ألطاف موتي–(كاتب باكستاني باحث سياسي واقتصادي)
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_على مدار أكثر من نصف قرن، حكمت معادلة صامتة أمن الشرق الأوسط، عُرفت بـ “سياسة الغموض النووي” . فمنذ عام 1969، لم تعترف إسرائيل قط بامتلاكها أسلحة نووية، وفي المقابل، أحجمت الولايات المتحدة عن طرح أي تساؤلات. هذا التوافق الضمني سمح لواشنطن بدعم حليفتها مع تجنب التبعات القانونية والسياسية لانتشار السلاح النووي في المنطقة. بيد أن أحداث مطلع عام 2026 حطمت هذا “التابو” الراسخ؛ فالحرب الأخيرة بين إسرائيل وإيران لم تكتفِ بتدمير البنى التحتية المادية فحسب، بل أجهزت فعلياً على سياسة الغموض. وللمرة الأولى، بدأت واشنطن تقر علانية بواقع الترسانة الإسرائيلية.
جذور الميثاق السري
لفهم أبعاد هذا التحول، يجب العودة إلى اللقاء التاريخي بين ريتشارد نيكسون وغولدا مائير، حيث وُضع إطار تظل بموجبه إسرائيل دولة “على العتبة النووية” في نظر الرأي العام. سمح هذا المسار للولايات المتحدة بتجاهل قوانينها الخاصة المتعلقة بالمساعدات الموجهة للدول المسلحة نووياً، كما حال دون اندلاع سباق تسلح إقليمي لعقود. كان العالم يدرك أن منشأة “ديمونا” في صحراء النقب هي مركز لإنتاج الأسلحة النووية، وأكدت صور الأقمار الصناعية والمنشقون ذلك، ومع ذلك ظل الخطاب الدبلوماسي الرسمي صامتاً. كان هذا الصمت هو “النظام الدولي القائم على القواعد” في أبهى صوره؛ مجرد “خيال نفعي” خدم المصالح الغربية لأكثر من خمسين عاماً.
الشرارة: ضربات مارس 2026
جاءت نقطة التحول خلال الصراع العنيف في شهري فبراير ومارس 2026. وخلافاً لحروب الظل السابقة، شهد هذا الصراع تبادلاً مباشراً للصواريخ الباليستية. وفي 21 مارس 2026، سقطت صواريخ تقليدية قرب منطقتي “عراد” و”ديمونا”، مما أثار ذعراً عالمياً فورياً، ووضع العالم أمام تساؤل مرعب: ماذا سيحدث لو أدت ضربة تقليدية إلى رد فعل نووي؟
للمرة الأولى، تحول غياب الشفافية من ميزة استراتيجية إلى عبء أمني. أدرك المحللون العسكريون في واشنطن أن “الغموض” يؤدي إلى سوء تقدير؛ فإذا لم تدرك إيران “الخطوط الحمراء” النووية الإسرائيلية بدقة، فقد تتجاوزها عن غير قصد. وفي المقابل، إذا شعرت إسرائيل أن رادعها “غير مرئي”، فقد تلجأ لاستخدامه بشكل استباقي. أثبت ضباب الحرب في 2026 أن الأسرار تصبح خطراً داهماً أثناء الانهيارات الإقليمية، مما دفع واشنطن لتعريف معايير القوة الإسرائيلية لإنقاذ المنطقة من كارثة نووية محتملة.
رسالة روبيو: زلزال سياسي
انتقل التحول من ساحة المعركة إلى أروقة الحكم في مايو 2026، حيث وجهت مجموعة من ثلاثين مشرعاً أمريكياً رسالة رسمية إلى وزير الخارجية “ماركو روبيو”. مثلت هذه الوثيقة خرقاً تاريخياً في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ طالب المشرعون بإحاطة كاملة حول القدرات النووية الإسرائيلية، مؤكدين أن دافع الضرائب الأمريكي لا يمكنه الاستمرار في تمويل حرب دون معرفة حجم المخاطر الحقيقية.
وجاء رد الوزير روبيو أكثر صدمة؛ فبدلاً من العبارة المعتادة “لا نعلق على قضايا استخباراتية”، بدأت الإدارة مناقشة “الأمن والتنسيق النووي” مع حليفتها. هذا الاختيار للمصطلحات يعد اعترافاً ضمنياً بالواقع، إذ لا يمكن تنسيق الأمن النووي مع دولة لا تملك سلاحاً نووياً. بهذا الخطاب، أنهت الحكومة الأمريكية فعلياً حقبة الإنكار، وخرج السر إلى العلن بلسان واشنطن نفسها.
من أصل استراتيجي إلى عبء استراتيجي
لعقود، نظرت الولايات المتحدة إلى ترسانة إسرائيل السرية كعامل استقرار صامت، أو “بوليصة تأمين نهائية”. إلا أن حرب 2026 غيرت هذه الرؤية، وبات قطاع عريض في الاستخبارات الأمريكية يرى الترسانة السرية كـ “عبء استراتيجي” .
إن اعتراف واشنطن بإسرائيل كقوة نووية يضعها تحت ضغط قانوني هائل؛ فالقوانين الأمريكية (مثل تعديلي سمينغتون وغلين) تحظر تقديم المساعدات للدول التي تمتلك أسلحة نووية خارج معاهدة منع الانتشار النووي (NPT). وبإقرارها بوجود القنابل، أصبحت واشنطن مجبرة على الاختيار: إما تغيير قوانينها أو تغيير طبيعة علاقتها بإسرائيل. هذا التوتر يخلق حالياً صدعاً كبيراً بين البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية، حيث تُختبر “العلاقة الخاصة” بنفس الأسلحة التي وُجدت لحمايتها.
التفاعلات الإقليمية: نهاية “المعايير المزدوجة”
بالنسبة لـ الجمهور في عموم الشرق الأوسط، تمثل هذه التطورات لحظة إنصاف تاريخي. فعلى مدار خمسين عاماً، أشار المراقبون الإقليميون إلى وجود معايير مزدوجة صارخة؛ فبينما واجهت إيران عقوبات مشددة بسبب برنامج مدني، تلقت إسرائيل مليارات المساعدات رغم امتلاكها برنامجاً عسكرياً. إن موت الغموض ينزع القناع عن حالة التناقض التي وسمت السياسات الغربية.
في عواصم مثل الرياض والقاهرة والدوحة، تغير محور النقاش؛ فإذا كانت إسرائيل قوة نووية معترفاً بها، فإن الدعوة لجعل الشرق الأوسط “منطقة خالية من السلاح النووي” تصبح أكثر إلحاحاً. وفي المقابل، قد يدفع ذلك قوى إقليمية أخرى للسعي وراء رادعها الخاص. إن “انفتاح إسلام آباد” ومحور (الصين-إيران-باكستان) الجديد يناقشون بالفعل نموذج “الردع متعدد الأقطاب”، الذي يقوم على أن السلام الإقليمي لا يتحقق إلا بضمانات أمنية متساوية للجميع. لقد أصبح احتكار الغرب للأمن أمراً مستحيلاً بعد انكشاف الترسانة الإسرائيلية.
تأثيرات الانهيار على نظام “منع الانتشار”
تمثل نهاية الغموض ضربة قاصمة لنظام منع الانتشار النووي العالمي. لقد بنيت معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية على فكرة أن خمس قوى ‘رسمية’ فقط يحق لها امتلاك السلاح النووي، وكانت إسرائيل دائما هي ‘الاستثناء’. والآن بعد خروج الاستثناء للعلن، تبدو قواعد المعاهدة محطمة.
تراقب دول “الجنوب العالمي” هذا المشهد بكثير من التمعن، حيث ترى كيف يمكن لدولة أن تبني ترسانة سرية لنصف قرن وتظل تحظى بالدعم الكامل من القوة العظمى. هذا الإدراك قد يشجع دولاً أخرى على سلوك المسار ذاته. لقد أثبتت حرب 2026 أن المعاهدات القديمة لم تعد كافية لإدارة عالم متعدد الأقطاب، كما تضررت مصداقية الأمم المتحدة كحارس للأمن النووي؛ فإذا كانت القواعد تُطبق على البعض دون الآخر، فإنها ستنتهي إلى ألا تُطبق على أحد.
وضوح جديد ومحفوف بالمخاطر
دخل العالم حقبة “ما بعد الغموض”. ورغم أن الحقيقة أفضل دائماً من الزيف، إلا أن هذا الوضوح الجديد يحمل مخاطر جسيمة. نحن ننتقل من “شرق أوسط صامت” إلى “شرق أوسط مسلح علانية”. إن وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة باكستانية ليس سوى هدنة مؤقتة.
كان اعتراف واشنطن بالترسانة الإسرائيلية خطوة وليدة اليأس، ومحاولة أخيرة لترسيم “خطوط حمراء” تمنع كارثة عالمية إبان ذروة الصراع. لكن بكسر هذا “التابو”، حطمت الولايات المتحدة أيضاً ركيزة أساسية من ركائز سياستها الإقليمية. لقد مات “النظام الدولي القائم على القواعد”، وحل محله واقع خام متعدد الأقطاب تُقاس فيه القوة بمدى وضوح القدرة النووية. حقبة الأسرار انتهت، وبدأت حقبة المواجهة المباشرة والخطرة. وبالنسبة لشعوب الشرق الأوسط، فإن الكشف عن “ديمونا” ليس مجرد حدث دبلوماسي، بل هو إشارة بأن على المنطقة الآن بناء هيكل أمني خاص بها، بعيداً عن الروايات الفاشلة للماضي.
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
