نجلاء السيد ((مصر ))
جلستُ في شرفة غرفتي…
كانت السماء تمطر بغزارة، والرعد يهز الأرجاء، والبرق يخطف الأبصار، وكأن الكون كله يصرخ في وجوهنا:
“ترفقوا بالقلوب… فليست كل القلوب تحتمل الكسر.”
جلست أحدق في المطر، بينما كانت أفكاري تهرب بي إلى سنوات مضت…
إلى امرأة لم تطلب مني يومًا مالًا، ولا هدية، ولا سفرًا، ولا بيتًا.
كل ما كانت تتمناه…
أن تمشي بجواري.
سألت نفسي وأنا أراقب قطرات المطر وهي تتساقط بلا توقف:
كيف نقبل أن نكسر القلب الوحيد الذي أحبنا بلا مقابل؟
كيف نؤجل طلبًا بسيطًا من أم، بينما نجد الوقت لكل شيء ولكل الناس؟
وكيف لا ندرك أن جبر خاطرها قد يكون أعظم عبادة، وأعظم هدية نقدمها لها؟
امتدت يدي إلى هاتفي…
فتحت محادثة “واتساب” قديمة.
كانت محادثة أمي.
وجدت رسالتها ما زالت مثبتة كما تركتها منذ سنوات…
وكأنها كانت تعرف أن يومًا سيأتي، سأقرأها فيه بعينين تملؤهما الدموع، لا بعينين كانتا مشغولتين بالحياة.
فتحت الرسالة…
وبدأت أقرأ…
“حبيبتي… يوم سعيد إن شاء الله.
بس أنا معنديش صحاب أخرج معاهم غيرك.
ولما خرجت لوحدي زهقت ومشيت على طول، وكنت رايحة لشغلي.
عرفتي ليه أنا بزعل لما بلاقيكي ليكي صحاب غيري؟
عرفتي ليه لما بقولك نخرج ترفضي، وبعدها ألاقيكي نازلة مع صحابك؟
نفسي مكسورة… وآخدة على خاطري أوي.”
توقفت…
لم أستطع أن أكمل.
شعرت وكأن كل كلمة خرجت من شاشة الهاتف لتقف أمامي وتسألني:
“ألم تفهمي بعد؟”
لم تكن أمي تعاتبني…
ولم تكن توبخني…
كانت فقط تخبرني أن خاطرها انكسر.
تذكرت ذلك اليوم جيدًا…
اعتذرت لها بحجة العمل والإرهاق.
وفي صباح اليوم التالي…
وقفت أمامها أطلب منها بعض المال، لأخرج مع صديقاتي.
أعطتني المال…
ولم تقل شيئًا.
ثم أرسلت لي تلك الرسالة.
يا الله…
كم كنت عمياء!
كيف لم أفهم أن أمي لم تكن تريد الخروج…
كانت تريدني أنا.
كانت تريد أن تمشي بجواري، وتحدثني، وتضحك معي، وتقول في قلبها:
“هذه ابنتي… قطعة من عمري.”
لم أجبر خاطرها…
ولم ألبِّ طلبها.
كنت أنفذ ما أريده أنا…
وأؤجل ما تريده هي.
وكنت أظن أن الفرصة لن تضيع.
كنت أظن أنها ستطلب مرة أخرى.
لكنها لم تطلب.
ليس لأنها لم تعد ترغب في الخروج…
بل لأن شيئًا بداخلها انكسر.
وهناك أشياء…
إذا انكسرت…
لا تعود كما كانت.
ماتت الرغبة.
ومات معها ذلك البريق الذي كان يملأ عينيها كلما قالت لي:
“تعالي نمشي شوية.”
مرت السنوات…
ورزقني الله بابنة.
وفي يوم، وجدت نفسي أطرق باب غرفتها دون أن أعرف لماذا اشتقت إليها كل هذا الشوق.
قلت لها بابتسامة:
“تعالي يا حبيبتي… نمشي شوية.”
جاءني الرد سريعًا…
“يا ماما… انتي متعودة تخرجي لوحدك، وعودتينا إحنا كمان نخرج من غيرك… إيه الطلب الغريب ده؟”
تجمدت يدي فوق مقبض الباب.
وشعرت أن الزمن توقف.
لم أعد أسمع صوت ابنتي…
كنت أسمع صوت أمي.
وأقرأ رسالتها من جديد.
وأشعر بكسرة قلبها…
لكن هذه المرة…
كانت تسكن قلبي أنا.
عندها فقط…
فهمت لماذا كانت تتألم كلما رأتني أخرج مع صديقاتي بعد أن أرفض الخروج معها.
لم تكن تغار منهن…
كانت تتمنى أن تكون هي صديقتي.
في تلك اللحظة…
لم أتمنَّ شيئًا في الدنيا…
إلا أن يعود الزمن دقائق قليلة.
أن أجلس تحت قدمي أمي.
أن أقبل يديها.
أن أقول لها:
“قومي يا أمي… اليوم أنا من يريد أن يمشي معك.
أنا من يريد أن يمسك يدك أمام الناس.
أنا من يريد أن يخبر العالم كله… أن هذه المرأة هي أمي.”
لكن…
بعض الأمنيات لا يمنحها الزمن فرصة ثانية.
وليس لأن أصحابها رحلوا…
بل لأن الرغبة نفسها قد ماتت.
لقد تعودت أمي على الوحدة…
كما طلبتُ منها يومًا.
ولم تعد تنتظرني.
ليس كلُّ كسرٍ يُجبر…
احذر أن تكسر خاطر أحد…
فليس كل كسرٍ يُجبر.
هناك قلوب تسامح…
لكنها تتوقف عن الانتظار.
وتتوقف عن الطلب.
ليس لأنها لم تعد تحب…
بل لأنها تعبت من الرفض.
واحذر… ثم احذر… أن يكون القلب الذي كسرته هو قلب أمك.
فهي لا تطلب منك نزهة…
ولا كوب قهوة…
ولا ساعة من وقتك.
هي تطلب أن تشعر أنها ما زالت تحتل مكانًا في قلبك.
لا تؤجل جبر خاطرها.
فقد يأتي يوم تذهب إليها لتقول:
“هيا يا أمي… لنخرج.”
فتبتسم لك وتقول بهدوء:
“لا يا حبيبي… لا يا ابنتي… لقد تعودت.”
واعلم…
أن كلمة “تعودت” ليست دائمًا علامة قوة…
أحيانًا تكون شاهدًا على قلبٍ انكسر حتى ماتت فيه الرغبة.
وليس كلُّ كسرٍ يُجبر.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
