أطلق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول موقف أوروبي حاد إزاء الحرب، إذ وصف الضربات الأمريكية-الإسرائيلية بأنها “اندلاع حرب ذات عواقب وخيمة على السلام والأمن الدوليين”، مطالباً بعقد “جلسة طارئة عاجلة” لمجلس الأمن الدولي. وفي البيان المشترك الذي أصدره جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والمستشار الألماني فريدريش مرتز، أدان الثلاثة “الضربات الإيرانية الانتقامية” على الدول غير المحاربة، وطالبوا باستئناف المفاوضات وإنهاء البرنامج النووي الإيراني. غير أن مرتز — في تحول لافت عن الموقف الألماني التاريخي — أعلن صراحةً أنه “من غير اللائق توجيه محاضرات للحلفاء” حين يرفضون إيران، مُلمّحاً إلى أن القانون الدولي “يصل إلى حدوده” أمام التهديدات الوجودية، وهو ما رصده المعهد الأوروبي للعلاقات الخارجية (ECFR) بوصفه “تآكلاً خطيراً لمبدأ عدم الاعتداء الذي قامت عليه أوروبا ما بعد الحرب”. وتُضاف إلى ذلك المخاوف من أن روسيا وُجد حضورها في طائرة مسيّرة ضربت قبرص، مما يربط الحرب الإيرانية بصراع روسيا-أوكرانيا بطريقة جديدة.
ألمانيا تتبنّى منطق “الغاية تُبرر الوسيلة” للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية — إشارة خطيرة إلى أن أوروبا بدأت تتأقلم مع “قانون الغاب” الترامبي بدلاً من مواجهته. فرنسا تحاول البقاء وسيطاً مع الإبقاء على الالتزام الأطلسي، وهو خط رفيع سيصعب المشي عليه طويلاً.
أصدرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وكبير دبلوماسي الاتحاد كايا كالاس بياناً مشتركاً وصف تطورات إيران بأنها “مقلقة للغاية”، مُطالباً “جميع الأطراف بالامتناع عن أي خطوات من شأنها تصعيد التوترات”. والأبرز أن فون دير لاين — وفق تقارير Wikipedia الموثّقة — أعلنت صراحةً دعمها لـ”تغيير النظام في إيران”، في سابقة لم تُقدِّم عليها أي مسؤولة أوروبية رفيعة من قبل. وفي المقابل، أحجم البيان عن الإشارة صراحةً إلى أن الضربات الأمريكية-الإسرائيلية انتهكت القانون الدولي — وهو ما أسماه المعهد الأوروبي للعلاقات الخارجية “أخطاء أوروبا الدبلوماسية غير المُبرَّرة”. وتعكس حالة التشتت هذه الانقسام العميق: دول أوروبا الشرقية (كجمهورية تشيكيا وألبانيا ودول البلطيق) تدعم الضربات صراحةً، فيما تتحفظ إسبانيا والنرويج وجزء كبير من أوروبا الغربية على شرعيتها. واللافت أن الاتحاد لم يكن على علم مسبق بالضربات، إذ أكد المحلل ماتياس ماتيس في CFR أن “أمريكا أطلقت الحرب دون استشارة حلفائها في أوروبا بينما توقعت دعمهم الفوري”.
الاتحاد الأوروبي يُسقط رسمياً قناع “الحياد المبدئي” ليقترب من الموقف الأمريكي — وهذا ثمنه: خسارة دوره كوسيط موثوق بين الشرق والغرب. الأخطر أن هذا الانقسام الأوروبي يُضعف الموقف التفاوضي الأوروبي أمام ترامب نفسه في ملفات أخرى كأوكرانيا وغرينلاند والتعريفات.
اتخذ رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر موقفاً بالغ الدقة والتعقيد: أعلن صراحةً أن المملكة المتحدة “لم تشارك عسكرياً في الضربات”، وأنه “لا يؤمن بتغيير الأنظمة من السماء”، مُرجعاً تحفظه إلى غياب خطة واضحة ما بعد الضربات واستحالة تحقيق تغيير النظام بالقوة الجوية. وقد رفض في البداية السماح لأمريكا باستخدام القاعدة البريطانية في جزر دييغو غارسيا لشنّ ضربات هجومية — وهو ما أثار ردود فعل غاضبة من ترامب الذي انتقده علناً. غير أن ستارمر تراجع لاحقاً وسمح باستخدام القواعد البريطانية لـ”أغراض دفاعية محددة وضيّقة” تتمثل في اعتراض الصواريخ الإيرانية. وأكد أن “الطائرات البريطانية تحلّق في المنطقة اليوم في عمليات دفاعية منسّقة إقليمياً”، مُنتشرةً في قطر والأردن والعراق وقبرص. وتعرّض ستارمر لهجوم شرس من المعارضة المحافظة بقيادة كيمي بادينوك التي أعلنت أن “القانون الدولي يكون قد أخفق إذا وفّر الحماية لنظام استبدادي”، فيما دعاه نيغل فاراج زعيم Reform UK لـ”دعم الأمريكيين في هذه المعركة الحاسمة ضد إيران”.
بريطانيا تحاول أن تُرضي واشنطن دون أن تفقد مصداقيتها القانونية الدولية — وهو فن راقص على حافة الهاوية. موقف ستارمر يُجسّد معضلة كل حليف أوروبي مع ترامب: كم تستطيع “الامتثال الانتقائي” قبل أن تُفقد سيادتك؟
أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز موقفاً هو الأشد وضوحاً في أوروبا ضد الحرب، إذ وصف العملية الأمريكية-الإسرائيلية بأنها “عمل عسكري أحادي الجانب يُمثّل تصعيداً ويُسهم في نظام دولي أكثر عدم يقيناً وعدائية”. والأهم أنه رفض السماح لأمريكا باستخدام قواعدها المشتركة على الأراضي الإسبانية لأغراض هجومية — وهو ما استفزّ ترامب الذي ردّ بالتهديد بفرض تعريفات جمركية عقابية على إسبانيا. ويرى المحلل البارز في Atlantic Council أن موقف سانشيز يُفسَّر في ضوء حسابات انتخابية داخلية: فأجنحة اليسار الراديكالي الحليفة له ترفض الحرب رفضاً مطلقاً، وهو يُحاول استرضاءها قبيل انتخابات إقليمية مرتقبة وانتخابات وطنية في 2027. وتُصطفّ مع إسبانيا في هذا الموقف كلٌّ من النرويج وأيرلندا، فيما تُؤكّد دول اسكندنافية أخرى أن الحرب تنتهك صراحةً ميثاق الأمم المتحدة. ويُشكّل هذا المحور الأوروبي المعارض — برغم محدودية وزنه العسكري — رسالةً واضحة إلى واشنطن بأن “الدعم الأوروبي” للتدخل العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط لم يعد مضموناً في القرن الحادي والعشرين.
سانشيز يُعيد رسم حدود “الاستقلالية الأوروبية” عن واشنطن في الملف العسكري — لكن بتكلفة اقتصادية حقيقية. الخطر ليس فقط في التعريفات، بل في حجب الاستثمارات الأمريكية. مع ذلك، موقفه يُؤسّس لسابقة مهمة: حليف ناتو يرفض استخدام أراضيه لحرب لا يعتقد بمشروعيتها.
شكّلت الضربة المسيّرة التي استهدفت منشأة على الأراضي القبرصية — وعُثر في حطامها على هوائي روسي الصنع — لحظة فارقة في الموقف الأوروبي من الحرب. فقبرص دولة عضو في الاتحاد الأوروبي لكنها ليست عضواً في حلف الناتو، مما يعني أنها لا تستطيع الاستناد إلى المادة 5 الأطلسية للدفاع المشترك. وقد سلّطت هذه الحادثة الضوء على المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي — المادة التي تُجيز طلب الدعم العسكري من الدول الأعضاء في حال التعرض للعدوان — وهي مادة كانت كانت حبراً على ورق قبل هذه الأزمة. وقالت الباحثة إيلينا لازاراو من مؤسسة الأبحاث الهيلينية لـ”الجزيرة الإنجليزية” إن هذه الحادثة “ستُعجّل بنقاش جدي حول تفعيل المادة 42.7 وتحديد مستوى التزام الدول الأعضاء”. وأمرت الولايات المتحدة بإخلاء العمالة غير الأساسية من قبرص توقعاً لضربات إيرانية إضافية. في السياق ذاته، اتسع الانقسام داخل اليمين الأوروبي المتطرف: فبينما يدعم نيغل فاراج وحزب Vox الإسباني الحرب، يتحفظ آخرون لدواعٍ سيادية أو انتخابية.
اكتشاف بصمة روسية في المسيّرة الإيرانية التي ضربت قبرص هو الدليل المادي الأول على تقاطع حرب إيران مع الصراع الروسي-الأوكراني. يعني هذا أن الحربين ليستا منفصلتين — وأن أوروبا تواجه تحدياً أمنياً ثنائي الجبهة لم تتهيأ له فكرياً ولا مؤسسياً.
اعتُبر اعتراض صاروخ باليستي إيراني اخترق المجال الجوي التركي وسقط في مقاطعة هاتاي جنوب تركيا تصعيداً دراماتيكياً بلا سابقة في تاريخ حلف الناتو. وعلى الفور، أعلن الحلف التزامه بالدفاع عن تركيا العضو فيه، فيما طالب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بتفعيل المادة 4 للتشاور الأمني. وأصرّت إيران على أن الحادثة كانت “خللاً تقنياً”، لكن الناتو نشر منظومة اعتراضية إضافية في تركيا فور الحادثة. وكان الأمين العام مارك روت قد أعلن “دعم الحلف” للضربات الأمريكية-الإسرائيلية، مُعلّلاً ذلك بأن إيران “تُهدد الاستقرار الدولي”. في الموازاة، أكدت فون دير لاين أن الحادثة دفعت الاتحاد الأوروبي لتسريع مساعي “الاتحاد الدفاعي الأوروبي” — وهو مشروع ظل خاملاً لسنوات لكنه يكتسب زخماً استثنائياً في خضم الحرب. وتشمل مشاركة أوروبية-ناتو في المنطقة: الفرقاطة اليونانية كيمون والمقاتلات الأربع F-16 وسفينة بريطانية إضافية وطائرات تايفون، إلى جانب نشر عمليات الدفاع الجوي في قطر والأردن والعراق وقبرص.
اختراق الصاروخ الإيراني للأجواء التركية هو أخطر لحظة في تاريخ الناتو منذ الحرب الباردة: عضو في الحلف يُستهدف بصاروخ باليستي. وهذا يُلقي بظلاله الثقيلة على مستقبل الاستراتيجية الدفاعية الأوروبية: هل آن الأوان لقوة دفاعية أوروبية مستقلة لا تعتمد كلياً على واشنطن المُشغولة بالشرق الأوسط؟
