فريحة المريمي
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_لم يبقَ من العائلة سوى كُتيّبٍ صغير ، أزرق الغلاف ، مهترئ الحواف ، يحمل أسماءهم جميعاً بخطٍ واحد .
كان كُتيّب العائلة محفوظاً في درجٍ خشبي قديم ، لم يفتحه أحد منذ يوم حادثة التفجير .
كأن فتحه إعتراف ، وكأن الصفحات إذا تنفّست
ستعيد الوجع كاملاً .
في الصفحة الأولى ، إسم الأب ، تحتها الأم ، ثم الأبناء واحداً واحداً ، تواريخ الميلاد مصطفّة بدقة ، كأنها كانت تخطّط لحياة طويلة ، لا لنهاية واحدة ، رحلوا جميعاً في يومٍ واحد .
لم يكن وداعاً. ولا ترتيباً ، كان غياباً مفاجئاً ، كمن أطفأ الضوء دفعة واحدة .
البيت بقي واقفاً ، الأثاث في مكانهِ ، الملابس معلّقة ، والكراسي تنتظر من لا يأتي .
حتى الساعة على الحائط ، تابعت دورانها بلا إكتراث .
الجيران كانوا يمرّون بصمت ، ينظرون إلى الباب المغلق ، ثم يُخفضون رؤوسهم .
لا أحد يعرف كيف يُعزّى بيتٌ فارغ .
بعد أشهر ، دخل أحد الأقارب ليرتّب الأوراق .
فتح الدرج ، وجد الكُتيّب .
تصفّحه ببطء ، توقّف عند الأسماء ، قرأها بصوتٍ منخفض ، كأنه يستدعيهم واحداً واحداً .
قال في نفسه :
هنا كانوا عائلة كاملة ، ضحكات. شجارات صغيرة ، أحلام عادية ، لا تُكتب في الكُتيّبات .
الكُتيّب لا يحكي كيف كانوا يجلسون مساءً ، ولا كيف كانت الأم تنادي أبناءها ، ولا كيف كان الأب يتأخر ويعود متعباً .
الكُتيّب لا يعرف الحب ، ولا الخوف ، ولا تفاصيل الحياة .
لكنه اليوم ، صار الشاهد الوحيد ، أنهم مرّوا من هنا .
أُعيد الكُتيّب إلى الدرج ، وأُغلق البيت من جديد .
البيوت التي تفقد أهلها لا تُباع ، ولا تُرمّم ، تُترك فقط
لتتعلّم الصمت .
بقي كُتيّب العائلة ، يضمّهم كما لم يضمّهم القبر ، كلهم في صفحات واحدة ، بلا فواصل ، بلا وداع .
عائلة كاملة ، أختُصرت في كُتيّب ، وفي ذاكرة مدينة ، ما زالت حين تمرّ من هناك ، تبطئ خطاها أحتراماً .
ًشبكة المدار الإعلامية الأوروبية…_
