بقلم: د. ضياء الجنابي
كاتب عراقي مقيم في بلجيكا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تملكتني دهشة غريبة وأنا أشاهد الكنوز الفنية النادرة واللوحات التشكيلية الباهرة لرواد الفن التشكيلي في العراق يوم كنت في المرحلة الثانوية ضمن سفرة علمية طلابية إلى المتحف الوطني للفن الحديث (قاعة كولبنكيان) كما يسميها البغداديون، الكائنة قرب ساحة الطيران وسط بغداد، وكانت تلك هي زيارتي الأولى لهذا المتحف، وقد أذهلتني حينها إحدى اللوحات التشكيلية التي استخدم مبدعها تقنية فنية مثيرة للانتباه، لم أكن أعرفها آنذاك ولا حتى سمعت بها، ما جعلني أعيش الصدمة أمامها، وأكثر ما شد بصري وجود أشياء غريبة فيها مثل فراشة محنطة، قطعة فلزية، قطع قماش قطيفة، أوراق لنباتات نادرة وأشياء مختلفة ملصقة بطريقة عبقرية على كنفاس اللوحة في تناسق مذهل وعجيب مع الألوان المشبعة وتفاصيل اللوحة الأخرى، وكل من هذه الأشياء كان يؤدي دوراً بصريا لافتاً، وعمقاً رؤيوياً راسخاً، ما جعلني متسمراً أمامها ذهولاً وإجلالاً، تلك الصدمة كانت دافعاً للتعرف على هذا الفن الحداثوي الموسوم بـ (فن الكولاج).
الكولاج تقنية عالية وتكتيك فني أساسه مؤالفة ومراصفة قطع ومواد وأشكال مختلفة في نسق تشكيلي لبلورة عمل فني حداثي تجديدي، يعطي مساحة واسعة من الحرية والابتكار، وهو أحد الوسائط التعبيرية الخلاقة، يساهم في توفير جهد الفنان من خلال عملية القص واللصق ليكون جاهزاَ ومتأهباً لمعالجة القطع المتباينة وموائمتها وجعلها تتوافق مع وحدة العمل الفني من خلال ربطها مع الخطوط والألوان والمفردات الأخرى لتصبح نسيجاً واحداً في اللوحة يساعد على اكتمال تكوين الشكل النهائي، وهذا الفن يلقي على نفسية المتلقي ظلالاً من الدهشة، ويمنحه انطباعاً جميلاً ومؤثراً، فالكولاج إذن، عمل توليفي يعتمد على قص ولصق مواد وخامات مختلفة مثل الصور الفوتوغرافية، الطوابع، الأشرطة والخيوط، بعض الحشرات المحنطة، أصداف البحر، الرمال، القش، أجزاء من أغصان وجذوع الأشجار، قشور المكسرات، قصاصات المجلات والجرائد، الأقمشة، حصى ومتحجرات بحرية، أجزاء من الأوراق الملونة المصنوعة يدوياً، قطع معدنية خفيفة، أحجار كريمة، أنواع مختلفة من الأعمال الفنية، أحجار ملونة وما إلى ذلك، ويتم التعامل مع هذه المواد برؤية فنية ومهارة تقنية عالية لجعل اللوحة التشكيلية ذات تأثير جمالي صادم ومبتكر.
تسمية هذا الفن تعود جذورها إلى اللغة الفرنسية من الفعل Coller الذي يعني عملية اللصق، وقد اتفق على تلك التسمية كل من الفنان الفرنسي جورج براك والفنان الاسباني الشهير بابلو بيكاسو مطلع القرن العشرين عندما كانا ينتميان للحركة السريالية، وكان الهدف من اعتماد الكولاج هو التخلص من رتابة السطوح المستوية في التشكيل وتجسيد البعد الثالث، واستمر الاهتمام به إلى أن أصبح جزءًا أساسياً مهماً من إبداعات الفن الحديث، وأول من استخدمه في العصر الراهن هو بيكاسو عام 1912 حين قام بإدخال خامات طبيعية إلى لوحاته الزيتية، وكان بيكاسو قد أحدث صدمة في الوسط الفني باستخدامه الكولاج في المرحلة التكعيبية، كما يؤكد الدكتور محسن عطية في كتابه (التفسير الدلالي للفن)، الصدمة تلك ناجمة عن الانتقال المفاجئ من المعنى الشائع إلى المعنى الآخر المتزامن معه، حيث ينتقل المشاهد بين عوام متعددة عبر وسيط حسي يقوم بتحويل المشهد التشكيلي من مستوى إلى مستوى آخر.
لم يتوقف العمل بفن الكولاج عند تلك المرحلة، ففي ستينات القرن المنصرم عُرفت الفنانة الأمريكية “جين فرانك” بفنانة النسيج، برغم كونها فنانة متعددة المواهب، لأنها اعتمدت تقنية تقطيع رقع من النسيج الملون ولصقها على قطعة القماش الأساسية، واستمر بعدها الاهتمام بتقنية (قصاصات القماش) وخصوصاً على يد الفنان البريطاني “جون ووكر” الذي برع بها في لوحاته أواخر عقد السبعينات، أما الفنانة الأمريكية “لي كراسنر” فكانت ذات رؤية أخرى في هذا الفن حيث كانت تقوم بتقطيع لوحاتها إلى أجزاء وتقوم بجمعها بشكل مغاير لتصنع منها لوحة جديدة، وتعتبر “كراسنر” فنانة انتقالية رئيسية في التجريد، كونها ربطت الإرهاصات الأولى لرواد هذه المدرسة في أوائل القرن العشرين بالأفكار الجديدة لأمريكا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فن الكولاج يعتمد على سعة خيال الفنان وقدراته التصويرية المجنحة، وهو نزوع تجديدي تطويري جاد ساعد في بلورة منطلقات المدرسة التجريدية، وشغل اهتمام الأوساط الفنية مطلع القرن الماضي لدرجة اعتبره البعض أنموذج الفن الحديث في القرن العشرين، رغم أن جذوره موغلة في القدم وتمتد إلى آماد بعيدة، وقرون عديدة، إذ تشير الدراسات إلى أن نشأته تعود إلى الحضارة الصينية في القرن الثاني قبل الميلاد، وقد تزامن مع اختراع الصينيين للورق وتصنيعهم له، لكن هذه التقنية لم تنتشر وظل استخدامها محصوراً داخل سور الصين العظيم حتى القرن العاشر الميلادي عندما بدأ الشعراء اليابانيون بخط نتاجاتهم الشعرية على مجموعة من القصاصات الورقية ولصقها، وفي العصر الوسيط شاع فن الكولاج وطرق استخدامه في أوروبا إبان القرن الثالث عشر عندما طفقت الكاتدرائيات بترصيع اللوحات التشكيلية ذات المضمون الديني بالأحجار الكريمة وبعض المعادن الثمينة مع أوراق الأشجار المذهبة لتضفي عليها هالة من القدسية، واستمر الأمر على هذا المنوال المحدود حتى القرن التاسع عشر للميلاد حين خرج هذا الفن من شراك الكنيسة وشاع بين أوساط الحرفيين وهواة الأعمال اليدوية كعمل وتشكيل المعايدات التذكارية وتزيين ألبومات الصور وتجليد الكتب، فيما ازدهر بتنامي موجة فنية جديدة مطلع القرن العشرين تم الاصطلاح عليها بالحداثة، وقد حظي باهتمام الفنانين السرياليين الذين استخدموا تقنيات هذا الفن بشكل واسع وكانوا يقطعون الصور إلى قصاصات أو مربعات ويجمعوها بطريقة عشوائية.
إن قوة تأثير هذا الفن على المتلقي ناجمة عن تراصف الأشياء المختلفة التكوين والتي تنتمي إلى أجناس متباينة على سطح العمل الفني، فينتقل بذلك العمل من الواقع إلى واقع آخر أشد قوة، وهو ما يصطلح عليه بـ (ما فوق الواقع) أي أن الفنان لم يعتمد منطق التغيرات التدريجية ذات الإيقاع الهادئ أو البناء التراكمي والسياق التاريخي المعرفي، بل اتبع المنطق الصادم والاختلاف الجذري مع أفكار الحداثة التراتبية لبلورة مفاهيم ما بعد الحداثة المرتبطة بفلسفة التفكيك والتقويض كما يرى بعض الباحثين في هذا المضمار، هذه الفلسفة تسعى إلى هدم المقولات المركزية الكبرى السائدة والمهيمنة على حركة الثقافة الأوروبية والغربية بشكل عام منذ الحضارة الإغريقية إلى عالم اليوم، لذلك لجأ الفنانون إلى منطق الكارثة في التعامل مع الانتقالات الشكلية أو ما يشابه فعل الزلزال الذي يضرب بقوة هائلة وغير متوقعة ويحدث تغييرات غير معروفة مسبقاً، وكما أن الزلزال يحث صدعاً في سطح الأرض فهذه الرؤى تحدث صدعاً في سطح العمل الفني. ولابد من الإشارة إلى أن الكولاج لم يقتصر على الفن التشكيلي وحسب، بل تسرب إلى فنون كثيرة في مقدمتها الكتابة، وسوف نبسط الحديث عن ذلك في مقالات قادمة إن شاء الله.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
