بقلم: وئام أحمد إمام
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في زحام الحياة، لا نحتاج دائمًا إلى كثير من الناس، بقدر ما نحتاج إلى أولئك القلائل الذين يجعلون وجودهم في حياتنا أكثر دفئًا وأيامنا أكثر احتمالًا وقلوبنا أكثر اطمئنانًا.
فالحياة لا تمنحنا دائمًا ما نتمنى، لكنها تمنحنا أحيانًا أشخاصًا يشبهون الهدايا التي تأتي في وقتها تمامًا؛ لا يغيرون العالم من حولنا، لكنهم يجعلوننا قادرين على مواجهته.
نلتقي بالكثيرين، نبادلهم الحديث والضحكات والذكريات، ثم تمضي الأيام فتأخذ كل إنسان إلى طريقه، بعضهم يصبح مجرد اسم في الذاكرة وبعضهم يترك في الروح أثرًا لا يعرف الزمن كيف يمحوه… وحين نتذكرهم، لا نتذكر كلماتهم فقط بل نتذكر شعورًا كاملًا كان يسكننا ونحن بقربهم؛ شعورًا بالأمان وبأن هناك في هذا العالم من يمكن أن نطمئن إليه دون خوف…هؤلاء هم أبناء الأصول.
أناس لا تُقاس قيمتهم بما يملكون، ولا بما يقولونه عن أنفسهم، وإنما بما يتركونه في قلوب الآخرين من طيب الأثر. هم الذين تربوا على أن الإنسان لا يُعرف في لحظات الراحة، وإنما في اللحظات التي تضيق فيها الدنيا وتصبح المواقف أثقل من الكلمات.
الأصل ليس ثوبًا أنيقًا نرتديه، ولا اسمًا عريقًا نحمله ولا مكانة اجتماعية نتباهى بها. الأصل حالة تسكن الروح وتظهر تلقائيًا عندما لا يكون هناك جمهور ولا تصفيق ولا مصلحة تنتظرها.
ربما، واحدة من أرقى صور الإنسانية،
أن تعرف أين يؤلم الآخر ثم تختار ألا تضغط على موضع ألمه…أن تعرف نقاط ضعفه ثم تحميها بدلًا من أن تستغلها…أن تستطيع أن تنتصر عليه بالكلمة، لكنك تختار أن تنتصر على نفسك.
ذلك هو الفرق بين إنسان يعرف الكلام عن الأخلاق وإنسان يعيشها.
أبناء الأصول يعرفون قيمة العِشرة، لا يمحو الخلاف عندهم سنوات المحبة ولا يجعلهم الغضب ينكرون جميلًا قديمًا، ولا تدفعهم نهاية العلاقة إلى تشويه بدايتها.
فحتى حين تتغير القلوب، تبقى الذكريات لها حرمتها، وتبقى الأيام التي جمعتنا بالآخرين جزءًا من تاريخنا لا يليق بنا أن نمزقه كلما اختلفنا.
ولعل الوفاء الحقيقي لا يظهر في المواقف الكبيرة وحدها بل في التفاصيل التي لا يصفق لها أحد…في رسالة نرسلها لشخص نعرف أنه يمر بيوم صعب…في سؤال صادق عن غائب لم يعد يسأل عنه أحد.
في دعوة نتذكر بها شخصًا لم يعد جزءًا من دوائرنا…في فرحة صافية بنجاح إنسان كان يمكن أن نشعر تجاهه بالغيرة.
في أن نحفظ لإنسان مكانته في غيابه كما نحفظها في حضوره…وفي أن نقول كلمة طيبة عن شخص لن يعرف أبدًا أننا قلناها.
تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف اتساع القلب، فليس الكريم من يعطيك حين يكون العطاء سهلًا، وإنما الكريم من يعطيك حين يكون في إمكانه أن يختار نفسه فقط.
وليس وفيًّا من يبقى إلى جوارك حين تكون قويًا، وإنما الوفي من يجلس بجوار ضعفك دون أن يجعلك تشعر أنك عبء.
هناك أشخاص لا يملكون حلًا لمشكلتك، لكن مجرد وجودهم بجوارك يمنحك شيئًا من القوة.
لا يملكون أن يزيلوا حزنك، لكنهم يجعلونك تشعر أنك لست مضطرًا إلى حمله وحدك،
لا يملكون تغيير الماضي، لكنهم يستطيعون أن يمنحوك أمانًا كافيًا لتؤمن بأن الغد قد يكون أجمل.
وهؤلاء لا يُنسون أبدًا….
ففي رحلة العمر، قد ننسى كثيرًا مما قيل لنا، لكننا نادرًا ما ننسى كيف جعلنا أحدهم نشعر
قد تنسى الكلمات، لكنك تتذكر اليد التي امتدت إليك عندما سقطت.
قد تنسى تفاصيل موقف قديم، لكنك تتذكر من بقي عندما غادر الآخرون.
وقد تنسى تاريخ اللقاء، لكنك لا تنسى إنسانًا منحك شعورًا نادرًا بأنك لست وحدك.
وهنا تكمن قيمة أبناء الأصول…
إنهم لا يجعلون الحياة خالية من الألم، لكنهم يجعلون الألم أقل قسوة، ولا يمنعون عنا الخذلان، لكنهم يثبتون لنا أن العالم لم يخلُ بعد من القلوب النبيلة.
ولعل من أكثر الأشياء إيلامًا أن يكتشف الإنسان بعد سنوات، أن بعض العلاقات التي ظنها محبة لم تكن سوى احتياج، وأن بعض الأشخاص لم يحبوا حقيقته وإنما أحبوا الدور الذي كان يؤديه في حياتهم.
وحين تتوقف عن العطاء تتغير المسافة،
وحين تحتاج إليهم تختفي الأعذار الجميلة.
وحين تتعثر، تكتشف أن بعض من كانوا يملأون المكان حولك لم يكونوا يومًا سندًا حقيقيًا.
لكن هذه الخيبات على قسوتها، تمنحنا درسًا مهمًا: أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من حوله، وإنما بصدق من يبقون حين لا يكون لبقائهم مصلحة.
يكفي أن يمنحك الله في رحلة العمر إنسانًا واحدًا من أبناء الأصول، لتشعر أن الحياة ما زالت تحتفظ ببعض جمالها.
إنسانًا تستطيع أن تضع أمامه قلبك دون أن تخشى أن يستخدم ضعفه ضدك.
إنسانًا لا تحتاج معه إلى شرح نفسك في كل مرة.
إنسانًا يراك في أسوأ أيامك ولا يختصر تاريخك كله في لحظة عابرة.
إنسانًا إذا اختلف معك لم تتغير أخلاقه.
وإذا ابتعد، لم يتحول إلى خصم.
وإذا انتهت الحكاية، حمل منها الجميل وترك ما يؤلمها خلفه.
ذلك النوع من البشر لا يحتاج إلى كثير من الكلام؛ لأن أفعاله تسبقه، ومواقفه تتحدث عنه.
ولكن رغم كل ذلك، سيظل هناك من يؤمن أن الإنسانية ليست موقفًا مؤقتًا، وأن الوفاء ليس رفاهية، وأن الأخلاق لا تتغير بتغير الظروف.
ومهما حاولنا أن نُحسن اختيار الأشخاص في بدايات العلاقات، فإن الزمن وحده يملك الإجابة الأخيرة.
الزمن يخبرنا من أحبنا حقًا، ومن أحب ما نقدمه ومن كان مجرد عابر في الطريق، ومن كان رفيقًا حقيقيًا ترك لنا من روحه شيئًا جميلًا.
وفي النهاية، لن يأخذ الإنسان معه شيئًا من هذه الدنيا سوى أثره.
لهذا، كن من أبناء الأصول.
كن ذلك الشخص الذي إذا ضاقت الدنيا على أحد، وجد فيك مأمنًا.
كن إنسانًا لا يخاف الآخرون من أن يحبوه؛ أن يشعر من يعرفك أنه يستطيع أن يكون على حقيقته دون خوف، وأن يخطئ دون أن يفقد قيمته، وأن يختلف دون أن يخسر احترامه.
وفي عالم يزداد صخبًا وتقل فيه المساحات الآمنة للقلوب يصبح الإنسان الأصيل وطنًا صغيرًا، نعود إليه حين نتعب ونطمئن إليه حين نخاف.
وهكذا يبقى أبناء الأصول…
يمضون في الحياة بهدوء، وربما لا يعرفون كم تركوا من أثر، لكنهم حين يُذكرون، تبتسم القلوب قبل الشفاه.
لأن بعض البشر لا يكونون مجرد أشخاص مررنا بهم…
بل يكونون فصلًا جميلًا من العمر، وذكرى دافئة، ودليلًا حيًا على أن الخير، مهما بدا نادرًا، لا يزال يسكن بيننا.
وتلك هي الأصول الحقيقية…
أن تظل إنسانًا، حتى حين تمنحك الحياة ألف سبب لأن تتغير.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
