الأثنين. مايو 25th, 2026
0 0
Read Time:3 Minute, 15 Second

بقلم/ وئام أحمد إمام

هناك أشياء لا تعود مهما انتظرناها…
لكنها تبقى داخلنا وكأنها حدثت بالأمس.

الحنين ليس مجرد تذكّر لأشخاص رحلوا أو أماكن تغيّرت، بل هو ذلك الشعور الخفي الذي يمرّ على القلب فجأة، حين تعبر أغنية قديمة، أو رائحة مألوفة، أو صورة نسيها الجميع إلا نحن.

أحيانًا نشتاق إلى نسخة قديمة من أنفسنا…
إلى أيام كنا فيها أكثر بساطة، أقل خوفًا وأكثر قدرة على الضحك دون أسباب كثيرة.
نشتاق إلى الأحاديث الطويلة والوجوه التي كانت تطمئننا وإلى تفاصيل صغيرة لم نكن نعرف وقتها أنها ستصبح يومًا ذكرى تؤلمنا بهذا العمق.

فالذكريات لا تخبرنا بقيمتها ونحن نعيشها، بل تكشف أهميتها بعد أن تصبح بعيده،
بعد أن يتحول المكان إلى مجرد صورة والصوت إلى صدى والوجوه إلى غياب طويل نحمله بصمت داخل أرواحنا.

الغريب في الحنين أنه لا يستأذن حين يأتي…
قد يزورنا ونحن وسط الناس، فنبتسم للجميع بينما أرواحنا تعود سرًا إلى زمن آخر.
إلى ضحكة قديمة، أو رسالة قصيرة، أو لقاء عابر لم نكن نعرف أنه سيكون الأخير.

بعض الذكريات تشبه الضوء الخافت…
لا يختفي تمامًا مهما مرّ الوقت، بل يبقى ساكنًا في زاوية بعيدة من القلب، ينتظر لحظة ضعف أو لحظة صدق حتى يعود بكل تفاصيله.

هناك أماكن نظن أننا نسيناها، ثم نمرّ بالقرب منها فتعود إلينا الحياة التي كانت بداخلها.
شارع قديم، مقهى صغير، نافذة كنا نقف أمامها كثيرًا، أو حتى مقعد عابر يحمل من الذكريات أكثر مما يحتمل القلب.

وأحيانًا، لا يكون الحنين إلى شخص بعينه، بل إلى شعور كامل.
إلى الطمأنينة التي كانت تسكننا، إلى الأمان الذي كنا نشعر به دون خوف من الغد، إلى تلك الأيام التي كانت تمرّ ببطء جميل، دون قلق، دون فوضى ودون كل هذا التعب الذي نحمله الآن.

كبرنا… وتغيّر كل شيء بهدوء.
الأحباب الذين كانوا جزءًا من تفاصيل أيامنا أصبحوا غرباء والأحاديث التي كانت تمتد لساعات اختفت فجأة وحتى الضحكات أصبحت أقل عفوية مما كانت عليه.

وربما أكثر ما يؤلم في الذكريات، أنها تجعلنا ندرك كيف تغيّر كل شيء دون أن نشعر.
الأماكن نفسها لم تعد كما كانت والوجوه التي اعتدنا وجودها أصبحت بعيدة وحتى نحن… لم نعد الأشخاص أنفسهم.

فالزمن لا يسرق الأشخاص فقط، بل يسرق النسخة القديمة منا أيضًا.
تلك النسخة التي كانت تصدق بسهولة وتفرح من القلب وتحب دون خوف وتحلم دون حسابات معقدة.

ومع ذلك، يبقى للحنين جماله الخاص…
فهو الدليل الوحيد على أننا عشنا لحظات حقيقية وأحببنا بصدق وتعلّقنا بأشياء تركت أثرًا عميقًا في أرواحنا.

فلو لم تكن تلك اللحظات صادقة، لما بقي أثرها حيًا داخلنا إلى هذا الحد.
ولو لم يكن لبعض الأشخاص مكانة خاصة، لما استطاعت ذكرى واحدة أن تغيّر مزاج يوم كامل.

الحنين لا يعني دائمًا أننا نريد العودة…
أحيانًا نحن فقط نشتاق لما كنّاه وقتها، للطريقة التي كانت قلوبنا تنبض بها وللأمل الذي كان يسكننا قبل أن تعلّمنا الحياة معنى الفقد والتغيّر.

نحن لا نشتاق إلى الماضي لأنه كان كاملًا، بل لأن فيه أشخاصًا منحونا شعورًا لن يتكرر، وأيامًا مرّت بخفّة ثم أدركنا متأخرين أنها كانت من أجمل ما امتلكناه.

الذكريات لا تعيد ما فقدناه، لكنها تمنحنا شيئًا آخر…
تمنحنا ذلك الدفء الغامض الذي يجعل القلب، رغم كل ما مرّ به، قادرًا على الشعور من جديد.

ولهذا سيبقى الحنين واحدًا من أكثر المشاعر إنسانية وصدقًا…
لأنه ببساطة، لغة الأرواح التي ما زالت تحفظ أثر من مرّوا بها ذات يوم.

وربما لهذا السبب، كلما حاولنا الهروب من الماضي، وجدناه يعيش فينا بطريقة أخرى…
في كلماتنا، في اختياراتنا، في الأغاني التي نحبها وفي تلك اللحظات الصامتة التي يسرح فيها القلب بعيدًا دون سبب واضح.

فالذكريات الحقيقية لا تختفي…
هي فقط تتوارى قليلًا داخل أعماقنا، ثم تعود حين يشتاق القلب لما كان عليه يومًا.

ويبقى الحنين رغم ألمه، واحدًا من أجمل الأشياء التي تثبت لنا أننا لم نعبر الحياة ببرود…
بل عشنا وشعرنا وتعلّقنا وترك الزمن في أرواحنا حكايات لن ينساها القلب أبدًا.

شبكة  المدار الإعلامية  الأوروبية …_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code