الخميس. فبراير 5th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 8 Second

زينب محمد بخيت محمود-قاصة من السودان

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_نسكن والأشباح في مدينة لم تعد الساعة هي التي تحدد الوقت بل صوت الرصاص ودوي القنابل إن حدث ونال القميض من أجفاننا نستيقظ مفزوعين لنجد أنّ النوافذ الّتي كانت تشرع قلوبنا للريح أصبحت ثغورًا للموت، في مكان ما يقبع القنّاص الذي سلبنا حتى الحق في الصراخ، كان يقتات على المنشطات ليظل مستيقظًا يراقب حركتنا كأننا فرائس في غابة مهجورة يتربص بمن يجرؤ على استنشاق الهواء بعيدًا عن جدران الخوف.
​كان أبي برغم كل ذلك يحمل طمأنينة لا تشبه هذا العالم يحيطنا بجناحين كبيرين يقول دائمًا “الحمد لله نحن في نعمة” لم تكن مجرد كلمات بل كانت درعًا يحمينا به من اليأس حتى جاء ذلك الفجر، الفجر الذي انكسر فيه الضوء للأبد،​ خرج ليؤدي فريضة الصبح، يظنّ أن السكينة التي يحملها في صدره ستحميه من رصاص الغدر لكن القنّاص لم يكن يعرف الصلاة هو يعرف فقط كيف يضغط على الزناد سقط أبي وبقي هناك ثلاث ليالٍ كاملة، جثمانه الطاهر يعانق التراب على مرأى من أعيننا، يفصلنا عنه أمتار، ويمنعنا عنه قنّاص لا يعرف الرحمة ولا يفهم فقد الأب، لم يكن هناك تشييع ولا أكتاف غريبة تحمل النعش حفرنا له في قلب بيتنا الواسع حيث غرس الحب والخير فينا غسلناه بدموعنا ودفناه ثم جلسنا نرتل القرآن محاولين الصبر وحتى لا يشعر بالوحشة ولا يقتات من أفئدتنا الحزن، وأصبح الفناء هو أوسع ما تبقّى لنا من الوطن فيه قبر أبي وحبيب أمي، أمي التي قالت بصبر ” ما تزحوا من راسوا خليكم قريبين أبوكم بخاف الوحشة” ولم تفارقه من لحظتها حتى لحقت به وأصبحنا يتاما لا يزورنا أحد ولا يشفق علينا قاتل والدينا ولا شيء لنا هنا إلا الموت، والوقت عندنا يقاس بعدد الطلقات التي تخترق جدار الصمت، أبي لم يمت حين أصابته الرصاصة مات حين لم نجد من يصلّي عليه، حين غابت الجموع التي أحبها وبقي الله وحده شاهدًا على خروجه لصلاة الفجر وأمي لم تقتلها رصاصة بل فتك الوجع بفؤادها مريضة سكري ولم نجد لها الدواء في الليل كنت أسمع خطواتهم خفيفة في الفناء ربما خيالًا كنت أقنع نفسي أن أبي يطمئن علينا وأنّ أمي تدعوا لكن بعض الأحيان أكاد أن أقسم بأنّي أسمع صوتها يلهج بالدعاء أظنّ أنّ الموتى هنا لا ينامون يحرسون من تبقى آملين في رحمة الله مكثرين من الدعاء.
جارنا حاج الطيب صديق أبي الوحيد رجل وقور معروف بصلاحه له سبع فتيات نشهد لهن بالأخلاق يتفاوتن في الجمال والمستوى التعليمي أرسل اثنتين إلى الخارج وأصبح يحافظ على الباقيات بالكثير من الحرص والخوف حتى ذاك اليوم المشؤوم حين اقتحم “الجنجا” الملاعين بيته بعد أن دلّ عليه أحد المنافقين قائلًا لهم بأنه ينتمي إلى الحزب المخلوع وحاج الطيب لا يعرف في السياسة إلا اسم الرئيس المخلوع وكل ماله بعرق جبينه واجتهاده الشخصي لم يعطيه أحد قرشًا واحدًا إلا أنّ الملاقيط لن يفهموا مطلقًا مثل هذا الكلام لا يعرفون الحلال أصلًا.
تناوبوا كما الوحوش أيام وليالي على زوجته الصالحة وبناته نهشوا أجسادهُنّ البريئة دون أدنى رحمة كما الوحوش لم يستطيع عقل حاج الطيب استيعاب عجزه وحجم الفاجعة فجنّ المسكين وأصبح يحدق في الفراغ لم يعد ينادي بناته بأسمائهُنّ صار يتهجى أسماءهُنّ في صمتٍ كمن يراجع دعاء نسى آخره وإن نادي إحداهُنّ قال بوجع “يااااااااااا الله”.
يزور أبي كل يوم يتحدث إليه بصوت لا نسمع منه سوى الهمس وحين تنتهي زيارته ينظر لنا نظرة رجل نجى جسده وبقى عقله تحت الأنقاض ثم يقول “الأحياء هم من يحتاجون للعزاء الله اختار لهُنّ الرحمة وترك لنا الجنون”.
منذ ذلك اليوم أدركنا أن النجاة خدعة و من لم يمت برصاصة مات ببطء في عقله أو صمته أو ربما مات في ذاكرته التي ترفض النسيان، هنا مدينتنا لا يحصى القتلى لكني حصى الناجون لأنهم أقل وأثقل حملًا، الموت نهاية واضحة أمّا البقاء فحكم مؤبد بمشاهدة الخراب دون حق الاعتراض.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code