نجلاء السيد ((إسكندرية -مصر المحروسة ))
هل هو مجرد عالم افتراضي…
أم واقع تسلل إلينا بصمت قاتل،
حتى سرق منا شعورنا بالحياة،
وحولنا إلى كائنات تفكر…
ولا تشعر؟
أصبحنا نبحث دائمًا عن المزيد…
لا لأن ما لدينا لا يكفي،
بل لأننا اعتدنا ألا نكتفي.
ماذا لو كان هناك أفضل؟
سؤال بسيط…
تحول مع الوقت إلى نمط حياة.
إدمان كل ما هو جديد،
أفقد الأشياء قيمتها سريعًا،
حتى أصبح الشعور نفسه… مؤقتًا.
من الحماس إلى الملل…
نبدأ بحماس،
نندفع بشغف،
بطاقة واهتمام،
ونظن أننا نعيش هذا الإحساس بعمق… ولأول مرة.
لكن بعد وقت قصير،
يتلاشى كل شيء.
نترك ما بدأناه،
كأننا لم نرده يومًا،
وننتقل من شيء لآخر…
من هدفٍ لغيره،
من إحساس لبديله،
دون أن نبقى طويلًا مع أيٍ منها.
فماذا فعل بنا هذا العالم الافتراضي؟
لم يسرق وقتنا فقط…
بل أعاد تشكيل وعينا بالكامل.
جعلنا نعتاد السرعة،
ونملّ من كل ما يحتاج صبرًا.
أصبح تركيزنا هشًا،
ينتقل من شيء لآخر
قبل أن يفهم… أو يشعر.
لم نعد نعيش اللحظة،
بل نمرّ عليها سريعًا،
كأننا نخشى التوقف.
جعل كل شيء قابلًا للاستبدال…
الأفكار،
الأهداف،
وحتى المشاعر.
فإذا لم نشعر بالإثارة فورًا،
نبحث عن غيرها.
وإذا لم نجد الشغف سريعًا،
نترك ما بدأناه
دون أن نعطيه فرصة حقيقية.
ومع كثرة ما نراه…
أصبح ما نملكه عاديًا.
ومع كثرة المقارنات،
أصبح الشعور بالاكتفاء نادرًا.
فدائمًا هناك حياة “أفضل”
تُعرض أمامنا،
فننسى أن نعيش حياتنا نحن.
الأخطر من ذلك…
أننا لم نعد نهرب من الأشياء،
بل نهرب من أنفسنا داخلها.
نبحث عن أي تشتيت،
أي شاشة،
أي إحساس سريع…
فقط…
لنتجنب لحظة صمت
قد نواجه فيها ما نشعر به حقًا.
تحوّلنا من بشرٍ يعيشون حياتهم…
إلى أشخاصٍ يراقبونها من خلف الشاشات.
نمارس التفاصيل…
لكن دون أن نشعر بها.
أصبح الهاتف أقرب إلينا من أنفسنا،
لا يفارق أيدينا… ولا أعيننا.
ننام عليه،
ونستيقظ له،
وكأن يومنا لا يبدأ
إلا من خلاله.
ولعل السؤال هنا…
هل أصبح هذا اختيارًا واعيًا؟
أم سلوكًا تشكّل بداخلنا… دون أن ننتبه؟
الحقيقة أن الأمر لم يعد مجرد عادة،
بل نمط تفكير أعادت التكنولوجيا تشكيله.
فنحن لا نمسك الهاتف فقط،
بل نستجيب لإحساسٍ تعوّد عليه العقل…
إحساس البحث عن التحفيز السريع،
عن شيء جديد،
عن مكافأة فورية.
ومع تكرار هذا السلوك،
يتحوّل إلى رد فعل تلقائي،
نلجأ إليه دون تفكير…
حتى في أبسط لحظاتنا.
ولعل التفسير لا يتوقف عند العادة فقط…
تشير الأبحاث في علم الأعصاب
إلى أن استخدام الهاتف، خاصة في بداية اليوم،
يرتبط بما يُعرف بنظام “المكافأة” في الدماغ.
فعندما نفتح الهاتف،
ونجد إشعارًا… أو رسالة… أو محتوى جديدًا،
يفرز الدماغ مادة الدوبامين،
وهي المسؤولة عن الشعور بالمتعة والتحفيز.
ومع التكرار،
يعتاد العقل هذا النمط السريع من المكافأة،
فيبدأ في البحث عنه تلقائيًا…
حتى قبل أن نعي ما نفعل.
توضح الدكتورة آنا ليمبكي (Anna Lembke)
في كتابها Dopamine Nation (2021)
أن الإفراط في التعرض للمحفزات السريعة
يعيد تشكيل نظام المكافأة في الدماغ،
مما يجعلنا أقل صبرًا،
وأقل قدرة على الاستمتاع بالأشياء البسيطة أو البطيئة.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد…
فقد أظهرت دراسات في علم السلوك
أن تكرار هذا النمط يوميًا
يُكوّن ما يُعرف بـ”حلقة العادة”،
حيث يصبح:
فتح الهاتف → الحصول على تحفيز → الشعور المؤقت بالراحة
دائرة مغلقة يصعب كسرها مع الوقت.
وهنا لا يكون الهاتف مجرد أداة…
بل يصبح وسيلة للهروب،
من الصمت،
ومن التفكير،
وأحيانًا… من مواجهة أنفسنا. لكن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد…
فما يبدأ كسلوك بسيط،
يتحوّل مع الوقت إلى نمط حياة،
يترك أثره في كل شيء:
في تركيزنا…
في مشاعرنا…
وفي طريقة تواصلنا مع الآخرين.
وهنا تكمن العواقب…
حين يتغير كل شيء دون أن نلاحظ
أصبح تركيزنا أكثر تشتتًا،
ننتقل من فكرة لأخرى،
دون أن نمنح أيٍّ منها الوقت الكافي.
نشعر بالملل سريعًا،
حتى من الأشياء التي كنا نحبها،
لأن عقولنا اعتادت السرعة،
ولم تعد تتحمّل البطء.
تشير أبحاث في علم النفس
إلى أن التعرض المستمر للمحتوى السريع
يُضعف القدرة على التركيز العميق،
ويجعل الانتباه أقصر وأكثر تشتتًا.
المشاعر… حين تفقد عمقها
لم نعد نشعر كما كنا،
بل نمرّ بالمشاعر مرورًا سريعًا.
نفرح… لكن للحظات،
نملّ… بسرعة،
ونبحث دائمًا عن إحساسٍ جديد.
ومع كثرة ما نراه،
أصبح ما نملكه عاديًا،
ومع كثرة المقارنات،
أصبح الشعور بالاكتفاء نادرًا.
العلاقات… حضور أقل، وغياب أكثر
نحن متصلون دائمًا…
لكننا أقل حضورًا.
نجلس معًا،
لكن كلٌّ منا في عالمه الخاص.
أصبحت العلاقات أسرع،
وأقل عمقًا،
وأسهل في الانسحاب منها
بدلًا من الاستمرار فيها.
الأخطر من ذلك…
أننا لم نعد نهرب من الوقت فقط،
بل نهرب من أنفسنا.
من لحظة صمت،
من فكرة عميقة،
من شعور حقيقي قد يظهر
إذا توقّفنا قليلًا. كيف نواجه هذا الواقع؟
ربما لا نستطيع الهروب من هذا العالم،
ولا يمكننا إنكار وجوده…
لكن يمكننا أن نعيد
تشكيل علاقتنا به.
1.التباطؤ… كاختيار واعٍ
في عالمٍ يفرض السرعة،
يصبح التباطؤ مقاومة.
أن نتوقف قليلًا قبل أن نمدّ أيدينا للهاتف،
أن نؤجل الاستجابة،
أن نمنح أنفسنا لحظة صمت…
تشير أبحاث في علم النفس
إلى أن كسر “الاستجابة التلقائية”
يساعد الدماغ على استعادة التحكم،
بدلًا من الانسياق وراء العادة.
تقليل المحفزات السريعة
ليس كل ما يظهر أمامنا
يستحق أن نراه.
تقليل الإشعارات،
وتحديد وقت لاستخدام الهاتف،
يخفف من الاعتماد على المكافآت الفورية.
وتوضح الدكتورة آنا ليمبكي (Anna Lembke)
أن تقليل التعرض للمحفزات
يساعد على إعادة توازن نظام المكافأة في الدماغ،
ويُعيد للإنسان قدرته على الاستمتاع بالأشياء البسيطة.
إعادة تعلّم الصبر
بعض الأشياء لا تمنحنا إحساسًا سريعًا،
لكنها تمنحنا معنى عميقًا.
القراءة،
التعلّم،
بناء العلاقات،
كلها تحتاج وقتًا…
لكنها في المقابل،
تمنحنا إحساسًا لا يختفي سريعًا.
العودة إلى الواقع الحقيقي
أن نعيش اللحظة كما هي،
دون وسيط،
دون شاشة.
أن نتحدث… بصدق،
أن نصمت… بوعي،
أن نشعر… دون استعجال.
الوعي… البداية الحقيقية
أول خطوة ليست في التغيير،
بل في الانتباه.
أن ندرك أننا لا نمسك الهاتف دائمًا لأننا نريده،
بل لأننا تعوّدنا عليه.
وهذا الإدراك وحده…
كفيل بأن يغير الكثير.
** ربما لم تكن المشكلة يومًا
في وجود الشاشات…
بل في أننا
سمحنا لها أن تقترب أكثر مما ينبغي.
حتى أصبحت بيننا وبين الحياة،
لا نراها إلا من خلالها،
ولا نشعر بها… كما يجب.
وربما…
لا نحتاج أن نبتعد عنها تمامًا،
بقدر ما نحتاج
أن نعود إلى أنفسنا قليلًا.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
