رمضان ابوراس. ((فنان تشكيلي ليبي ))
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_في خضم المعاناة العامة التي يعيشها المواطن ويعيشها الوطن، ورغم الانشغالات الكثيرة، ينهض من بيننا حوار اللون وحديث الفرشاة.
يوم الثلاثاء الموافق 12/5/2026 احتضنت قاعة السلام بمركز صبراتة الثقافي معرض «مسارات متجاورة» للفنانين التشكيليين عبد الرحمن سعيد والهادي القاضي. ويأتي المعرض ضمن سلسلة معارض تقيمها جمعية صبراتة للفنون التشكيلية والخط العربي بين الحين والآخر، ليطرح كل فنان جانبًا من تجربته الخاصة ومساره الإبداعي.
*** عبد الرحمن سعيد: من قبو الرواق إلى أفق الصحاري
عند الوقوف أمام تجربة الفنان عبد الرحمن سعيد، تستحضر الذاكرة بدايات عاصرتها خلال مشاركاتنا في مهرجانات مصراتة للثقافة والفنون أعوام 1995 و1996 و1997. كانت تلك لحظة التكوين الأولى لجماعة رواق جمال شنيشح، حين خُصص قبو بيته ليكون مقرًا لانطلاق أول معرض لمجموعة من الفنانين الشباب الذين جمعهم الشغف بالرسم، ومن بينهم الفنان الناقد عدنان معيتيق، وتوفيق العويب، ومحمد بن لامين، ومصباح الكبير، وآخرون، وكان عبد الرحمن سعيد أحدهم.
توالت بعد ذلك مشاركاته في المعارض الجماعية بصرمان وصبراتة وزوارة والجميل والزاوية وطرابلس، كما شارك في مسابقات فنية متعددة.
****من التراث إلى الكاريكاتير: البدايات
كحال كثير من الفنانين في بداياتهم، انشغل عبد الرحمن سعيد بالتراث، فاشتغل على موضوعات الطبيعة الصامتة والمقتنيات الشعبية؛ كالجرار والأطباق وأشغال النسيج والكليم والحمل والخرج المرقوم وبعض الحلي التقليدية.
وتزامنت هذه المرحلة مع شغفه بالرسم الصحفي، حيث أنجز أعمالًا لعدد من الصحف المحلية، ونال الرسم الساخر مساحة واسعة من اهتمامه، متناولًا قضايا اجتماعية وتربوية وبعض الظواهر السلبية بنبرة نقدية.
*** هندسة الطيران… وعين الصقر
تبدو طبيعة العمل وتأثيرها على شخصية الفنان واضحة؛ فعبد الرحمن سعيد خريج ألمانيا سنة 1982 في مجال هندسة الطيران، وكان مشروع تخرجه حول الديناميكية الهوائية وانسياب الحركة على الأجنحة.
هذه الخلفية العلمية تبدو مرتبطة بتجربة فريدة عاشها الفنان خلال رحلات طيران فوق الجنوب الليبي، حيث رصد بعين الصقر مشاهد الطبيعة: سيوف الرمال، الوديان الجافة، واحات النخيل، الكتل الصخرية متعددة الألوان، وأثر الهواء في تشكيل الصخور والرمال.
ليست الصور البصرية التي يقدمها اليوم وليدة فراغ، بل نتيجة مشاهدات وقراءات بصرية واعية، لعقل يستنطق الجمال ويحوّله إلى أعمال فنية تلامس الروح.
في لوحاته التجريدية، نرى سفوح الجبال وشطوط الأودية الجافة التي سال فيها الماء يومًا، كما تسيل اليوم ألوانه في أعمال اختار لها مسميات أقرب إلى «نصوص بصرية».
***الهادي القاضي: ابتسامة تستنطق الكانون والفرح
الهادي القاضي حالة جميلة وخاصة؛ يقابلك كثير الابتسام، مستعجلًا الحديث في حالة من الدفق الإنساني. اختار لنفسه مجموعة لونية خاصة، وصاغ باليته التي تعبّر عنه، حتى تستطيع من الوهلة الأولى أن تقول: هذا العمل للهادي القاضي.
*** الأسلوب الفني والتأثرات
يتقارب أسلوبه مع بعض تأثيرات الفنانين نافع الخطيب غيث الله وصلاح غيث، لكنه ينحرف بخطاه بعيدًا ليؤكد خصوصيته، خاصة في حضوره الواضح للخطوط المحيطة بالمفردات الإنسانية.
*** موضوعات أعماله
ينشغل بشخصيات في تجمعات ثنائية وثلاثية وعائلية، ومشاهد من الأسواق الشعبية واحتفالات الأعياد والأفراح.
أشخاص يتسامرون حول كوانين النار، وأحاديث شتوية دافئة، تتجاور فيها الأواني الفخارية وأدوات إعداد الشاي، في استدعاء لذاكرة جمالية تكاد تختفي.
*** العمارة والبيئة المحلية
تسجل لوحاته حضورًا واضحًا للعمارة المحلية في غدامس ومزدة وقلاع الجبل، كما تحضر البيئة الزراعية لمنطقة الجفارة، حيث النخيل والتجمعات البشرية والبيوت والمساجد، ضمن أنساق احتفالية بالعيد والفرح.
*** الإنسان محورًا
يحضر الإنسان بوصفه مركزًا أساسيًا في تجربته، كما في لوحات: التارقي، الفارس، قارب هجرة، التكوينات العائلية، الأمومة.
تتداخل الخطوط والعلاقات والعناصر داخل هذه الأعمال، لتمنح البيئة الريفية المحلية حضورًا حيًا استطاع الفنان أن يستنطق جمالياته عبر ألوانه الخاصة.
*** السيرة الذاتية
ينتمي الهادي القاضي إلى جيل الفنانين الذين تخرجوا من معاهد المعلمين – شعبة التربية الفنية – قبل أن يواصل دراسته الجامعية، متحصلًا على بكالوريوس الفنون الجميلة من كلية الآداب والتربية بجامعة صبراتة سنة 2011.
راكم خبرات ومهارات عديدة ساعدته في بناء تجربة فنية متميزة، كما شارك وأقام معارض جماعية داخل الوطن وخارجه.
مساران متجاوران؛ أحدهما حلق فوق الصحراء بعين مهندس طيران، فحوّل تضاريسها وسيوف رمالها إلى تجريد يلامس الروح. والآخر نزل إلى عمق السوق والبيت بابتسامة ودفق إنساني، ليحتفي بدفء الكانون وفرح العيد وصوت زرزور القصب.
إنها شهادة لونية تؤكد أن الفن في صبراتة ما يزال قادرًا على النهوض، حتى في خضم المعاناة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
