الأثنين. أبريل 27th, 2026
0 0
Read Time:8 Minute, 45 Second

شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_سُعدت جداً بالقراءة الواعية التي كتبها الناقد السعودي اللامع:
مشعل العبادي
في مجموعتي القصصية ( عندما تتداعى الأشياء)

“تداعي الأسئلة المنفتحة على تأويلات”

قراءة في المجموعة القصصية “عندما تتداعى الأشياء”

للكاتبة الليبية “أسماء القرقني”


القصة القصيرة هي الفن المميز بقدرته على الجمع بين روح الحكاية البسيطة وطاقات المجاز الدلالية، تلك التي تتضح في جمعها بين التقاليد الواقعية وجوهر الرومانسية الكامن هناك في عمق النفس البشرية.

إن عوامل عدة تتضافر لتجعل القصة القصيرة أقرب الفنون إلي روح عصرها، ولتكون ألصق الفنون مجاراة لحركة التطور و التأثر بمجرياته وما يطرحه من فعاليات، يقول رائد القصة القصيرة الناقد “آيان ريد” في كتابه المترجم بعنوان “القصة القصيرة”، والذي يعتبر مرجعا أساسيا في تحليل وفهم فن القصة القصيرة وبنيتها الفنية:

(يجب أن نأخذ في الاعتبار أن شعبية القصة القصيرة بين القراء جعلها تميل إلى التركيز؛ وذلك دفع بها إلى التنوع من غير تحديد)

وأرجع “آيان” ذلك إلى الرغبة التي يشعر بها المؤلف في سرد قصته، والتي لم يستطع كبتها، ولا تحديدها في نمط سردي واحد، وهو ما أجده بالواقع يمثل نوعا ما من العرض والطلب في القراءات، وترضي الكثير من متطلبات ذوق المتلقين، وتنجح في اكتساب مساحات واسعة للانتشار.

إن المشهد السردي في ليبيا، وخصوصا القصة القصيرة، هذا الفن الممتلك لأدوات إبداعية وفيرة، هو أحد أكثر المشاهد إضاءة في المشهد الثقافي الليبي، والتي ساهمت في تقبل التغييرات العديدة التي طرأت على المجتمع الليبي اجتماعيا وسياسيا، بل هو الفن الأكثر وفرة لأدوات مواكبة التغيير.

وقبل الانخراط في أتون هذه المجموعة لا بد من الذكر أن المجموعة القصصية “عندما تتداعى الأشياء” هي العمل الأول للكاتبة الليبية “أسماء القرقني”، والصادرة بالعام 2023، عن دار “جين” للطباعة والنشر بالبيضاء -ليبيا- وتوجت بمقدمة – تمهيدية – تحليلية للمبدع الكبير “جمعة الفاخري”.

  • دلالات العتبات السردية:

سوف نتخطى عتبة العنوان حتى التقاء – متعمد – مع تفسيره من داخل النصوص، وسوف نعتمد الغلاف كعتبة لولوج عوالم هذه المجموعة، فمنذ اللحظة الأولى نستشعر هيمنة الأنثى على روح السرد، تقف سيدتان ليبيتان في امتثال واضح داخل إطار، والخلفية تزخر بالألوان العديدة والمتنوعة، بملابس بدوية واضحة، يظهر منهما الجزء العلوي فقط، وهما ترتديان “الردي” المطرز، وهو الزي التقليدي الليبي الملون الذي يلتف حول رأس السيدتان وينسدل على جسدهما الغير مرئي، ويزين رأس السيدة الكبيرة “الخلالة” و”التكليلة” الذهبية الكبيرة، وبجوارها الشابة الأصغر منها قامة وسنا كما يبدو واضحا من النسبة والتناسب داخل الغلاف ووفقا للمؤثر الدلالي، وهي علاقة حجمية وجمالية بين عناصر الغلاف (العنوان، الصورة، اسم المؤلف) لضمان التوازن البصري والتركيز على النص، حيث تعتمد على جعل العناصر المتناسبة في الحجم وتوزيعها، مما يمنح الغلاف شكلاً فنياً مريحاً للعين ومؤثراً دلاليا، وهو ما جعل مصممة الغلاف تفرد مساحة علوية للعنوان تتوسط المشهد الأولي للغلاف بعد التعريف بالنوع “قصص قصيرة”، ثم تلتها باسم الكاتبة بحجم صغير.

و”الدلالة الأولى” من صورة الغلاف، والتي جاءت عبارة عن لوحة تشكيلية تتوسط لسيدتان تمتثلان أمام جدار قديم مبرقع، وهي بتفاصيل تشكل رؤية قريبة جدا تفصح عن التفاصيل وتفضحها، ولعل في كل تلك التفاصيل جميعا ما يعلن عن إمكانية افتراض أننا أمام عالم متشظ بفعل الزمان، والذوات ومحيطها، وتنقله ذات تمعن في الكشف عن هذا التشظي وتعريه.

و”الدلالة الثانية” التي صادفتنا هنا أن مصممة الغلاف اكتفت بالتفاف “الردي” المزركش المنسدل حول هامة الشابة فقط، ولم تكن على غرار السيدة الأكبر سنا وطولا والتي حررت الجزء العلوي من جسدها، والمتمثل في كتفيها وجزءاً يسيراً من صدرها، بل حررت عنق الشابة الأصغر سنا وحذفت كامل جسدها من المشهد الفني للوحة، دلالة على محاولة الجيل الجديد في ليبيا إلى التحرر من “الحلقة المفرغة” للصراعات التقليدية عبر محاولات جادة للخروج من التبعية الاجتماعية والسياسية، والتغلب على رفض جيل الكبار للتجديد، ومواجهة تحديات مجتمع المعرفة، إذ يواجه هذا التوجه تحديات في استيعاب التطورات التكنولوجية والفكرية بسبب قيود “جيل الكبار”، بالإضافة إلى محاولات أطراف سياسية استغلال فئات الشباب.

“الدلالة الثالثة والأهم” في عتبة الغلاف أن أغلب ضمائر السرد بالقصص لنساء، والذي سنكتشفه عبر قراءة المجموعة، بأن القاصة تحمل على عاتقها قضية حقيقية، تدافع عنها بإخلاص وإيمان عميق، وليست مجرد شعارات جوفاء، بل نابعة من واقع تعيشه كل امرأة تعاني الظلم والتهميش في هذا العالم، تكتب بوعي صادق وانحياز واضح للنساء، تسلط الضوء على معاناتهن التي غالبا ما تهمش أو تنسى.

بل تمتلك “أسماء القرقني” القدرة على التعبير عن أصوات النساء في المجتمع الليبي واللواتي لا يجدن من ينصت إليهن، وتطرح قضاياهن بجرأة وشجاعة، دون تجميل أو مداراة.

  • عتبة الإهداء:

تهدي أسماء القرقني كتابها – ص 3 –

“إلى كل من أحبني ودعمني

إلى فنجان قهوتي

الرفيق الذي لم يخذلني.

تختص الكاتبة بالإهداء إلى من أحبها ودعمها فقط، فليس شرطا بأنها عانت من النبذ والتخلي، لكنها تفضل المحبة والدعم، وتؤنس فنجان قهوتها الذي أنسنته عن البشرية وجعلته رفيقها الوحيد الذي يستحق صحبتها..

“إلى روح أمي .. البهجة التي غابت عن أيامي”

تغشاها الرحمة والمغفرة فكل أمهاتنا عزيزات غاليات وهن كل البهجة .

“وإلى كل من أساء لي، وجعلني أقع في غرام نفسي”

وككل البشر نواجه السيء ونتعثر بالأسوأ في مضمار الحياة، لكن أن نستثمر سوء الغير في محبة الذات فتلك قوة لا يمتلكها أي شخص، وأعتقد أن وقوعها في غرام ذاتها هو تعبير مجازي، قصدت به الاهتمام والجهد البنّاء، والعناية بالعقل والروح والعمل على إثرائها، وأخيرا فيما يختص بالإهداء فقد آثرت “أسماء القرقني” أن توقع إهداءها باسم “المؤلفة”، وهو الأمر الذي أفسره بأن الكاتبة تمسك بخيوط الحكاية بإحكام، تعرف متى تفصح ومتى تخفي، قلمها ميزان دقيق بقدر موهبتها.

أهم عناصر القص:

إن معظم تفاصيل القص تضعنا أمام هذه العلاقة التي تتبدّى من خلال مجموعة من المحطات أو كما نطلق عليها “عناصر القص”، والتي تفسح لها مجموعة “عندما تتداعى الأشياء” مساحة تمتد لـ ١٤٠صفحة، وتضم ٣٩ قصة . نجد بها عند قراءتها نبرة سردية متفردة، ومسارا قصصيا جديداً تثبت بأنها قصص بعيدة تماما عن المتداول والمألوف من القصص ولعل سرها وموضوعها الأساس هو “المضمر” من المعاني، و”ما خلف السطور”، والتي تعرف في الكتابة الأدبية بالمعاني الضمنية، الرسائل الخفية، والمشاعر المستترة التي لا يصرح بها الكاتب مباشرة، بل يترك للقارئ اكتشافها، يشمل ذلك الرموز، التلميحات، العواطف، السياقات الاجتماعية والسياسية، وفلسفة الكاتب الخاصة، مما يمنح النص عمقا ويحوله من مجرد كلمات حرفية إلى تجربة فنية.

“عندما تتداعى الأشياء” تزخر بالعديد من العناصر التي تغني متنها القصصي ليغدو أكثر انفتاحا وانسيابية وامتدادا، بدءاً من معجم متنوع تتقاطع فيه جوانب قومية مثل قصة “ردهة”، واجتماعية مثل قصة “اتهام”،”أمر واقع”، وقصة “الكرسي” ومثل قصة “نزف في الذاكرة”، ونفسية سيكولوجية مثل قصة “هزيمة” و”عنوان خاطىء”، ووجودية أنطولوجية مثل قصة “عاصفة”.

أ- عنصر السؤال المنفتح على تأويلات:

تقوم قصص “أسماء القرقني” على عناصر تضفي على مجموعتها (عندما تتداعى الأشياء) طابعا يمنحها ميزة في النهج الإبداعي، والنمط القصصي كعنصر السؤال الغني بإيحاءاته، وانفتاحه على تأويلات موسومة بالتشعب والرحابة مثل قصة “عندما تتداعى الأشياء” إذ تقول الساردة في ص 12:

“صرت أرى بوضح فقداني القدرة على التصرف بصورة طبيعية دون هذا الترياق اللعين”

وهنا تطرح الكاتبة على لسان الشخصية سؤالا مضمرا عما إذا كانت القدرة على استيضاح الأمور -أي الحقائق- صارت هي ما يفرزه لنا الآخرون كتحديد لهويةٍ ديدنها التبدل، وتأخذنا أسئلة التحول لاجتراح أجوبة عصية على التحديد والإقرار، تطرح الكاتبة سؤالا عن الخيانة العاطفية، والخيانة بالذهنية وتعمد التباس الأمور ومحاولة إقناع الآخر بعدم الاتزان.

وهو ما يجعلنا نعقب هنا على “عتبة العنوان” التي أُرجئت، ونصرح إلى أن عتبة العنوان هي مؤشر لعنصر السؤال المنفتح على تأويلات عديدة :

“عندما” تتضمن فنية اختيارها الترجيح الزمني

“تتداعى” تعد المدخل السيميائي الأول للقص

“الأشياء” هي جمع لعناصر كثيرة مع عدم التحديد، والعنوان المنفتح هنا أجده بمقام خطاب مكثف، يمهد للمتلقي فهم دلالات النص وبنيته الجمالية، إذ يتم اختياره فنيا عبر عناوين إغرائية، إيحائية، أو توجيهية تلخص الفكرة، وتشد القارئ، وتعمل كمفتاح سحري يفك مغاليق النص، مما يجعلها ضرورة هيكلية تعكس حنكة الكاتبة في التكثيف والتعبير.

وكما في قصة “اللوحة” ص 17 عندما صرحت الطفلة المذعورة عن مدعاة خوفها من رفقة ابن عمها، وأوجزت رغم ألم الموقف ما يعتريها من شعور مرعب، تقول الطفلة صاحبة اللوحة المعبرة نفسيا عن حالها لمعلمتها التي آنست رفقتها عندما سألتها لم لا ترغب بالذهاب معه:

“- هل رأيت الطفلة في اللوحة التي رسمتها؟

أومأت بالإيجاب.

همست:- انا خائفة مثلها!؟”

ب- عنصر النزعة المجازية:

تشعرك “أسماء القرقني” أن كل شيء سهل وبسيط، لكن حين تحاول محاكاته تدرك كم هو معقد وصعب، تكمن حرفيتها في قدرتها على بناء عالم يبدو متقنا دون أن يظهر أي جهد على السطح، مما يعكس المجهود الكبير المبذول في تشكيل هذا البناء القصصي الذي تتقاسم فيه صورها القصصية النزعة المجازية بعمق وشفافية. في قصة “بيتنا” ص 130 يقول الأب بعد استيقاظه عقب اليوم التالي لمحاولته توسعة المساحة بين السقف والأرض:

“تفحصت الجدار مفزوعا، لم تكن في مكانها! من سرق النافذة؟

ثم يصرخ للإله مستعينا به علّه يجيب عن أسئلته:

“يا إلهي، السقف لا يبعد عن وجهي كثيرا، الباب لا يستطيع الولوج منه سوى الأقزام”

هناك رمزية للبيت الذي ينخفض سقفه (يكاد يطبق على ساكنيه) مما يضطرهم للسير انحناءً، ثم محاولة إرجاع الوضع الأصلي ورفع سقف بيتهم -آمالهم- تليها نتيجة حتمية لانخفاض السقف أكثر مما جعلهم يزحفون، وصار الانحناء زحفا!.

  • الحرب وعواقبها يطلان من بين الصفحات:

لقد جعلت “أسماء القرقني” الحرب مجرد سرد آمن لحكاية غير آمنة العواقب، هي صنعة متقنة من فن الحكي، تقدم الحكاية بهدوء وبحرفية تعتمد على التسريب الممهد للأحداث والمشاعر، تجد نفسك مشدودا دون ضجيج، مأخوذًا بتفاصيل تتسلل إليك تدريجيا، وكأنها ترسم عالما معقدا بحركات دقيقة ومدروسة.

في قصة “ما تبقى” تقول الساردة عن الوجه الآخر للفرح بعودة الجنود، والذي يعقب خروجها من عند حبيبها العائد من الحرب، أو عودة ما تبقى منه مجازا كما عنونت القصة، ص 105:

“عند خروجي رأيت موكب سيارات وإطلاق رصاص كثيف، سمعت أحدهم يقول:

موكب جثامين شهداء معركة اليوم.

أكملت طريقي بخطى متثاقلة ودموعي المنهمرة تحجب طريقي” .

  • الاهتمام بالقفلة:

تندرج المجموعة القصصية “عندما تتداعى الأشياء” ضمن لون القصة القصيرة، تمثل بعمق وتبصر مقومات الجنس القصصي، في اختزاله للبعد الدلالي الكثيف، والتقتير اللغوي المنحوت بدقة وسلاسة وانسيابية وما شكّله من ومضات تعج بتأويلات حكي زاخر وثري مع تقاسمها لتيمات طبعت نصوص المجموعة بالغنى والعمق، مع الاهتمام الفائق بخاتمة القص، أو القفلة؛ فالقفلة عنصر أساسي ومحوري في خلق نص قصصي مؤثر ومتكامل، وأعتقد أن العمل على القفلة في قصص “أسماء القرقني” شغل مخيلتها كهمٍّ إبداعي جسيم ومكلِف، وما يصاحبه من جهد إبداعي يستنزف مقدرات القاصة الحسية والذهنية في نحته من معين فكرها وخيالها، ساعدها في ذلك تمكنها من اللغة التي تميزت بخصوصيّتها وفرادتها في مجال الكتابة السردية؛ فهي لغة تكاد تلتصق بواقعها ومحيطها الحيوي.

تمتلك “أسماء القرقني” قدرة استثنائية على رؤية شخصياتها بوضوح مذهل، وكأنها تعيش داخلهم وتتنفس معهم، حين تنهي قراءة قصصها، لا تغادرك بسهولة، بل تظل عالقا في مأساة شخصيات القصص، لأن الكتابة لدى “أسماء القرقني”، من خلال ما رأيناه من تيمات ثرية ومتنوعة، هي كتابة جرح ملتصق بذات لا همّ لها إلا رصد العوالم المحيطة، بإيقاعاتها وفعلها في الذوات والأمكنة، وتتبع عالم يهزمه الحرب والوباء والجهل وأيضا الخنوع، وهو نوع من القص يحتاج إلى مهارة وإمكانات عالية تناسبت مع حكاءة متدفقة تمسك بخيوط الحكاية بإحكام، لا تترك شيئًا للصدفة، بل تزن الأمور بعناية شديدة، لتقدم نصا متكاملًا يجعل القارئ متورطًا في كل تفاصيله، عاجزًا عن الإفلات من تأثيره العميق.


شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_

Happy
Happy
0 %
Sad
Sad
0 %
Excited
Excited
0 %
Sleepy
Sleepy
0 %
Angry
Angry
0 %
Surprise
Surprise
0 %

By almadar

Average Rating

5 Star
0%
4 Star
0%
3 Star
0%
2 Star
0%
1 Star
0%

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

AlphaOmega Captcha Classica  –  Enter Security Code