صفوحصادق شاعر فلسطيني
ليس من طفلٍ
بل من الفكرة التي تمشي على قدمين
من كفٍّ صغيرة
تعلّمت كيف تمسك الضوء
بعد أن صادرت السماء
من عينٍ
ترى الدبابة
ولا تصدّق أنها أكبر من الحلم
الطفل
لا يحمل حجرًا
الحجر يحمله
لئلا ينسى الأرض شكل يدها
يكتب على الجدار
لأن الورق قُتل أولًا
يكتب
شجرةً
كي يتذكّر الهواء اسمه
ويكتب حجرًا
كي لا يفرّ الجدار
من ذاكرته
ويكتب سطرًا مكسورًا
يسمّيه شعرًا
لأن اللغة
آخر ما لم يُقصف
الدبابةُ غبيةٌ
ترى رأسًا
ولا ترى تاريخًا
تسمع صوتًا
ولا تسمع قرنًا كاملًا
من الصبر المتراكم في الصدر
هذا الطفل
لا يواجه آلة الحرب
بل يربكها
لأنها تعرف كيف تقتل
ولا تعرف
كيف تتعامل مع من
يعيش رغم ذلك
فلسفة البقاء
أن تستيقظ
حين لا سبب للاستيقاظ
أن تحب
حين يصبح الحب تهمة
أن تكتب
حين يكون الصمت
أكثر أمانًا
فلسفة البقاء
أن تقول للعالم:
أنا هنا
لا لأنني نجوت
بل لأنني
رفضت أن أختفي
يستيقظ الطفل
ليس لأن الصباح جاء
بل لأن الجدار لم يسقط بعد
يمدّ قدمه بحذر
كأن الأرض قد تنفجر من فكرة
يبحث عن حذائه
فيجده
ممتلئًا بالغبار
هذا يكفي
ليعرف أن البيت ما زال هنا
جزئيًا
أمّه تقول:
كُلْ
وهي تعرف أن الخبز
ليس وجبة
بل حُجّة للاستمرار
الطفل لا يسأل عن المدرسة
المدرسة صارت مسافة
بين غارتين
وكتابًا
ينقصه نصف الصفحات
والأحلام
في الطريق
يمرّ بجدار
لم يعد جدارًا
بل سجلّ حضور
يكتب عليه:
شجرة
لأن لا شجرة هنا
ويكتب حجر
لأن الحجر هو الشيء الوحيد
الذي لم يرحل
ويخطّ سطرًا أعوج
لا يعرف إن كان شعرًا
أم اسم صديق
لم يعد يخرج للعب
الطائرات تقصف
تمرّ
تعدّ الأجساد
ولا تنتبه
أن الطفل
يعدّ الأيام
بطريقته
غارة = غياب
هدنة = نفس
صمت طويل = وداع
عندما تمرّ الطائرة
لا يصرخ
الصراخ ترف
ينظر فقط
ويشدّ على يد أخته
كأن اليد
هي آخر خريطة للنجاة
في الليل
لا ينام
ينام عنه الخوف قليلًا
فيحلم
ليس بمستقبل
بل بيومٍ عادي
يعود فيه متّسخًا
من اللعب
لا من الركام
هذا هو الطفل
في مواجهة آلة الحرب
لا يقف أمامها
ولا يهزمها
هو فقط
يعيش
وذلك
أكثر ما يربكها
هذه
ليست بطولة
هذه
فلسفة البقاء
أن تعيش
حين يصبح العيش
فعل مقاومة
صامت
ويومي
وعنيد.
وفي آخر اليوم
حين تهدأ السماء
لا لأن الطائرات رحلت
بل لأنها تعبت قليلًا
يجلس الطفل
على حجرٍ نجا
ويفكّر
ليس في الانتقام
بل في أين سيضع الباب
حين يُعاد بناء البيت
يجمع ما تبقّى
مسمارًا
قطعة خشب
دفترًا محترق الحواف
كل شيء يصلح
لبداية ما
يسأل أباه:
هل نزرع هنا؟
فيشير إلى الأرض
كأنها لم تخنه يومًا
الأمل
ليس كلمة
الأمل
أن يتّسع الغد
لغرفة إضافية
وشباك
لا يخاف الضوء
الأمل
أن تعود المدرسة
ببابٍ حقيقي
وأن يعود الاسم
كاملًا
دون رقمٍ أو قائمة
هذا الطفل
لا يحلم بوطنٍ كامل
يحلم بوطنٍ
يبدأ
بشارعٍ آمن
وصوتٍ لا يركض
حين يسمع السماء
وهكذا
يُبنى الوطن
ليس بخطاب
ولا بصورة
بل بطفلٍ
يقرّر
أن يكبر هنا
هذا هو الأمل
أن نبقى
لنصنع
مكانًا
يستحق أن يُسمّى
وطنًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
