نشرة المدار الخليجية
اتفاق أمريكي-إيراني مبدئي على 14 نقطة لتمديد الهدنة وفتح هرمز: ترامب ينتظر التوقيع وطهران تتحفّظ
توصّل المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون إلى إطار مبدئي لمذكرة تفاهم تتضمن أربع عشرة نقطة، لتمديد وقف إطلاق النار القائم ستين يوماً إضافية وانطلاق مفاوضات نووية نحو تسوية نهائية، وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية لوكالات دولية في الثامن والعشرين من مايو 2026. تتعثر نقطة واحدة هي الأحرج: مستقبل مضيق هرمز الذي أقدمت إيران على إغلاقه فعلياً منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، وأعلنت في الخامس من مايو تأسيس «هيئة مضيق الخليج الفارسي» لتنظيم عبوره وفرض رسوم على السفن.
ترامب أعلن علناً أن الاتفاق «محسوم في معظمه»، وأن هرمز «سيُفتح»، غير أن طهران سارعت لنفي الصياغة الأمريكية عبر وكالة «فارس» شبه الرسمية. الوفد الإيراني الرفيع — مفاوض الملف النووي والوزير عباس عراقجي — أجرى مشاورات مكثفة في الدوحة مع رئيس الوزراء القطري في الفترة الممتدة من الخامس والعشرين إلى الثامن والعشرين من مايو، في إطار وساطة قطرية-باكستانية نشطة يرعاها رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير.
على الأرض، لا يزال الحصار البحري الأمريكي ساري المفعول، ولا تزال حركة ناقلات النفط عبر المضيق شبه معدومة. سجّل البنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي تحذيراً رسمياً من التعامل مع صدمة أسعار النفط باعتبارها «مؤقتة»، فيما تراوحت أسعار النفط في مايو بين 100 و144 دولاراً للبرميل تبعاً لتقلبات أخبار التفاوض.
كبير محللي الشأن الإيراني في مجلس العلاقات الخارجية تشارلز كوبتشان لخّص المشهد بعبارة دقيقة: «هذا ديدن إدارة ترامب — يوماً يميناً ويوماً يساراً. المحادثات الحقيقية سرية، ولا يمكن للتصريحات العلنية أن تكون المعيار».
الإمارات تغادر أوبك+ بعد ستة عقود: قرار أبوظبي الانفرادي يُعمّق الشرخ السعودي-الإماراتي ويُعيد رسم خريطة الطاقة العالمية
أعلنت الإمارات العربية المتحدة في الأول من مايو 2026 انسحابها الرسمي من منظمة أوبك وتحالف أوبك+ بعد ستة عقود من العضوية، في قرار وصفه وزير الطاقة سهيل المزروعي بأنه «جاء بعد مراجعة حذرة ومعمّقة لكل الاستراتيجيات»، مؤكداً أنه لم يُبلّغ أي دولة أخرى بالقرار قبل الإعلان — في إشارة صريحة إلى أن الرياض لم تكن في الصورة.
ويكشف توقيت الانسحاب عن حسابات استراتيجية معقدة: مع إغلاق مضيق هرمز الذي تسبّب في انهيار صادرات المنطقة، رأت أبوظبي أن هذا هو «الوقت المناسب» للتحرر من قيود أوبك التي طالما عرقلت طموحاتها لزيادة طاقتها الإنتاجية البالغة 4.8 مليون برميل يومياً. بيانات أوبك لشهر مارس أظهرت تراجع إنتاج الإمارات بنسبة 44%، والكويت 53%، والعراق 61%، والسعودية 23% جراء عدم القدرة على التصدير عبر الممر الخليجي المغلق.
أعلنت السعودية أنها ستعتمد على خط أنابيب الشرق-الغرب لإعادة توجيه الصادرات نحو البحر الأحمر، غير أن هذا الخط تعرّض في مايو لهجوم إيراني قلّص طاقته بمقدار 700 ألف برميل يومياً. وصفت وكالة الطاقة الدولية الوضع بـ«الصدمة غير المسبوقة»: أكثر من مليار برميل خسائر تراكمية وأكثر من 14 مليون برميل يومياً محتجزة.
خسارة الإمارات تطرح تساؤلاً جوهرياً أبعد من الطاقة: هل ينبئ الانسحاب بتحول في موازين الثقل الاستراتيجي خليجياً، في اتجاه تحالفات أكثر براغماتية ومرونة من الارتباطات الجماعية التقليدية؟
البحرين تفكك «الخلية الرئيسية» للحرس الثوري: 41 موقوفاً و11 منسقاً في طهران — الرياض وأبوظبي يُباركان الاعتقالات
كشفت وزارة الداخلية البحرينية في التاسع من مايو 2026 عن تفكيك ما وصفته «التنظيم الرئيسي» المرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر «ولاية الفقيه»، مُعلنةً القبض على أحد وأربعين شخصاً من أعضاء الخلية، إضافةً إلى أحد عشر عنصراً آخرين يتمركزون في طهران ويمثلون حلقة الوصل المباشرة بين الحرس الثوري والخلية داخل البحرين، وجارٍ استكمال الإجراءات القانونية بحقهم.
وكشفت الداخلية أن التنظيم قائم على أعضاء من «المجلس العلمائي» المنحل بحكم قضائي، وأن عناصره قاموا بتأسيس جماعة إرهابية وتمويل الإرهاب والتخابر مع دولة أجنبية — إيران — ومنظمات إرهابية في العراق ولبنان، وتلقّي تدريبات عسكرية في هذا الإطار. وتزامنت الحملة الأمنية مع اندلاع الحرب الأمريكية-الإيرانية والضغط الخليجي المتزايد على طهران.
جاء الرد الخليجي فورياً: أعلنت وزارة الخارجية السعودية «دعمها الكامل للإجراءات التي اتخذتها البحرين الشقيقة»، فيما أعربت الإمارات بدورها عن التضامن المطلق. وأكد أمين مجلس التعاون الخليجي أن «دول الخليج تدعم إجراءات البحرين للحفاظ على أمنها». ويأتي هذا الدعم الجماعي في سياق تصاعد المخاوف من نشاط الوكلاء الإيرانيين في المنطقة، في ظل الحرب المفتوحة على إيران.
دلالة التوقيت بالغة: تفكيك هذه الخلية في مرحلة التفاوض يُشير إلى مسار مزدوج تنتهجه المنامة — التفاوض علناً على هدنة، والتصفية الأمنية سراً. سؤال يطرح نفسه: هل يمكن لمفاوضات هرمز أن تُكلَّل بالنجاح في ظل عمليات الوكالة الجارية في الدول الخليجية؟
الدوحة تحتضن الوفد الإيراني الرفيع: قطر تُعيد تثبيت دورها وسيطاً لا غنى عنه في أخطر أزمة خليجية منذ عقود
أعاد المشهد الدبلوماسي لمايو 2026 قطرَ إلى موقعها التقليدي وسيطاً غير قابل للاستبدال في أعقد أزمة إقليمية منذ عقود. في الخامس والعشرين من مايو، توجّه المفاوض الإيراني الأول ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى الدوحة لمحادثات مباشرة مع رئيس الوزراء القطري، وذلك بعد أيام قليلة من إعلان ترامب أن اتفاقاً كان «على وشك» إعلانه — وهو ما نفته طهران فوراً عبر وكالة «فارس».
تحرّكت الدوحة على مسارات متوازية: اتصل أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني في الرابع والعشرين من مايو بكلٍّ من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد لإطلاعهما على مستجدات المحادثات، فيما انضم الوسيط الباكستاني رئيس الأركان عاصم منير إلى الجهود الدبلوماسية بعد زيارته طهران. كما وصل فريق قطري مفاوض منسق مع واشنطن إلى العاصمة الإيرانية في الثامن والعشرين من مايو.
نقطة الخلاف الجوهرية كما كشفها المتحدث الإيراني باقري: مذكرة التفاهم تتضمن أربع عشرة نقطة تُركّز على وقف الحرب ورفع الحصار البحري الأمريكي مقابل خطوات إيرانية لضمان مرور آمن في مضيق هرمز، لكن طهران لم تتخلَّ حتى الآن عن مطلب السيادة على المضيق ونظام رسوم العبور الذي أسّسته «هيئة مضيق الخليج الفارسي».
وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لخّص المعادلة من نيودلهي بعبارات حادة: «سنمنح الدبلوماسية كل فرصة للنجاح، وإلا واجهنا إيران بطريقة أخرى». وخلف هذه العبارة تكمن المعضلة الكبرى: الاتفاق الممكن تقنياً معقّد سياسياً بسبب وجود إسرائيل التي لم تُعلن موقفها بصوت مسموع.
إنتاج أرامكو يتراجع 23% وخط الشرق-الغرب يُقاوم: المملكة تراهن على مسارات التحايل لتجاوز أزمة هرمز الأعمق في تاريخ النفط
تتعامل المملكة العربية السعودية مع الأزمة الأعمق التي عرفتها صناعة النفط منذ تأسيسها، وفق تقييم وكالة الطاقة الدولية التي وصفت الوضع بـ«الصدمة غير المسبوقة»: أكثر من مليار برميل خسائر تراكمية منذ إغلاق هرمز في أواخر فبراير، وأكثر من أربعة عشر مليون برميل يومياً من إنتاج الخليج محتجزة. تراجع إنتاج أرامكو من 10.1 مليون برميل يومياً إلى 7.8 مليون — بنسبة 23% — وهو تراجع حاد في بلد تُشكّل عائدات النفط ما يزيد على 60% من إيراداته الحكومية.
لجأت الرياض إلى خط أنابيب الشرق-الغرب (Petroline) كممر تصدير بديل نحو البحر الأحمر والموانئ الغربية، غير أن هذا الخط تعرّض في مايو لهجوم إيراني قلّص طاقته بمقدار 700 ألف برميل يومياً من أصل سبعة ملايين. رد أرامكو بتسريع أعمال الصيانة الطارئة، وتحمّل المملكة تكاليف الشحن الإضافية لإيصال صادراتها عبر رأس الرجاء الصالح — وهو المسار الأطول والأكثر تكلفة.
ضخّت رؤية 2030 تنويعاً اقتصادياً لا بأس به في السنوات الماضية، لكن كشفت الأزمة أن النسيج الاقتصادي السعودي لا يزال عميق الارتباط بأسعار النفط وإمكانية التصدير. يُلاحَظ في هذا السياق التصاعد الأمريكي الاستثنائي في إنتاج النفط الصخري الذي بلغ مستويات قياسية لسد الفجوة، مما يعني أن الرياض تجد نفسها في وضع مفارق: تريد نهاية الحرب لإعادة الصادرات، لكنها تعلم أن كل يوم إضافي يُرسّخ هيمنة المنتجين خارج أوبك.
الرهان الأقصى لمحمد بن سلمان: إذا أُغلق هرمز لأشهر طويلة، تستنزف الخزانة السعودية احتياطياتها وتتراجع القدرة على تمويل رؤية 2030. ولهذا، الرياض اليوم هي الأكثر حاجةً للاتفاق — وليس واشنطن التي يُنتج منتجوها النفط بأرقام قياسية.
«لا نقص في السلع» لكن التكاليف ترتفع: دول الخليج تُطمئن مواطنيها وتُعيد رسم خطوط الاستيراد في زمن الحرب
أطلقت حكومات دول مجلس التعاون الخليجي الست تطمينات رسمية متكررة خلال مايو 2026 تؤكد أن «احتياطيات السلع الغذائية كافية»، وأن جهوداً مكثفة تُبذل لإعادة توجيه خطوط الاستيراد نحو مسارات تتجاوز هرمز المُغلق، إذ باتت الرياض والدوحة وأبوظبي والمنامة تستورد جزءاً متزايداً من احتياجاتها عبر قناة السويس أو رأس الرجاء الصالح.
غير أن التطمين الرسمي لا يُخفي ضغطاً اقتصادياً حقيقياً: تكاليف الشحن البحري بين أوروبا وآسيا والخليج تضاعفت أو تضاعفت ثلاث مرات بسبب مخاطر التأمين على المسارات المارة بمنطقة النزاع. فيما تتسع فجوة التضخم في الأسواق الخليجية الداخلية، خصوصاً في قطاعات الغذاء والبناء والسلع المستوردة. وأعلن رئيس مجموعة نفط الكويت أن أشهراً ستمر قبل أن يعود الإنتاج لمستويات ما قبل الحرب.
على مستوى السياسة الداخلية، ضخّت الحكومات دعماً إضافياً على أسعار الوقود المحلي والمواد الغذائية الأساسية للحد من التداعيات الاجتماعية، في ظل توقعات بضغوط متصاعدة على الأسر ذات الدخل المحدود، وتحديداً العمالة الوافدة التي تُشكّل ثقلاً ديموغرافياً هاماً في دول كقطر والإمارات والكويت.
في المحصلة، المشهد الاجتماعي الخليجي يؤدي وظيفته في ظل ضبط أمني مُحكم وحضور إعلامي رسمي يُقلّص هامش الصوت المعارض. لكن معادلة العقد الاجتماعي الخليجي التقليدية — رفاه مقابل ولاء — دخلت في امتحان استثنائي لأول مرة منذ عقود.
