شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تواصل حكومة اتحاد والونيا-بروكسل المضي قدماً في تنفيذ برنامجها التقشفي المثير للجدل، بعدما صادقت لجنة الميزانية في البرلمان على مشروع décret-programme الذي يتضمن حزمة واسعة من الإجراءات المالية الهادفة إلى خفض العجز العام خلال السنوات المقبلة. ورغم هذا التصويت الإيجابي، فإن المشروع لم يحصل بعد على الموافقة النهائية من الجلسة العامة للبرلمان، ما يفتح الباب أمام جولات جديدة من النقاش السياسي والاعتراضات البرلمانية.
ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الساحة التعليمية حالة من التوتر المتزايد، وسط احتجاجات واسعة من المعلمين والعاملين في قطاع التعليم الذين يعتبرون أن الإجراءات المقترحة ستؤثر بشكل مباشر على ظروف العمل وجودة التعليم ومستقبل الطلاب.
مواجهة حادة داخل البرلمان
شهدت لجنة الميزانية ساعات طويلة من النقاشات الحادة بين أحزاب الأغلبية والمعارضة قبل الوصول إلى التصويت النهائي على مشروع المرسوم. وحاولت أحزاب المعارضة، بما فيها الحزب الاشتراكي وحزب العمال البلجيكي وحزب الخضر وأطراف أخرى، إحالة تعديلات جديدة إلى مجلس الدولة للحصول على رأي قانوني إضافي، وهو ما كان سيؤدي إلى تأجيل عملية التصويت للمرة الثالثة.
إلا أن أحزاب الأغلبية رفضت هذا المسار بشدة، معتبرة أن الهدف منه هو تعطيل العملية التشريعية وإطالة أمد النقاشات. في المقابل، أكدت المعارضة أن من حقها استخدام جميع الوسائل البرلمانية المتاحة للتدقيق في مشروع قانون ستكون له انعكاسات واسعة على المجتمع وقطاع التعليم بشكل خاص.
وبعد أكثر من ست ساعات من المداولات المتواصلة، تمت المصادقة على المرسوم داخل اللجنة، فيما تم رفض جميع التعديلات التي تقدمت بها المعارضة كما كان متوقعاً.
الطريق ما زال طويلاً أمام الإقرار النهائي
رغم موافقة لجنة الميزانية، فإن مشروع المرسوم لم يصل بعد إلى المرحلة النهائية من المصادقة. فقد رفضت بعض الكتل البرلمانية منح الثقة لمقرر المشروع، الأمر الذي استدعى عقد اجتماعات إضافية للتحقق من اتساق التقرير البرلماني واعتماده بشكل رسمي.
ومن المنتظر أن تعقد لجنة الميزانية اجتماعاً جديداً خلال الأيام المقبلة قبل إحالة النص إلى الجلسة العامة للبرلمان. كما تملك المعارضة فرصة جديدة لتقديم تعديلات إضافية أو طلب آراء قانونية جديدة من مجلس الدولة، وهو ما قد يؤدي إلى مزيد من التأخير في مسار المصادقة.
احتجاجات واسعة من قطاع التعليم
خارج أسوار البرلمان، تزايدت مظاهر الغضب داخل الأوساط التعليمية. فقد توجه مئات المعلمين والعاملين في المدارس إلى مقر البرلمان في بروكسل للتعبير عن رفضهم للإجراءات المقترحة.
وبسبب الأعداد الكبيرة للمحتجين، لم يتمكن الجميع من دخول مبنى البرلمان لمتابعة النقاشات. كما حظيت جلسة اللجنة البرلمانية بمتابعة غير مسبوقة عبر الإنترنت، حيث تابعها آلاف الأشخاص بشكل مباشر، في مؤشر واضح على حجم الاهتمام الشعبي بالقضية.
وتعتبر النقابات التعليمية أن الإجراءات الجديدة تمثل ضغوطاً إضافية على العاملين في القطاع، في وقت تواجه فيه المدارس بالفعل تحديات تتعلق بنقص الكوادر التعليمية وارتفاع أعداد التلاميذ والحاجة إلى تحسين جودة التعليم.
ما هي أبرز إجراءات التقشف المقترحة؟
تسعى حكومة اتحاد والونيا-بروكسل إلى خفض العجز المالي المزمن الذي يقدر بنحو 500 مليون يورو بحلول عام 2029، ولهذا وضعت خطة تقشفية تشمل عدة قطاعات، يأتي التعليم في مقدمتها.
ومن أبرز الإجراءات المطروحة:
- زيادة أعباء التدريس على معلمي المرحلة الثانوية العليا بنسبة 10% دون زيادة موازية في الأجور.
- تشديد شروط الاستفادة من نظام الإجازات المرضية للمعلمين الدائمين.
- إجراء تعديلات على بعض الامتيازات المرتبطة بالتقاعد.
- رفع الرسوم الدراسية من 835 يورو إلى 1194 يورو لنسبة كبيرة من الطلاب خلال العام الدراسي المقبل.
- تقليص الموارد المالية المخصصة لتوفير اللوازم المدرسية والوجبات المجانية في المدارس.
وتؤكد الحكومة أن هذه التدابير ضرورية لضمان استدامة المالية العامة وتجنب تفاقم العجز خلال السنوات المقبلة، بينما يرى منتقدوها أنها ستؤدي إلى تحميل المعلمين والطلاب والأسر الجزء الأكبر من جهود التقشف.
هل تتأثر امتحانات نهاية العام؟
أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق حالياً يتعلق بمصير امتحانات نهاية العام الدراسي. فبعد أسابيع من الاحتجاجات والإضرابات والتحركات النقابية، بدأت تظهر مخاوف حقيقية من إمكانية تأثر سير الامتحانات في عدد من المدارس داخل والونيا وبروكسل.
ورغم عدم صدور قرار شامل بشأن تعطيل الامتحانات، فإن استمرار التوتر بين الحكومة والقطاع التعليمي قد يؤدي إلى اضطرابات إضافية خلال الأسابيع المقبلة، خاصة إذا تم اعتماد الإجراءات التقشفية بشكل نهائي دون التوصل إلى تسوية مع ممثلي المعلمين.
ملف مرشح للاستمرار
يبدو أن الجدل حول إصلاحات التعليم والتقشف في اتحاد والونيا-بروكسل لن ينتهي قريباً. فبين حكومة تؤكد ضرورة ضبط الإنفاق العام ومعارضة تتهمها بإضعاف الخدمات التعليمية، يبقى مستقبل هذه الإجراءات مرتبطاً بالمعارك البرلمانية المقبلة وبقدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى حلول توازن بين الاستقرار المالي والحفاظ على جودة التعليم.
ومع اقتراب موعد التصويت النهائي، تتجه الأنظار إلى البرلمان لمعرفة ما إذا كانت الحكومة ستنجح في تمرير مشروعها كما هو، أم أن الضغوط السياسية والنقابية ستفرض تعديلات جديدة على واحدة من أكثر الخطط التقشفية إثارة للجدل في السنوات الأخيرة.
شهدت العاصمة البلجيكية بروكسل، صباح الثلاثاء، تحركًا احتجاجيًا لافتًا من جانب عدد من المعلمين المنضوين تحت لواء نقابة التعليم المسيحية (CSC Enseignement)، حيث توجهوا إلى منزل وزيرة التعليم في اتحاد والونيا-بروكسل، فاليري غلاتيني، ووضعوا أمامه حقيبة سفر تحمل رسالة احتجاجية مباشرة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين العاملين في قطاع التعليم والسلطات المسؤولة عن هذا الملف.
حقيبة سفر ورسالة رمزية أمام منزل الوزيرة
واختار المحتجون أسلوبًا رمزيًا للتعبير عن استيائهم من السياسات التعليمية الحالية، إذ تركوا أمام منزل الوزيرة في منطقة أودرغيم حقيبة سفر كُتب عليها: “فاليري، خذي إجازة من التعليم، والأفضل ألا تعودي”. كما أرفقوا بها بطاقة صعود وهمية إلى رحلة تحمل وجهة غير اعتيادية كُتب عليها “بعيدًا جدًا”، مع تحديد موعد الإقلاع بـ”فورًا”.
هذا التحرك الاحتجاجي لم يكن مجرد تصرف رمزي عابر، بل جاء ليعكس حالة الغضب المتزايدة داخل أوساط المعلمين الذين يعتبرون أن قطاع التعليم يواجه تحديات متراكمة دون حلول كافية، وسط مخاوف من استمرار الضغوط المهنية والإدارية التي تؤثر على جودة التعليم وظروف العمل داخل المدارس.
توتر متصاعد بين المعلمين والسلطات التعليمية
وتشهد الساحة التعليمية في اتحاد والونيا-بروكسل منذ أشهر حالة من التوتر بين النقابات التعليمية والحكومة، على خلفية عدد من الملفات الحساسة المرتبطة بإصلاحات التعليم وظروف العمل ونقص الكوادر التعليمية وتزايد الأعباء الملقاة على عاتق المدرسين.
وتؤكد النقابات بشكل متكرر أن المدارس تواجه صعوبات متزايدة في استقطاب المعلمين والاحتفاظ بهم، خاصة في بعض التخصصات والمناطق التي تعاني من نقص حاد في الموظفين. كما يشكو العاملون في القطاع من ارتفاع الضغط النفسي والإداري، الأمر الذي دفع العديد من المدرسين إلى مغادرة المهنة أو التفكير في ذلك.
قطاع التعليم تحت ضغط متزايد
يُعد التعليم من أكثر القطاعات التي تواجه تحديات في بلجيكا خلال السنوات الأخيرة، حيث تبرز مشاكل تتعلق بنقص الموارد البشرية وارتفاع أعداد التلاميذ في بعض المناطق، إضافة إلى الحاجة المستمرة لتطوير المناهج التعليمية ومواكبة التحولات الرقمية.
ويرى خبراء في الشأن التربوي أن استمرار الخلافات بين السلطات والنقابات قد يؤثر سلبًا على استقرار المنظومة التعليمية، خصوصًا في ظل الحاجة إلى إيجاد حلول طويلة الأمد تضمن تحسين ظروف العمل ورفع جودة التعليم في الوقت نفسه.
رسائل احتجاج تتجاوز الأساليب التقليدية
ويعكس الاحتجاج أمام منزل الوزيرة توجهًا متزايدًا لدى بعض الفئات المهنية نحو استخدام أساليب رمزية وغير تقليدية لجذب الانتباه إلى مطالبها. ففي الوقت الذي اعتادت فيه النقابات تنظيم الإضرابات والتظاهرات، اختار المعلمون هذه المرة توجيه رسالة شخصية وسياسية قوية بهدف تسليط الضوء على ما يعتبرونه أزمة حقيقية داخل قطاع التعليم.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت هذه التحركات ستدفع السلطات التعليمية إلى فتح حوار أوسع مع ممثلي المعلمين أم أن الخلافات ستستمر خلال الأشهر المقبلة، في وقت يطالب فيه العاملون في القطاع بإجراءات ملموسة لتحسين أوضاعهم المهنية وضمان مستقبل أكثر استقرارًا للمدارس والطلاب.
وكالات
