نجلاء محمد السيد- مصر
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_ليس كل ما تراه أعيننا مجرد حجارة…
فهناك أماكن إذا نطقت، لأعادت كتابة التاريخ من جديد.
اقترب… وأنصت بقلبك، فما ستقرؤه الآن ليس من نسج الخيال، بل حكاية يرويها المكان بنفسه.
أنا الحصن الذي وقف على حافة البحر…
أحتضن الإسكندرية؛ شواطئها، وموانئها، وأزقتها، وقلوب أهلها.
أنا الشموخ حين تنحني الأبراج، وأنا الثبات حين تتغير الأزمنة.
مرّت أمامي دول، وتعاقب عليّ سلاطين، ورأيت سفنًا جاءت تحمل الخير، وأخرى جاءت تحمل نار الحرب، أما أنا… فبقيت في مكاني، أحرس المدينة التي أحببتها.
كم لامستني أمواج البحر، وكم حملت إليّ الرياح حكايات البحارة والمسافرين، حتى أصبحت شاهدًا على أفراح الإسكندرية وأوجاعها.
يزورني الآلاف كل عام، يلتقطون صورة ويرحلون، لكن قليلين منهم يعلمون أنني أخفي بين أحجاري حكايةً بدأت منذ أكثر من خمسة قرون.
أما اسمي…
فأنا قلعة قايتباي.
وُلدت عام 1477م، حين أمر السلطان المملوكي الأشرف قايتباي ببنائي، بعدما أدرك أن الإسكندرية تحتاج إلى حصنٍ يحميها من الأخطار القادمة عبر البحر المتوسط.
ولم يكن اختياره لهذا المكان مصادفة؛ فقد شُيدت فوق البقعة التي وقفت عليها يومًا منارة الإسكندرية، أعجوبة العالم القديم، والتي أسقطتها الزلازل بعد قرون من إرشاد السفن إلى ميناء المدينة.
وكأن القدر كتب لهذا المكان رسالةً لا تنتهي…
فعندما انطفأ نور المنارة، بدأت أنا أحرس الإسكندرية.
شهدت تعاقب الدول، وتبدل الرايات، وسمعت دوي المدافع، ورأيت السفن القادمة من أقاصي البحار، حتى جاء عام 1882، فاهتزت جدراني تحت القصف البريطاني، وسقطت أجزاء مني، لكن إرادة المدينة كانت أقوى من الدمار، فعادت الحياة تدب في أحجاري، وبقيت واقفًا كما كنت… شاهدًا على التاريخ، وحارسًا لبوابة البحر.
واليوم، ما زلت أقف في مكاني، أراقب شروق الشمس على البحر، وأستقبل زائري بابتسامة الحجر الذي لا يشيخ، وأهمس لكل من يمر بي:
التاريخ لا يموت… ما دام هناك من يرويه.
روت لنا مدينتي اليوم حكايةً من حكاياتها…
لكنها لم تُسدل ستارها بعد، فما زالت تحتفظ بين جدرانها، وعلى شواطئها، وفي وجوه أهلها، بآلاف الحكايات التي لم تُروَ بعد.
فكل حجر فيها نقشٌ من الزمان، وكل معلم شاهدٌ على عصرٍ مضى، وكل طريق يحمل أثر من مرَّ به.
كانت هذه الحكاية الثانية من سلسلة «مدينتي… حكاية لا تنتهي».
لكل زمانٍ أبطاله… ولكل مدينةٍ حكاياتها.
وفي الحكاية الثالثة، سيخرج إلينا بطلٌ جديد، يزيح الستار عن صفحة أخرى من تاريخ الإسكندرية.
وللحديث بقية…
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
