نجاة أحمد الاسعد _ سوريا
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_حديثنا اليوم سيكون عن عادة من العادات الاجتماعية المتجذرة في تراث بلاد الشام، والتي ما زالت حاضرة بقوة في مجتمعاتنا حتى يومنا هذا، رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على أساليب الحياة. إنها الجاهة.
الجاهة، أو كما يطلق عليها أحيانًا “الوجهاء”، هي وفد يُرسل من قبل شخص أو عائلة لطلب أمرٍ مهم يتعلق بالشؤون الاجتماعية، كطلب الزواج، أو الصلح، أو حتى إصلاح ذات البين بعد الخصومات والخلافات.
من أشهر المناسبات التي تُقام فيها الجاهة هي جاهة الخطوبة. وتبدأ حين يطلب الشاب يد فتاة للزواج، فيقوم أهله – وغالبًا والده وأعمامه وأقاربه – بتحديد موعد مع أهل الفتاة. وفي اليوم الموعود، يُرافقهم جمعٌ من وجهاء العائلة أو الحي أو العشيرة، ومنهم من يكون من الشخصيات الاعتبارية كالوجهاء أو الشيوخ أو أئمة المساجد.
يصل وفد الجاهة إلى بيت أهل العروس بكل وقار، وتُستقبل الجاهة بحفاوة. ثم يبدأ أحد الوجهاء – وغالبًا يكون الأكبر سنًا أو الأشد وجاهة – بإلقاء كلمة باسم الجاهة يطلب فيها يد الفتاة.
وتكون الإجابة من كبير العائلة المضيفة، بكلمات ترحيبية تُعبّر عن احترامهم للضيوف وموافقتهم على طلب الزواج. وبعدها يتم قراءة الفاتحة، ويتبادل الطرفان التهاني، وتُختتم الزيارة بتناول القهوة وربما طعام الضيافة.
اما الجاهة في الإصلاح وفضّ النزاعات
لها دور كبير في الإصلاح وحقن الدماء، خاصة في المجتمعات العشائرية. فحين يقع خلاف أو خصام، أو حتى جريمة، يُرسل أهل الطرف المعتدي جاهة إلى أهل المعتدى عليه، من أجل طلب الصلح أو “العطوة” وهي هدنة مؤقتة.
وتُدار هذه الجاهة بحذر شديد، وتُستخدم فيها ألفاظ دقيقة ومحددة، تُعبّر عن الاحترام، وتحفظ كرامة الطرفين. وغالبًا ما يتم الاستعانة بشيوخ العشائر والقضاة العرفيين، ليكونوا شهودًا على بنود الاتفاق.
فالجاهة تجسيد لعددٍ من القيم النبيلة، منها
الترابط الاجتماعي:
الاحترام المتبادل.
الوساطة بالحسنى:
حفظ ماء الوجه:
من الملاحظ أن المشاركين في الجاهة يحرصون على ارتداء الملابس الرسمية، وأحيانًا اللباس التقليدي مثل الدشداشة أو العباءة، خاصة في المناطق الريفية أو العشائرية.
والكلمة الرسمية يُلقيها أحد أعضاء الجاهة (غالبًا الشيخ أو كبير الجاهة) كلمة رسمية تُعبر عن المقصد والنية.
ومن العادات الشائعة أن يقوم الشخص الذي يتحدث باسم الجاهة بعدم شرب أول فنجان قهوة يقدم له حتى يتم قبول طلبه.
حيث يرد كبير الطرف الآخر بكلمة ترحيب، ثم يعلن القبول أو الرفض، حسب العرف والتقاليد.
رغم أن الجاهة ما زالت حاضرة حتى يومنا هذا، إلا أن شكلها تغير قليلًا مع تطور الحياة. فقد أصبح عدد المشاركين فيها أقل، وخطابها أكثر بساطة، لكن جوهرها ما زال قائمًا: الوجاهة والاحترام وتقدير العلاقات.
كما أصبح بعض الشباب يكتفي بجاهة رمزية صغيرة، ويستبدل بعض المظاهر التقليدية بمظاهر عصرية، لكن دون أن يتخلّى عن جوهر هذه العادة الأصيلة.
واخيرا الجاهة ليست مجرد تقليد عابر، بل هي عنوان من عناوين المروءة والكرم، ورمز من رموز التفاهم والتسامح الاجتماعي. وهي عادة شامية أصيلة حافظ عليها الآباء، ويسعى الأبناء لتطويرها دون التفريط بقيمها.
فما أجمل أن نُحافظ على تراثنا، وأن نُعبّر عنه بسلوكياتنا، وباحترامنا لعاداتنا، وبحرصنا على الكلمة الطيبة والنية الصافية.
وإلى حديث آخر عن عادات بلادي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
