صفوح صادق
مدنٌ تبدّل وجوهها
كلما مرّ عليها الغياب،
وأرصفةٌ تنسى خطى العابرين،
وشبابيكُ تُغلقُ أعينها
كي لا ترى الخراب.
الزمنُ هناك
لا يقيسه عقربُ ساعة،
بل يقيسه قلبٌ ينتظر،
وأمٌّ تؤجلُ دمعتها
إلى أن يعود المساء
بوجهٍ يشبه أبناءها.
الحكاياتُ أضاعت أسماءها،
والأنهارُ شربت ملوحةَ الصبر،
والخبزُ صار يابسًا
إلا حين تتقاسمه الأيدي.
كلُّ شيءٍ تبدّل…
حتى الريحُ
لم تعد تحفظ رائحة البيوت.
إلا الوطن…
ظلّ واقفًا
في آخر القلب،
يرقّعُ خرائطه بالحنين،
ويزرعُ في صدورنا
قمحًا لا تموت سنابلُه،
ويقول لنا كلما أثقلنا الرحيل:
قد تتغيّر المدن،
وتشيخ الأزمنة،
وتضيع الحكايات…
لكن الوطن،
حين يسكنك،
لا يغادر جلدك أبدًا.
إلا الوطن…
كلما حاول المنفى
أن يعلّمنا أسماءً جديدة،
كان الوطن ينادينا بأسمائنا الأولى.
كلما قالوا:
إن الطرق تنتهي،
فتح في أرواحنا دربًا من ضوء،
ومشى أمامنا حافيًا…
كي لا تؤذينا الحجارة.
الوطن ليس خارطةً تعلّق على جدار،
ولا نشيدًا نردده في المواسم.
الوطن…
رغيفُ أمٍّ تقتسمه مع الجوع،
وصوتُ أبٍ يخفي ارتجافه
حتى لا تنكسر قلوب أبنائه،
وضِحكةُ طفلٍ يصنع من الركام
طائرةً من ورق،
ويؤمن أن السماء لا بد أن تعود.
نمضي…
فتسبقنا إليه الأشواق،
ونغيب… فيقيم فينا أكثر.
هو البيت الذي كلما تهدّمت جدرانه،
بناه المحبّون بقلوبهم.
وإذا سألني أحدهم:
أين وطنك؟
لن أشير إلى الجهات…
سأضع يدي على صدري،
وأقول:
هنا… يسكن وطنٌ كلما ظنّوه ينكسر،
ازداد اتساعًا،
وكلما حاولوا اقتلاع جذوره،
أزهرت الأرض باسمه من جديد.
سيأتي يومٌ
نُعيد فيه ترتيبَ الضوء،
ونعلّق على أبواب الصباح
أسماءَ الذين عبروا ولم يغادروا.
سنعرف حينها
أن الأوطان لا تموت،
بل تنام قليلًا
في قلوب أبنائها،
ثم تستيقظ
كلما ناداها عاشقٌ باسمها.
وما بين أول الحنين
وآخر الدعاء،
سيظل الوطن…
القصيدة الوحيدة
التي لا يكتمل معناها
إلا حين نعود.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
