حسن محمد عبداللطيف – ودان -ليبيا
ملاحظة: الصورة المرفقة حصرية وخاصة بالمقال تم التقاطها بعلمه.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_فى حى الجماعات الهادئ بمدينة هون، حيث تفوح من الجدران رائحة التاريخ والأصالة، حظينا بزيارة خاصة وذلك للاطمئنان على صحته الغالية بعد وعكة صحية ألمّت به مؤخراً، ونقل على إثرها لتلقي العلاج خارج المنطقة، ليعود إلينا سالماً معافى بحمد الله ورعايته، وبانفراد مميز للجلوس فى حضرة التاريخ الحى.
على سريره الطبي الخفيف وفراشه الهوائي، يرقد جسد أتعبته السنون، لكنه يضم روحاً شابة، وذاكرة متقدة تأبى الشيخوخة. أستقبلنى بفيض من الحفاوة والترحاب، يسأل عن الأهل والجيران والرفاق، فرداً فرداً، معيداً بكلماته الدافئة نبض “الصوان” وأيام الجيرة الجميلة التى لا تنسى فى ودان التى ولد فيها سنة 1948م وحمل فى قلبه منذ الصغر شغف المعرفة والعطاء.
شد الرحال شاباً نحو مدينة سبها، لينهل من العلم فى معهد عبد الرحمن البركولي، ويتوج رحلته بالحصول على إجازة التدريس الخاصة فى تخصص الرياضيات فى 6 أكتوبر 1970م، لتكون هذة الشهادة تذكرة عبوره لرحلة كفاح طويلة فى محراب التربية والتعليم امتدت لعقود.
انطلقت مسيرته المهنية فى ذات العام بمدرسة قراقرة الابتدائية، حيث غرس أولى بذور المعرفة لمدة سنتين، ليتنقل بعدها ناشراً لعلوم الأرقام والهندسة فى مدرسة هون الإعدادية، ثم عائداً إلى مسقط رأسه بمدرسة ودان الإعدادية عام 1974م. ولم يقتصر عطاؤه على الفصول الدراسية، بل امتد ليتولى أمانة الإدارة كعضو فاعل ونائب للمدير بمدرسة أبي الحسن الوداني الإعدادية. واختتم الأستاذ أمبارك رحلته المهنية فى قطاع التفتيش التربوي بمدرسة الحمام ومشروع فرجان الزراعي، موجهاً ومعلماً للأجيال، حتى آثر الترجل في محطة التقاعد الأختياري عام 2005م، تاركاً إرثاً يزخر بالأحترام والتقدير. وخلال محطة مدرسة أبي الحسن الوداني، لم يفت الأستاذ أمبارك أن يخص رفيق دربه آنذاك، الأستاذ/ محمد جلالة محمود، بشهادة وفاء مجروحة نابعة من قلب وعقل خبرا الرجال، فاستذكره بكثير من الإجلال والتقدير كقائد تربوي فذ، وإداري حكيم تعلمت منه الأجيال حسن الإدارة والالتزام. لقد وصفه بأنه كان نموذجاً للمربي الفاضل الذى زاوج بين الحزم الأبوي والجهد المخلص، تاركاً بصمة إدارية وتربوية لا تمحوها السنون. وكم كانت اللحظة مؤثرة وأنا أرى فى عينيه طيف زملاء المهنة ورفاق العمر، وأستمع لحديثه الشيق عنهم. شعرت وكأنني أرى ملامحهم فى ملامحه، وألمس صدق تلك السنين التى جمعتهم على العهد والوفاء. فبين تنهيدة حنين وأخرى، استعاد بحب ذكريات الشباب والكفاح مع الأستاذ عبد الله أحميدة الزوبى، وأحمد خميس مونة، ومحمد زيدان حفاظ، وصبحي حنطوق، وعلى هاشم، والراحلين الذين تركوا غصة فى القلب: على بن الوليد، وصالح على السنوسي. كما استعاد ذكريات العمل الكشفي مع على بشير أبو رأس وأحمد الحاج حسين. لقد كانت رؤية هؤلاء الرجال والحديث عنهم بمثابة استعراض لكتيبة من المخلصين الذين وهبوا حياتهم لخدمة الوطن دون كلل. إلى جانب الطباشير والسبورة، كان الأستاذ أمبارك شعلة من النشاط المجتمعي والشبابي، فقد كان أحد الركائز الأساسية فى فوج كشاف ودان، وجمعية بيوت الشباب، ولعل من المحطات المضيئة فى حياته مشاركته فى المخيم الكشفي العربي الثامن بالجزائر عام 1968م. ولم تكن الرياضة غائبة عن وجدانه، فبعد أن صال وجال كلاعب فى رياضة الملاكمة (الفن النبيل) بنادى الهلال الرياضي سبها عام 1967م، أصبح لاحقاً أحد الأسماء البارزة والمشاركة بإيجابية فى نادي القلعة الرياضي الثقافى الإجتماعى، تاركاً بصمة لا تمحى فى معسكرات البراعم والدورات الشبابية والتطوعية.
إن الأستاذ أمبارك منتصر قارح الجماعي، الذى بارك الله فى عمره ورزقه من الأبناء اثني عشر حفظهم الله، ليس مجرد معلم رياضيات ترجل عن صهوة العطاء، بل هو جزء حي من الهوية التربوية والإجتماعية للجفرة بأسرها. رجل عاد إلينا من رحلته العلاجية خارج المنطقة محفوفاً بدعوات محبيه، ليعود إلى فراشه الطبي بمنزله فى حى الجماعات مكللاً بالصبر، محاطاً بهيبة المعلمين الأجلاء. واليوم حين يجلس المرء فى حضرته، يدرك أن الأرقام التى درسها طوال عقود لم تكن مجرد معادلات جافة، بل كانت هندسة لبناء الإنسان، وبناء للقيم التى تجسدت فى وفائه للأستاذ محمد جلالة ومعلمى أبى الحسن، وحنينه لرفاق جيله المخلصين الذين بنوا وعمروا بصمت. فنسأل الله العلى القدير، رب الناس، أن يمن على أستاذنا الفاضل بالشفاء التام العاجل، وأن يبارك فى عمره، ويجزيه عن كل حرف وعن كل أثر كشفي أو رياضي خير الجزاء، فمثله يظل حياً فى سويداء القلوب، ومنارة تهتدي بها الأجيال الصاعدة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
