ربا الرباعي _الأردن
باتتِ الأمورُكجدارِ حقيقةٍباردٍلا ينكسر.
تريّثتُ قليلًاوأغلقتُ البابَ خلفي كأنّي أتنفّسُ آخرَ أنفاسي.
أصبحتِ الأشياءُ شاحبةً أمامي،كأنّي أدفنُآخرَ صوتٍ كان يعرفني.
الغرفةُ ضيّقة،باردة،والعتمةُ تتنفّسُ فيها ببطءٍ ثقيل،لا شيء حوليسوى ظلٍّ معلّقٍ على الجدار المقابل.
كلّما اقتربتُ من الضوءِ الخافت كبرَ الظلُّ داخلي،وكلّما حاولتُ الهربَشعرتُ أنّه أقرب،وأشدُّ التصاقًابروحي.
جلستُ على الأرض،وأسندتُ رأسي على جدار الحقيقة،كان صامتًاكقاضٍينتظرُ اعترافي الأخير.
شعرتُ أنّه يعلمُ كلَّ شيء،يعرفُ وجهي الذي أخفيتُه طويلًا،ويحفظُتلك الأقنعةَالتي ارتديتُهاكي أُرضي الجميع.
نظرتُ إلى ظلّي،فابتسمَ ساخرًا،وأدركتُ فجأةًأنّي كنتُ أهربُ من النسخةِالتي تشبهني.
ثمّ سمعتُ صوتًايخرجُ من العتمة،لاهثًاكالبكاءِ الطويل:
كم وجهًا ارتديتَ كي تنالَ محبّةَ الآخرين؟وكم مرّةً قلتَ:”أنا بخير”بينما روحُكتحترقُكمدينةٍ مهجورة؟
أطرقتُ رأسي،وتذكّرتُ سنواتِ التمثيل،كيف كنتُ أضحكُ وفي داخلي خرابٌ كامل.
كنتُ أظنُّ أنّ النجاةَ في الأقنعة،وأنّ الحقيقةَعبءٌ ثقيللا يحتمله القلب.
لكنّي هناك،داخلَ تلك الغرفة،رأيتُ وجهي للمرّة الأولى:هشًّا،متعبًا،وممتلئًابندوبٍ لم ألمسها يومًا.
فالظلُّ لا يكذب،إنّه الكائنُ الوحيدالذي لا يستطيعُ التجمّل.
اقتربَ منّي،حتى شعرتُ أنّ العتمةَ تتنفّسُ من خلاله،وهمس:
ما يؤلمكَ حقًّاليس ما فقدتَه،بل ما تظاهرتَ أنّك لن تفقده.
ارتجفتُ…وتساءلتُ:
كم مرّةً دفنتُ حزني تحت المجاملات؟وكم مرّةً خنقتُرغبتي في الرحيللأنّ الجميعأراد بقائي؟
كم مرّةً أخفيتُ ملامحيكي لا يرى أحدٌأنّي أتآكلُ من الداخل؟
كنتُ أخشى الحقيقةكالسقوطِ من مكانٍ مرتفع،لأنّكَفي لحظةٍ واحدةترى كلَّ شيءبوضوحٍ مرعب.
رفعتُ رأسي،فرأيتُ ظلّي غيمةً سوداءتعتلي بصري،لكنّي للمرّة الأولى لم أعد أخشاه.
قلتُ له بصوتٍ مبحوح:وماذا بعد الاعتراف؟
ضحكَ…أو هكذا بدا لي،ثمّ قال:
بعد الاعتراف تبدأُ الحياة،فالإنسانُ يولدُ حقًّاحين يواجهُ نفسه دون هرب.
سادَ الصمت،ذلك الصمتُ الثقيلالذي يشبهُأصواتَ الحروبِداخلَ النفس.
وضعتُ كفّي على الجدار البارد،وأغمضتُ عيني،وسمعتُ داخلي يتكسّر،كأصواتٍ قديمةصنعتهامحاولاتُ الإرضاء،حين جمّدتُ قلبيليمنحَ الدفءَللآخرين.
وهنا أدركتُ أنّ الحقيقةَليست مرآة…بل نار.
إمّا أن تحرقَ الزيفَ داخلك،أو تحرق كَأنت.
وهناك،أمامَ ظلّي الثابت،كنتُ أقفُواضحًا،عارِيَ الروحِتحتَ الضوء،
وللمرّة الأولى واجهتُ نسختي الحقيقيّة:الحقيقة.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
