مشعل العبادي
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_أول ما يسترعي الانتباه في ديوان “خزانة الريح” هو الإشارة أعلى الغلاف بتصنيف المتن بـ”نصوص شعرية”، والمجموعة الشعرية تعد السادسة في ترتيب منتج الشاعرة “منى عثمان”، والتي لقبت داخل الأوساط الأدبية بـ”شاعرة النيل”، والديوان الشعري صادر في مقتبل العام الجديد 2026 عن دار النخبة المصرية.
- خصوصية الإهداء:
هناك نصوص أدبية تبلُغ درجة من القيمة الإبداعية؛ فتلفت النظر إلى ظواهر ذات علاقة بمنظومة الأدب التي تشمل كلاً من المبدع والمتلقي والعملية الإبداعية ذاتها، والديوان يتضمن إهداء خاصا للخزانة ذاتها أو رمزيتها في أذهاننا جميعا من بينها خزانة الذكريات والأسرار؛ واختصت في متن إهدائها ص 3:
(إلى من مروا بخزانة الريح ولم يغلقوا الباب. إلى الذين يعون أن الحنين لا يشيخ إلى ما تبقى، حين لم يبقى أحد… إليهم)
أي من لم يغلقوا باب الخزانة، لأنهم على يقين بأنهم سيعودون إليها وفقا للحنين، والوحدة التي حتما سوف تعتصر أيامهم.
يتضمن الديوان 39 نصاً من النصوص المهيبة، والتي نهلت من قاموس العاطفة والمشاعر، ومنحت انطباعا قويا بأن الشاعرة قد خطّطت مسبقا لهذا المعمار بكل فُسيفسائه المرصوصة لبنات متينة، تحكمها علاقات مبنية على رؤية إبداعية قوية، وهذا ما سوف نلمسه بقوة في مجموع الألفاظ المختارة بالقصائد:
(وحدة- الحلم- خيال- تأويل- حدث- هوامش- سؤال -دهليز)
أفعال:(-توهمت- قلت- صمت- تسربت-كتبت- نسيت -سهرت-أشرقت)
هذا غير حرصها الواضح على خلق ترتيب يفسح المجال لوهج المعنى بشكل يتخطى الدال والمدلول في مستوى البنى السطحية للغة، وينفذ إلى أن يحفر في مستويات التكثيف اللغوي، ويتوسل بالمجاز والرمز والاستعارات البلاغية لينقل المغزى، تقول “منى عثمان” في مستهل قصيدتها (أنا المنى) ص 80:
أنا المنى ابنة المجازات المطلقة بعسل الأيام
سليلة الكنايات التي تماثلت والضوء
فوق أقبية السطور.
- عتبة العنوان:
وعودا على بدء، نعود إلى عتبة العنوان، والتي منحها علم السيميولوجيا أهمية كبرى؛ فالعنوان يعده الكثيرون حجر الأساس في مقاربة النص الأدبي، وبوابة لدخول أغوار النص، بل واستنطاقه، والعنوان في “خزانة الريح” يرتبط في تجليه اللغوي بغنج أنثوي باذخ، وقد عمدت الشاعرة أن تورد في الإهداء شرحا للمعنى النصي للعنوان، وهو ما يعني توجيها دلاليا إضافيا لتأويل العنونة، وكأن لسان حال الشاعرة يقول: يجدر عندما تؤول العنوان أن تضع هذه المعاني في ذهنك؛ ما يؤكد بأن اجتيازنا العتبة سيفضي بنا إلى بوابة عالم “منى عثمان” الساحر، والمفعم بروح جامحة متوثبة. -التاريخ الإجتماعي وتفسير النص:
في سياق حوار صحفي أجري مع الشاعرة منى عثمان، وسُئلت عما إذا كان الشاعر يتأثر بما يجري من أحداث في الوطن العربي؟
فأكدت الشاعرة “منى عثمان” الأمر، بل وأضافت أن الكُتَّاب هم الأكثر تأثرا، ومؤخرا اتضح هذا في نوعية النصوص التي امتلأ بها الفضاء الأزرق والحالة النفسية التي سادت.
ثم أضافت: “عن نفسي توقفت فترة طويلة، ثم رغما عني كانت النصوص تحاكي المجريات ومثلي فعل الكثير وللآن مازلنا تحت تأثير مايحدث حتى لو اختلفت نوعية الكتابة من وقت لآخر.”
وهنا ومن خلال غوصي بالديوان أؤكد أن هناك نصوص أدبية تبلغ درجة عالية من القيمة الإبداعية؛ فتلفت النظر إلى ظواهر ذات علاقة بمنظومة الأدب التي تشمل كلاً من المبدع والمتلقي والعملية الإبداعية ذاتها، والأعمالِ الأدبية ذات التواصل الفعال مع المتغيرات التاريخية الاجتماعية، والتي يظهر مبدعها بوصفه قادرا على التقاط متغيرات العصر والتعبير عنها بفاعلية شعرية.
وديوان “خزانة الريح” أحد هذه الدواوين التي تضرب مثالا حيا على علاقة التاريخي الاجتماعي بتفسير النص وتلقيه، وتدعم تفسيرنا هذا للعمل الأدبي مقولة “فولفغانغ ايزر “، إذ أشار في كتابه النقدي “فعل القراءة نظرية في الاستجابة الجمالية”:
“إن دراسة العمل الأدبي يجب أن تعنى بما يترتب على هذا النص من ردود أفعال قدر عنايتِها بالنص نفسِه. فالنص يقدم جوانب مخططة يمكن من خلالها فهم موضوع العمل، في حين أن الفهم الحقيقي يحدث من خلال عملية تحويله إلى شيء تدركه الحواس.”
ولكننا نجد أنه من الصعوبةَ فصلِ تأويل المعنى عن الإحالات والدلالات، والتي لها قدرة إيحائية فوق قدرتها الوظيفية أو المباشرة، مما يجعلنا نضع الديوان في سياقه، بوصفه أحد الأعمال الأدبية ذات التواصل الفعال مع المتغيرات التاريخية الاجتماعية للمرأة والمجتمع، وتغيراته التي تظهر طاقة المبدع على التقاط متغيرات العصر والتعبير عنها بفاعلية شعرية، ونحاول فيما يلي الكشف عن بعض ظواهرها وطبيعة بنائها. - استخدام التعبير الدلالي:
وعبر تحليل القصائد الواردة وتأملها، تظهر أمامنا ظواهر إبداعية تحتاج إلى الكثير من التأمل؛ فعندما تقول “منى عثمان” في مستهل قصيدتها “نسخة لم تكتمل” ص 78:
ليست إمرأة … بل ارتباك الشكل حين ينسى صورته
سطرت بخط مائل … كأن الفكرة فاضت عن الصفحة
ثم علقت بين قوسين … تمشي فتسقط الكلمات من الهواء
وتبدأ الجدران في النسيان… هي لا تخطو
… بل تمحى من الطريق بينما تعبره!
بهذه الكلمات التي تجمع بين الإقرار والخبرية والنفي، والإنشائية في المعنى الإجمالي، يتضح أن شاعرتنا تجيد استخدام التعبير الدلالي عن كمية الألم والمشاعر الفياضة التي ربما لو أردنا أن نعبر عنها نثريا لكتبنا عشرات الأسطر، لكن وكما أسلفنا وعنونا القراءة، وهي (علاقة تفسير النص بالتاريخ الإجتماعي)، وهو الذي نضعه في خلفية سياق التفسير، وهو ما يسمح للسياق اللغوي بزخم من الكلمات والتعبيرات والتشبيهات، بالرغم من أن النص يعد شديد التكثيف، من حيث عدد مفرداته القليلة، مقارنة بالمعنى فضلا عن ندرة إيراد التشبيهات والتعبيرات، وندلل على ماسبق بمقتطف من قصيدة “فندق النساء” والذي عنون بعنوان مضاف: (نص يرتجف) ص 45:
(في قلب المدينة تختبىء لافتة صغيرة …
بالكاد ترى … فندق النساء
لا أحد يعرف من بناه، ولا متى أمتلأ بالحكايات)
رغم ذلك نلحظ استخدام تعابير بسيطة، وسهلة لتعبر عن مدى عمق المعنى، وعما أضمر من صور ذهنية وحالات تردي لوضع النساء وعن مدى ضعف وضعها المجتمعي بل واعتلال المجتمع ذاته بالذكورية كغيره من المجتمعات الشرقية، وبلا نية للتعاطف أو قصدية من الشاعرة .. نجدنا نستشعر تعاطفا وجدانيا مع المرأة في المجتمع العربي، ونستشف ما تعانيه من مشكلات وعقبات. - التلاعب بالدلالة:
ونلاحظ أيضا قدرة شاعرتنا على التلاعب بالدلالة بغرض تحقيق الشاعرية عبر استخدام المعاني بخلاف ما وضعت لها، وهي الثيمة الشعرية الأساسية، وإحدى وسائل تحقيق الانزياح الدلالي المتعارفة -قليلة الاستخدام- حيثُ يقوم الشاعر باستخدام المعاني في غير ما وضعت له، فتحدث بالنص حالة من الشعورية والوجدانية المخالفة، كما تقول الشاعرة في قصيدة “يشرب من جرحي” ص 50:
النور شحيح الليلة …
لكنني أمسكت ظلي وهو يشرب من جرحي…
كان يحاول أن يصير جهة خامسة لا تشير لأحد.. فأفلته
وتركت له كأسي ممتلئة بنوايا لا تقال…
مرت فراشة لم تلمسني .. لكن ذاكرتي أحترقت.
نلاحظ في الدفقة السابقة نزوعاً قوياً للتحرر من معنى الكلمات. عبر وحداتها الجزئية وبنائها الكلي. إلى التحرر من كل قيد يمكنه أن يوقف هذه الحركة التي لا تتوقف، ولا يراد لها أن تنحصر في إطار أو في معنى محدد، إنها حركة مندفعة إلى الأمام، فلا تقر على شكل ولا تكف عن الحركة والتخلق المستمر.
حيث الظلام والنور شحيح (تناقض واضح). تمسك بظلها، والظل لا يظهر إلا بوجود ضوء، ونلحظ المجاز في (يشرب من جرحي)، حاول الظل المفترض وجوده أن يشير إلى جهة خامسة -غير الجهات الأربع- لكنها أفلتته (ومن يستطيع الامساك فعليا بظله؟)، ثم مرت فراشة (إشارة إلى تماثل حالة الضعف) والفراشة لم تمسها لكنها ..أحترقت!. - السلاسة:
يمكن القول أن التلاعب بالمعنى وايصاله لأقصى طاقاته الدلالية هو الثيمة الشعرية البارزة في الديوان هنا، ولكن يجب الإشارة بأن الشاعرة أيضا تحرص على السلاسة، وهي ثيمة افتقدناها عند كثيرين من شعراء قصيدة النثر، فالبعض ينجرف للصعوبة في المعنى، ولاختيار ألفاظ تحتاج في فهم صورتها الكلية إلى قدرة ذهنية كبيرة ومعقدة، بينما الشاعرة هنا، بموهبتها الواضحة، تكوّن صورا رائعة بكلمات بسيطة الفهم وقريبة المعنى للمتلقي، وهو ما يجعل حالة الإيقاع المعنوي المتولدة من النص أثيرة وقريبة للنفس، كأن قيثارة أو نايا يعزف في خلفية النص دون أن نستطيع الإمساك بوضوح بهذا اللحن المعزوف، فلنتأمل الرقة في الوصف وجمالية الصورة، إذ تقول في قصيدة “نسى أن يعود” ص52:
أطل من ثقب في الجدار … بين الصمت والذكرى كأنني خيط وهم
فصل على مقاس الريح… لا تاريخ لي ولا ملامح تثبت حضوري
أنا ظل الخطوة قبل أن تلامس الأرض… طيف امرأة مشت في الذاكرة ..
ثم نامت في الحنين.
تصوير الشاعرة أنها مجرد خيط وهمي (بين اللوذ بالصمت وحرقة الذكرى) ينفذ من ثقب باب، وكأن لا أسبقية وجود لها، ولا ملامح أو هيئة خاصة، هي اللاشيء، وإمعانا في تصغير التصغير أو نفي المنفي من الوجود أساسا؛ اختارت أن تكون ظلا عدميا لا يذكر ولا يرى، أختارت أن تكون ظل لخطوة (مجهولة) ارتفعت قليلا بغية ملامسة الأرض!.
هنا اعتمدت “منى عثمان” استراتيجية بناء معان عديدة ملتبسة في الوقتِ ذاته، هل هذا يشير إلى شدة القرب وشدة التعلق وشدة الهيام بالحبيب (أيا كان كنه الحبيب وطن. أم. سلام. رجل)، أم تشير إلى انتمائها للسراب وعدم وجودها من الأساس؟ لكننا هنا في ديوان “خزانة الريح” نجد أن النص يتيح احتمالية توليد كل هذه المعاني. - الشعرية:
وهي الثيمة العامة لقصائد لديوان، والشعرية ليست تاريخ الشعر ولا تاريخ الشعراء، وليست فن الشعر لأن فن الشعر يقبل القسمة على أجناس وأغراض، والشعرية ليست الشعر ولا نظرية الشعر في ذاتها هي ما يجعل الشعر شعرا، وما يسبغ على حيز الشعر صفة الشعر، وخير استدلال على قوة حضور الشعرية هي قصيدة “مرت من الحلم الخطأ” من بين قصائد الديوان ص63 إذ تقول في مستهل القصيدة:
أنا الإحتمال المهمل في ذاكرة كاتب نسي النوم..
خرجت من جملة اعتراضية لم تغلق قوسها..
وسرت في هواء الحلم كما يسير خيط من دخان..
لا يعرف من أي نار أتى… الليل لا يعرفني ..
لكنني أترك تحت وسادته نسخا مزيفة من صمتي.
في هذا النص العميق نلمس شعرية قوية، تضفي عليه تدفقا عاطفيا يسهم في ثراء الإبداع الشعري الصادر عن ذات شاعرة متمرسة، وعاشت في أجواء شعرية واستعداد طبيعي لقول الشعر، ويمكننا القول بأريحية أننا أمام حالة من حالات الوحدة الموضوعية للديوان، بحيث تكتسب كل قصيدة معاني إضافية عند ربطها بالقصائد الأخرى، وصولا للقصيدة الأخيرة، فنكون أمام حالة من حالات الشجن المستمر، ما بين خذلان الحب، والشعور المتأجج بالوحدة، ومرارة العيشة ككائن غير مرئي في مجتمع يتعامى أساسا أن يراها.
ختاماً ..
أثق بأننا إزاء قراءة جديدة لشاعرة أديبة متميزة وهي من الأصوات الشعرية التي تتمتع بمكانة بارزة في مصر والعالم العربي، وتمتاز قصائدها بتنوع وثراء جمالي، يشوبه نوع من الغموض الفني المقصود، الهادف إلى فتح باب التأويل أمام القارئ للمشاركة في عملية تشكيل النص، وبناء معماره، كما أن لغتها تتميز بالتكثيف والايجاز، وبعيدة عن المباشرة، وغنية ايضا بالرمز؛ سعيا منها لتوسيع المعنى وتعميق اللفظ بأسلوب بلاغي قوي.
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_
