تقرير: آرمين ميساجيه
ترجمه من الإنجليزية: محمد مجدي
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_لم تشهد الجمهورية الإسلامية اضطرابات بهذا الحجم منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين شهدت صراعًا مسلحًا في أعقاب الثورة الإيرانية (1979)، والحرب الإيرانية العراقية (1980-1988).
وبينما حشدت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” في الفترة 2022-2023 شباب المدن والأقليات في المناطق المهمّشة، فإن الموجة الحالية قد حققت ما لم تحققه أي موجة سابقة: توحيد شرائح اجتماعية وجغرافية وجيلية كانت قد تحرّكت بشكل منفصل في السنوات الأخيرة.
تشير الصور القليلة التي وصلت إلى العالم الخارجي منذ 8 يناير/كانون الثاني، حين فرضت السلطات حظرًا تامًا على الإنترنت، إلى احتجاجات ليلية متواصلة وقمع عنيف بشكل استثنائي، ويقدر مقتل ما لا يقل عن 2400 متظاهر.
تسلّط هذه المقالة الضوء على الانتفاضة الجارية: لحظاتها الرئيسية، وشعاراتها، وتطورها الاجتماعي والمكاني.
إضراب البازارات
خلال نهاية عام 2025 ومع انهيار الريال، العملة الإيرانية، أغلق تجار الإلكترونيات في بازار طهران الكبير، المتأثرون بشدة بالتضخم المفرط وارتفاع أسعار السلع المستوردة، متاجرهم ونزلوا إلى الشوارع في 28 ديسمبر/كانون الأول.
وبينما تلعب العقوبات دورًا في الأزمة، فإن معضلة الاقتصاد في إيران هي في المقام الأول نتيجة الفساد الممنهج وتخصيص العملات الأجنبية المدعومة لجهات مقرّبة من المرشد الأعلى، ورسميًا، تُخصّص هذه الأموال لاستيراد أو إنتاج السلع الأساسية التي تحتكرها هذه الجهات.
ولكن في الواقع، يُعاد بيع جزء كبير من هذه الدولارات بأسعار السوق أو يُهرّب ببساطة خارج البلاد، ووفقًا للخبير الاقتصادي سعيد ليلاز، يُسرق ما بين 40 و50 مليار دولار سنويًا، ما يُسرّع التضخم ويُقلّل من قيمة الريال، الأمر الذي يُلحق أشد الضرر بالأُسر الأكثر فقرًا. وقدّرت صحيفة “دنيا اقتصاد” الاقتصادية الإيرانية، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن 36% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، ومنذ ذلك الحين، ازداد الوضع سوءًا.
وتحمل الهوية السياسية للمتظاهرين دلالة بالغة، فالطبقة التجارية الإيرانية، أصحاب البازارات، التي لطالما عُرفت بطابعها المحافظ والمتدين، كانت قوة دافعة لثورة 1979، وظلّت على صلة وثيقة بالدولة منذ ذلك الحين، ويُشير حراكهم اليوم إلى أن الدولة لم تعد تؤدي وظيفتها الأساسية: دعم الاقتصاد.
ومن خلال المواجهة المباشرة مع الحكومة، التي تجلّت في شعار “يا بزشكيان، عار عليك، استقِل!”، لاقت مظالم تجار البازار صدى واسعًا، إذ تناولت قضايا توزيع الثروة، وعدم كفاءة الدولة، وفساد النخب، ومن قلب الاقتصاد التقليدي، امتد الإضراب سريعًا إلى فئات اجتماعية أخرى في جميع أنحاء البلاد، مُشعلاً شرارة ثورة وطنية.
اتساع رقعة التظاهرات
منذ اليوم الثاني، امتدت الانتفاضة إلى أحياء الطبقة العاملة في طهران والأسواق الرئيسية في المحافظات، وكان أول المنضمين إليها هم الفقراء من الطبقتين العاملة والمتوسطة، الذين باتت الحياة بالنسبة لهم مستحيلة ماديًا، ومع وصول الحد الأدنى للأجور إلى 90 دولارًا شهريًا وارتفاع أسعار المواد الغذائية بوتيرة متسارعة، وصلت الأسر إلى حافة الانهيار.
وسرعان ما تنوعت الحركة اجتماعيًا: انضم إلى سكان الأحياء العمالية والمناطق الصناعية طلابٌ وأصحاب أعمال صغيرة وعمال زراعيون، ولأول مرة، لم يقتصر الحراك على الشباب، بل شمل أيضًا أشخاصًا في الخمسينيات والستينيات من العمر، جيلًا شهد ثورة 1979.
كما برزت حداثة في جغرافية الاحتجاجات؛ فقد أصبحت المدن الصغيرة والمتوسطة (التي يتراوح عدد سكانها بين 10 ألف و100 ألف نسمة) في خراسان وسلسلة جبال زاغروس، الممتدة من وسط جنوب إيران إلى غربها، مراكز محورية. بقيت هذه المناطق، المعروفة عادةً بطابعها المحافظ والمتدين، على الهامش خلال احتجاجات 2022-2023، رغم أنها تمثّل الشريحة التي اعتادت الدولة أن تستمد منها جزءًا من قاعدتها الاجتماعية وتُجنّد منها قواتها الأمنية.
لكنّ مواطن الضعف الاجتماعي الرئيسية تتركز اليوم في هذه المناطق: ارتفاع معدلات البطالة الهيكلية، وقلّة الفرص المتاحة للشباب، وإرهاق الأسر العاملة، ووفقًا لمركز الإحصاء الإيراني، بلغ متوسط معدل البطالة 12% في عام 2023، وهو رقم يُرجَّح أنه أقل من الواقع، لا سيما بين الشباب من خريجي الجامعات، وتقع أربع من المناطق السبع الأكثر تضررًا في جبال زاغروس.
في البداية، توخّت بعض المناطق الحذر، مثل كردستان والمناطق الكردية في أذربيجان الغربية وبلوشستان، ولا تزال هذه المناطق تعاني من الصدمة الجماعية التي شهدتها الفترة 2022-2023، وقد تحمّلت نصيبًا غير متناسب من القمع، حيث مثّلت ما يقرب من نصف الوفيات المسجلة التي تجاوزت 551 حالة. وتشير مصادر جرى مقابلتها وتحليلات وسائل التواصل الاجتماعي، إلى أن انتشار الشعارات الملكية بين الحركات في وسط إيران يُشكّل أيضًا رادعًا للعديد من الأقليات (فقد ساد الهدوء في منطقة أذربيجان، على سبيل المثال، خلال هذه الفترة)، وذلك بسبب الطبيعة الفارسية للخطاب الملكي المعاصر وذكرى القمع في عهد الشاه.
شكّلت الفترة من 7 إلى 9 يناير/كانون الثاني نقطة تحوّل؛ فقد دعت سبعة أحزاب كردية في المنفى إلى إضراب عام لاقى استجابة واسعة في المناطق الكردية، كما أعلن رجال دين بلوش، دعمهم، وحشدوا المتظاهرين بعد صلاة الجمعة. في الوقت نفسه، أصدر رضا بهلوي، نجل الشاه الأخير المنفي، بيانًا يحثّ فيه المتظاهرين للنزول إلى الشوارع، وفي المدن الكبرى، اتسعت رقعة الحراك، وامتدت الاحتجاجات لتشمل جميع مناطق البلاد تقريبًا.
دلالة الشعارات
تعكس هذه الاحتجاجات الامتداد الجغرافي لحركة “المرأة، الحياة، الحرية”، ومشاركة الطبقة العاملة في المدن والأرياف خلال انتفاضات 2017-2019، والتعبئة الحضرية الواسعة للحركة الخضراء عام 2009.
ووفقًا لتحليل الاحتجاجات الذي أجرته إذاعة راديو زمانه ومعهد الدراسات الأمنية والحريات التابع لتل أبيب، فإن ما بين 53% و60% من الشعارات استهدفت علي خامنئي والنظام مباشرة (“الموت لخامنئي”، وغيرها). في المقابل، غابت الشعارات التي تشير إلى برنامج سياسي واضح، ما يعكس رفضًا جذريًا للنظام القائم، بل تكشف أيضًا عن جمود فكري وفراغ سياسي.
ويُفسَّر هذا الفراغ جزئيًا بانتشار الشعارات الملكية، التي تُمثل ما بين 20% و27% من الشعارات المُسجلة، ويعزّزها حضور قنوات فضائية للمغتربين تُروج للفكر البهلوي. إن تصوير الحركة على أنها ملكية، كما تفعل هذه القنوات، يترك تأثيرًا ذاتيًا، إذ يبدأ المتظاهرون في التماهي مع الرسالة وتضخيمها، ليس بدافع دعم العودة إلى الحكم، ولكن بسبب عدم وجود بدائل.
بالنسبة للكثيرين، لا يُمثّل بهلوي برنامجًا سياسيًا بقدر ما يشكّل رمزًا سلبيًا: القطيعة مع الجمهورية الإسلامية، وفي هذا السياق، لا يشبه دوره دور الخميني القيادي الذي لعبه في ثورة عام 1979. يبرز بهلوي كشخصية محورية مُثقلة بتوقعات متناقضة، فرضها قمع النظام والفراغ السياسي الذي أحدثه.
قمع شامل
منذ 8 يناير/كانون الثاني، غرقت البلاد في تعتيم إعلامي شبه كامل، إذ قُطعت خدمة الإنترنت ونُشرت أجهزة تشويش عسكرية لتحييد الاتصالات عبر الأقمار الصناعية مثل ستارلينك، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى منع التنسيق بين المتظاهرين وإخفاء أدلة القمع.
تشير التقارير القليلة الواردة من داخل إيران إلى تصاعد متزامن للاحتجاجات في المدن الرئيسية حتى 11 يناير/كانون الثاني، يقابله تصعيد وحشي للقمع، أسفر عن مقتل آلاف الأشخاص، وتُظهر الصور حشدًا للميليشيات والشرطة والجيش والحرس الثوري في العديد من المدن والأحياء، مع شاحنات عسكرية مُجهزة برشاشات ثقيلة، بينما تصف الشهادات اكتظاظ المشرحات، لا سيما في طهران.
حتى الآن، اقتصر رد خامنئي على تصعيد سياسة للإرهاب، ناشرًا الموت على نطاق يُضاهي أنظمة أخرى مُحاصرة كنظام بشار الأسد. النظام، الذي يواجه مأزقًا سياسيًا وتناقضات داخلية، وقرر تصفية المتظاهرين، الذين وُصفوا تباعًا بـ”المحتجين”، ثم “المخربين”، والآن “الإرهابيين”، بزعم توجيههم من قوى خارجية.
ورغم التشابه الاجتماعي والثقافي بين قوات النظام وكثير من المتظاهرين، تُرتكب أعمال قمع وحشية، في ظل انقطاع الإنترنت، وتعبئة وسائل الإعلام الحكومية المحتكرة التي تُركز على تهديد التدخل الأمريكي والإسرائيلي ومقتل أفراد الأمن.
وهكذا يجد الشعب الإيراني نفسه عالقًا بين دولة مستعدة لفعل أي شيء من أجل البقاء، وقوات أمنية متطرفة، وأجندات سياسية خارجية، فيبقى الشعب الإيراني – بكل تنوعه – غائبًا عن الحسابات الاستراتيجية، بينما يدفع ثمن ذلك بحياته.
لكن اليوم، يمتلك الشعب الإيراني، أكثر من أي وقت مضى، وحده الشرعية اللازمة لقيادة التحول الديمقراطي، وهو السبيل الوحيد للخروج من دائرة العنف والاستبداد والمأزق السياسي.
قنطرة
