن صافحَنِي بحرارةْ..سألني عن حالي وصحتي.. وعن مصائر بعضِ رفاقنا ممن شهدوا الحربَ؛ فهو لم يهتمَّ في غربتِهِ سوى بتفاصيلِ انتصارنا فيها..
تمعَّن في هيئتي:
– تغيَّرتَ كثيرًا..
هذه الجملة التي كنت أخشاها، وفي نفس الوقت أتوقع سماعها..
– أعرف.. ربما عليَّ أن أسردَ لكَ أحداثَ ذاك اليوم بالتفصيلِ، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن أضيفَ:
– قيل لنا إِنَّ النصرَ لا يفصلُنا عنه سوى خطواتٍ بسيطة.. الفرحة جعلتنا نراه أمامَنا على الرُّغمِ من ازدحامِ قبورِ أحبابِنا من حولنا، ونتنِ رائحتهم التي لم يفلح في سترها الدفن العشوائي..!!
توقَّفتُ قليلًا لأبلِّلَ شفتَّي الجَافَّتينِ، وألتقطَ خيطَ البدايَةِ، الحقيقة تصل إلى لساني وتتراجع، لم أجرؤ على البوح..!؟
– بَلَّغنا آمرُ كتيبَتِنا تلكَ الأُمسية أنَّ لديه معلوماتٍ منَ القيادَةِ تؤكِّدُ أنَّ أقوى وأشرس سرية للعدو توجدُ في الوادي الجنوبي،وبالقضاءِ عليها سيكون الانتصار قابَ قوسينِ أو أدنى.
أطلقنا النيران بكثافةٍ، بطريقةٍ جنونيَّةٍ، لم نجد أي مقاومةٍ، إبادتهم لم تأخذ وقتًا لدرجةِ أننا أُصبنا بالذهول بسبب غفلتهم وعدم استعدادهم.
عندما هدأ كل شيء، بدأت الحقيقة المروِّعة تتجلَّى أمامَنا؛ فمن أبدناهم عن بكرة أبيهم كانت السَّريَّة الخامسة لإحدى كتائبنا، لا أستطيع أن أصف لك شعورنا ونحن نركض بين جثثهم، نتفقَّدهم ونحيبنايشقُّ سكون الوادي المشؤوم، كان الآمر يردِّد بطريقة هستيرية:
– المعلومات مؤكدة.. المعلومات مؤكدة.
يومها فقدت صوابي؛ لا أعرف ماذا حدث بعد ذلك ؟؟كيف وصلت إلى قريتي ؟؟ ولا في أيِّ حال وصلت ؟؟ عام كامل اعتزلت فيه الناس عدا أهل بيتي..
– وماذا عن الآمر؟؟
طأطأتُ رأسي في أسًى وغمغمتُ بصوتٍ خفيضٍ:
– يقولون إنه أصيب بالجنون..
-هذا أقلُّ عقابٍ له..
سادَ صمتٌ ثقيلٌ بيننا برهة قصيرة.. شعرتُ بتلك الأعراض تعاودني، وخز كالدبابيس يسري في جسدي، رعشة في أطرافي، اضطراب في نبضي،(ربما آن الأوان كي أُزيحَ عن كاهلي ثقلًا كبيراً واكشف له أنني ..…)
تراجعت، جبنت..
شددت على كفه بما تبقَّى لي من قوةٍ ورجاءٍ وأنا أهمّ بالمغادرة:
– صدِّقني… الآمر معلوماته كانت مؤكَّدة..!؟
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
