الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:6 Minute, 15 Second

عبدالسلام الفقهي ((ليبيا ))

شبكة  المدارالإعلامية الأوروبية…_القص البدوي أو نثر التخوم كما يسميه البعض له إيقاعه ولونه وسحره الخاص، إضافة إلى ندرة من يكتبونه، كما أن له أسئلته التي تفرضها سلطة المجال المفتوح «الغابة والحيوانات والحشرات والنجع والقرية والجبال والكهوف».

القاص الليبي أحمد يوسف عقيلة أحد الكتَّاب الذين خاضوا غمار هذه التجربة ورسم أسلوبه الخاص. نحاول في هذا الحوار المنشور ضمن مادة كتاب (جسور) الصادر عن دار السراج للنشر التعرف على جزء من مراحل تكوينه الأدبي، والعوامل التي أسهمت في بناء قالبه الكتابي.

  • نبحث عن محطات تجلت منها الإرهاصات؛ إلى أي زمن يمكننا الرجوع؟

في المرحلة الثانوية في سبعينيات القرن الماضي بدأت في كتابة بعض الخواطر، ومساعدة بعض أصدقائي في كتابة رسائل عشق واعتذار لعشيقاتهم في زمن المراهقة، وكنت من هواة المراسلة، أراسل بعض الأصدقاء في بعض دول الوطن العربي، هذه كانت (تمارين) غير مقصودة على الكتابة بصفة عامة.

  • يتعلق الأمر أيضاً بعوامل مساعدة أسهمت في تشكيل وعيك وتفكيرك (كتب وكتاب)، وتجاربك الوليدة بالتأكيد؟
    كنت كثير القراءة في الأدب العالمي منذ أن عرفت فك الخط، فقد كنت أقرأ ما أجده في مكتبة المدرسة (حين كانت هناك مكتبات في مدارسنا)، وكانت بعض الروايات في حقيبتي المدرسية، وأذكر أنني حصلت على رواية (الفضيلة) لبرناردين دي سان بيير، فلم أستطع الصبر فأخذتها معي إلى الفصل ووضعتها مفتوحة فوق ركبتي، محاولاً ألا يراها المعلم، وشرعت في قراءتها أثناء الحصص. كما أنني كنت آخذ مجموعة من الروايات لأقرأها أثناء العطلة الصيفية حين كنا من البدو الرحّل، فأقرأ حين أسرح مع الأغنام، وأقرأ في الليل على ضوء الفنار الوحيد الذي أحصل عليه بعد وجبة العشاء. كانت قراءاتي متنوعة، وهذا جنبني الوقوع تحت تأثير كاتب محدد.
  • يشتبك عالمك القصصي مع أسئلة المكان والزمان والإنسان؛ لكن يظل هناك سؤال رئيسي هو السلطة؟

المتأمل لقصصي سيعثر بسهولة على ما يمكن أن أسميه (هاجس السلطة)، فأنا أرى السلطة في كل شيء، ليست السلطة بمعناها التقليدي، فكل العلاقات بين الكائنات تحكمها سلطة ما، قد لا تكون ظاهرة كالسلطة السياسية أو العسكرية المباشرة، لكن حين ننظر من زاوية مختلفة سندرك أنه حتى الأمومة والأبوّة سلطة، والغرائز سلطة، الحب، والكراهية، والنوم، الإنسان مسيج بالسلطات التي لا يدرك كنهها في كثير من الأحيان، لذلك ستجد سؤال السلطة في كل قصصي تقريباً.

  • قصصك ليست اجتماعية خالصة ولا هي سياسية لكنها بسخرية مضمرة؛ فماذا يعني صنع هوية سردية خاصة بك؟

في البداية لم أكن أعي ذلك، لم أكن أفكر في مسألة أن تكون لي خصوصية سردية، وفيما بعد أردت أن تكون لي هوية سردية، وألا أكون نسخة من غيري، لكنني اكتشفت أن هذا حدث تلقائياً، فأنا شرعت في الكتابة عن محيطي بكل ما فيه، عن الناس والحجر والشجر وكل الكائنات في طبيعة الجبل الأخضر، وتوظيفها في السرد، ومما ساعدني أنني لم أتسرع في النشر، فقد كنت أكتب فقط، وأخاف النشر، فلم أنشر إلا العام 1994، حين بلغت 38 عاماً، وهو وقت متأخر قياساً إلى الشباب الذين ينشرون اليوم كتاباتهم بمجرد البدايات. واهتمامي بمحيطي وبتراث المنطقة وتوظيفه سردياً ربما هو ما منحني الخصوصية.

  • تتحرك في مجال ثابت ومحدود ما يفرض عليك ربما سؤال التجديد أو تكسير القالب؟

لا أدعي أنني ممن يجربون في كتابة القصة، فلم يكن هذا ما يشغلني، إنني أحاول فقط أن أكتب بأسلوب سهل، خالٍ من التعقيد، فأنا قبل كل شيء أمارس القص، وأبطال قصصي من الطبيعة المحيطة بي، يفرضون وجودهم عليّ، وأنا أعايشهم منذ طفولتي، بالإضافة إلى أنني من المهتمين بالبيئة ودراستها، فأنا لا أكتفي بالملاحظة العامة التي يراها عابرو السبيل، فقد وُلدت في الغابة بالمعنى الحرفي للكلمة، فأنا جزء منها. أحاول قدر استطاعتي توظيف واستنطاق كل الكائنات التي تبدو مهمشة، لكنها تقول الكثير رغم ذلك، لمن يجيد الإنصات.

  • كتبت عن النجع والقرية-حيث ولِدت وعشت- ماذا عن المدينة؟

لم أكتب عن المدينة، فأنا لا أعرفها، فالبدوي علاقته بالمدينة تظل محدودة وملتبسة، لا يعرف كنهها تحديداً، البدوي يعيش بعقلية العراء والمجال المفتوح، لذلك قد لا يفهم حتى ماذا تعني الإشارة الحمراء التي تأمره بالتوقف! ولا يفهم كيف يسهر الناس إلى ساعات الفجر، البدوي في المدينة يشعر بالغربة، ويرتبك، لا زلت أجد صعوبة وخوفاً من عبور الشوارع الضاجة المليئة بالسيارات المسرعة، لذلك لا أستطيع أن أكتب عن شيء لا أعرفه.

  • عناوين المجموعات القصصية «غناء الصراصير والحرباء والخيول البيض وعناكب الزوايا»؛ ما الذي تريد إيصاله من هذا التماثل في المسميات؟

كل عناوين مجموعاتي القصصية التسع تحمل أسماء حيوانات وحشرات، ماعدا (المكحلة) وهي مختارات من كل المجموعات، وليست مجموعة قصصية جديدة، هو أمر أقرب إلى (الميثولوجيا)، أنا أسمي المجموعة بعنوان إحدى القصص التي تشتمل عليها، هذا ربما راجع التي العزلة التي أعيشها، واندماجي في الطبيعة، وتعلقي بها، في طفولتي كنت ألعب وحدي، على الرغم من كثرة اللاعبين حولي، أحس بأن البطل في الطبيعة أصدق. البطل في الطبيعة يقول نفسه ولا يُقوّله أحد.

  • حاولت في (الجراب) وأعمال أخرى أن تقدم رؤيتك لبيئة النجع وعالم القرية؛ ما أبرز أسوار النجع ووجه اختلافها عن أسوار المدينة؟

النجع شكلاً أصبح من الماضي، وهو يظل مجتمعاً له خصوصيته وأسلوبه في العيش ونمط معيشي معروف في الكثير من الدول، حياة الترحال والتنقل الدائم لها مزاياها وعيوبها، والتابوهات في المجتمعات بينها الكثير من المشتركات، وهي متشابهة مع بعض الفروقات. وفي الجراب قدمت النجع كإطار لحياة طفل يتماس مع الطبيعة، طفل تدهشه رؤية الكائنات: السيل والبرق والرعد والحيوانات والحشرات، ومن خلال فضول الطفولة يطّلع على الكثير من الممارسات الخفية في هذا المجتمع، تصدمه تلك الممارسات.

لكنه يدرك مبكراً أن هناك أشياء كثيرة تحدث في الخفاء، وينبغي أن تكون دائماً في الظل، تمارس في الظلام، في الكهوف، والأودية السحيقة، وأحراج الغابات، فالنجع ليس مجتمعاً مثالياً، ففيه من المثالب ما في كل مجتمع. وحاولت من خلال الكتابة أن أمس تلك المناطق.

  • في مجموعتك الأخيرة (المكحلة) نرى نماذج للقصة القصيرة جداً؟

أنا أميل إلى الاختزال في كتابة القصة عموماً، والقصة القصيرة جداً أكثر اختزالاً، أشبه بالومضة، أشبه ببؤرة ضوء مركزة، أشبه بضوء الحباحب، تلك الحشرات التي تومض فجأة في الظلام، قد تضيء مساحة محدودة، لكن لا يمكن تجاهلها. (الاختزال شقيق الموهبة) كما يقول تشيكوف، حتى في لقاءاتي الإذاعية أو الصحفية أجيب باقتضاب، فيطلبون مني أن أسترسل في الإجابة! لذلك أعتذر كثيراً عن اللقاءات الإذاعية لأن هذا سيتطلب كلاماً كثيراً، وأنا لا أملك هذا الكلام الكثير الذي تريده الإذاعات!

  • منِعت المكحلة من التداول للأسف، وهذا يعكس خيبة أمل في فهمنا لحرية التعبير؟

الغريب أن كل مجموعاتي القصصية موجودة في المكتبات، و(المكحلة) ما هي إلا مختارات من كل مجموعاتي القصصية، فقصصها التي منِعت موجودة في المكتبات ومتاحة. بل منشورة على صفحتي في الفيسبوك، وحتى قصة (المكحلة) التي عنونت بها المختارات منشورة على صفحتي وعليها عدة مشاركات وقراءات. يبدو أن الذين منعوا تداولها لم يطلعوا عليها؛ بل منعوها من خلال النظر إلى الغلاف، فهناك عين وكحل، فتصوروا أنها تحكي عن الجنس. كانت رؤيتهم هكذا: (عين وكحل، إذن هناك جنس)!

  • ليس بالضرورة الاتجاه إلى الرواية ومع ذلك نود معرفة أسباب عدم اتجاهك لها؟

كثير من أصدقائي نصحوني، وألحّوا عليَّ بأن أكتب الرواية، لكنني أرى أن القصة القصيرة تعبر عن كل ما أريد قوله، وأنا كما قلت سابقاً ميال إلى الاختزال، وأخشى المساحات التي توفرها الرواية، وأخشى أن أقع تحت طائلة إغراء الكتابة، فأُستدرَج إلى الثرثرة. ليس لديَّ نفس طويل لكتابة الرواية، فالإنسان الذي يعيش منعزلاً يغلب عليه طابع الصمت وقلة الكلام. ولعل تراثنا الشعبي (خاصة الغناوي والشتاوي) أثرت فيّ من حيث التعبير عن الفكرة بأقل الكلمات، الثقافة الشفهية ميالة إلى الاختصار، ربما تسهيلاً للحفظ، وفي بيئتنا البدوية يقولون (طول السلك يودر لبرة)، أي كثرة الكلام قد تضيع الفكرة. ولهذا ربما قالوا إن الرواية ابنة المدينة.

  • كيف ترى واقع ومستقبل القصة القصيرة في ليبيا وعلى المستوى العربي؟

القصة القصيرة في ليبيا لا تقل شأناً عن القصة القصيرة في أي مكان آخر، وفي السنوات الأخيرة بدأت تأخذ مكانها بعد ظهور وسائل التواصل، ودور الطباعة الليبية الخاصة التي تشارك في المعارض الدولية. وأظن أن إيقاع الزمن المتسارع في صالح القصة القصيرة عموماً، ونحن في حاجة إلى حركة نقدية تواكب القصّاصين الشباب وتعرف بهم أكثر. **

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code