شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تصاعد الجدل السياسي في ألمانيا بشأن مستقبل المساعدات الخارجية، بعد أن استغل حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف فضيحة مخالفات مالية داخل وكالة التنمية الألمانية للمطالبة بإلغاء الوزارة المسؤولة عن برامج التعاون الدولي.
وجاءت الدعوات الجديدة بعد الكشف عن فصل 24 موظفاً من مكتب الوكالة الألمانية للتعاون الدولي في اليمن على خلفية ما وصفته الوكالة بـ”مخالفات تجارية”، وسط تقديرات داخلية تشير إلى احتمال وصول حجم الأضرار المالية إلى عشرات الملايين من اليوروهات.
وتحوّلت القضية سريعاً إلى ملف سياسي داخلي في ألمانيا، حيث اعتبر حزب البديل من أجل ألمانيا أن الفضيحة تكشف ما وصفه بوجود خلل جوهري في منظومة المساعدات الخارجية، مطالباً بإعادة النظر في جدوى إنفاق مليارات اليوروهات على برامج التنمية خارج البلاد.
وقال روكو كيفر، المتحدث باسم السياسة التنموية في الحزب اليميني المتطرف، إن القضية تؤكد وجود “أوجه قصور أساسية” في سياسة التنمية الألمانية الحالية، معتبراً أنه يتم إنفاق أموال ضخمة دون تحقيق فوائد مستدامة سواء لألمانيا أو للدول المستفيدة.
وأشار كيفر إلى سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه تقليص تمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، واصفاً تلك الخطوة بأنها “إشارة مثيرة للاهتمام وشجاعة”، في دعوة واضحة لتطبيق نهج مشابه داخل ألمانيا.
ورغم أن حزب البديل من أجل ألمانيا لا يشارك في الحكم، إلا أن تصاعد شعبيته في استطلاعات الرأي جعل مواقفه بشأن ملفات مثل الهجرة والإنفاق الخارجي والتنمية أكثر حضوراً في النقاش السياسي الألماني.
وتتمحور الفضيحة حول اتهامات لموظفين سابقين في مكتب اليمن باستغلال أموال مخصصة للتنمية عبر عدة طرق، بينها تقديم مطالبات مالية مرتبطة بندوات يشتبه بأنها لم تُعقد، وفواتير وقود لرحلات لم تتم، إضافة إلى شبهات تتعلق بإجراءات شراء وتلاعب مالي.
كما تشمل الاتهامات احتمال وجود تلاعب بالعملة وتحويل جزء من المنح المالية بطرق غير قانونية، في قضية بدأت مؤشراتها الأولى بالظهور منذ عام 2022 قبل أن تتوسع التحقيقات الداخلية.
من جانبها، أكدت الوكالة الألمانية للتعاون الدولي أنها تتعامل مع أي انتهاكات متعلقة بالامتثال والنزاهة بجدية كاملة، مشددة على أن موظفيها يخضعون لقواعد داخلية صارمة وأنها تتبع سياسة عدم التسامح مع أي مخالفات.
وأوضحت الوكالة أنها أجرت مراجعات تنظيمية واسعة في عملياتها داخل اليمن، شملت تغييرات في المناصب العليا المسؤولة عن الملفات المالية والمشتريات لضمان تعزيز الرقابة.
لكن القضية أعادت فتح النقاش حول مستقبل وزارة التنمية الألمانية نفسها، خصوصاً بعدما كانت فكرة إلغائها مطروحة سابقاً خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، قبل أن يتم التخلي عنها بسبب رفض الشركاء السياسيين.
ومن المنتظر أن يناقش البرلمان الألماني اقتراحاً مقدماً من حزب البديل من أجل ألمانيا بشأن هذا الملف، إلا أن التوقعات تشير إلى رفضه من قبل أغلبية الكتل البرلمانية الأخرى التي تدافع عن استمرار سياسة التعاون الدولي.
في المقابل، طالبت أحزاب ألمانية أخرى بتحقيق شامل وشفاف في القضية دون استخدام الفضيحة مبرراً لإنهاء برامج المساعدات الخارجية بالكامل.
وقال مسؤولون في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي إن ضمان وصول الأموال إلى الجهات المستهدفة واستخدامها للأغراض الصحيحة يجب أن يكون أولوية، مؤكدين ضرورة محاسبة أي مخالفات.
كما شدد نواب من حزب الخضر على أهمية الشفافية، معتبرين أن قضايا الفساد يجب ألا تتحول إلى حملات سياسية تستهدف مبدأ المساعدات التنموية نفسه.
ويرى المدافعون عن برامج التنمية أن التمويل الخارجي يلعب دوراً مهماً في دعم الاستقرار وتحسين الظروف المعيشية وتعزيز المؤسسات في الدول التي تعاني من الأزمات، بينما يرى منتقدوه أن الفضائح المالية المتكررة تستدعي رقابة أكبر وإعادة تقييم لطريقة إنفاق الأموال العامة.
وتكشف القضية عن صراع سياسي أوسع داخل ألمانيا بشأن دور البلاد الدولي، بين اتجاه يدعو إلى تقليص الالتزامات الخارجية والتركيز على الداخل، وآخر يرى أن المساعدات التنموية جزء أساسي من السياسة الخارجية والأمن العالمي.
أوروبا بالعربي
