شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_تتصاعد المخاوف من عودة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وإيران من جانب آخر، لاسيما وأن مسار المفاوضات لايزال غامضًا، في ظل تمسك الولايات المتحدة بشروطها، وإصرار إيران على مطالبها. ورغم أن دول الخليج لم تكن طرفًا في التوترات السابقة بين إيران والولايات المتحدة، إلا أنها أصبحت في دائرة الهجمات الإيرانية، إضافة إلى تضررها بشكل كبير من إغلاق مضيق هرمز، وبالمثل تضررت دول أوروبا من تداعيات حرب إيران وحصار المضيق، ما يطرح احتمالية تشكيل تحالف أوروبي خليجي، للدفع نحو التهدئة وحماية الملاحة الدولية.
التهديدات الأمنية في الخليج
– أمن مضيق هرمز: انتقلت التوترات بين إيران والولايات المتحدة إلى مضيق هرمز، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 أبريل 2026، فرض حصارًا على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز، ردًا على استمرار إغلاق إيران للمضيق لحين رفع العقوبات. ورغم إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في 17 أبريل، فتح المضيق كليًا أمام السفن التجارية، تماشيًا مع هدنة قصيرة مرتبطة بوقف إطلاق النار في لبنان. عادت إيران لإغلاقه مرة أخرى، بعد أقل من 24 ساعة، ردًا على مواصلة الولايات المتحدة حصار الموانئ الإيرانية.
تطور الوضع بالمضيق، مع انطلاق مشروع “الحرية” في 4 مايو 2026، وبرر دونالد ترامب المشروع، بهدف مساعدة السفن المحايدة على مغادرة المنطقة بأمان. في 4 و5 مايو 2026، وقعت مواجهات بمضيق هرمز، دمرت خلالها القوات الأمريكية (7) زوارق إيرانية صغيرة، كانت تحاول عرقلة مرور السفن التجارية المحمية. سرعان ما أعلن ترامب تعليق المشروع، لإتاحة الفرصة للمفاوضات مع إيران، بناءً على طلب من باكستان ودول أخرى.
في هجوم مباغت، تعرضت (3) مدمرات أمريكية لهجوم إيراني أثناء عبورها المضيق باتجاه خليج عمان، واستخدم الحرس الثوري الإيراني صواريخ كروز وطائرات مسيرة وزوارق هجومية سريعة. في المقابل أعلنت واشنطن تدمير (6) زوارق إيرانية وطائرات مسيرة، بعد استخدام السفن أنظمة الدفاع القريب “CIWS” ومروحيات أباتشي لصد الهجوم. ما يمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد أمن المضيق. وعاد ترامب في 9 مايو 2026، ليهدد باستئناف مشروع الحرية بلس، في حال فشل مسار المحادثات.
كشفت المواجهات بين واشنطن وطهران في مضيق هرمز، عن إمكانية تحول الممرات المائية الدولية إلى أوراق ضغط في الصراعات، لاسيما وأن واشنطن عززت من وجودها العسكري بالمضيق، بنشر آلاف الجنود وعشرات المدمرات، بجانب وضع خطة لاستهداف القدرات الإيرانية، في حال فشلت الهدنة. في المقابل لجأت إيران إلى تكتيكات متطورة، بزرع الألغام البحرية، واستخدام الزوارق البحرية والمسيرات الانتحارية.
– تهديدات الملاحة الدولية: يمثل مضيق هرمز ممرًا حيويًا للتجارة العالمية، حيت يمر عبره حوالي (20%) من استهلاك النفط العالمي، وربع تجارة النفط المنقولة بحرًا. وخلال 2025، مر عبره نحو (20) برميل نفط يوميًا، منها (80%) كانت متجهة للأسواق الآسيوية، وتحديدًا الهند، والصين، وكوريا الجنوبية، واليابان. مع بداية حرب إيران في 28 فبراير 2026، حظرت إيران الملاحة، ما أدى لشلل شبه كامل لصادرات الهيدروكربون من الكويت وقطر والعراق، وصادرات السعودية، والإمارات، وعمان. إن إغلاق المضيق، حرم الأسواق العالمية من نحو (12-15) مليون برميل يوميًا، ما رفع أسعار النفط لتتجاوز (100) دولار للبرميل، وسط توقعات بوصولها إلى (150) دولارًا في حال استمرار الصراع.
أشارت وثائق استخباراتية، إلى تزويد روسيا لإيران بحوالي (5) آلاف درون قصير المدى، مصممة لمهاجمة القوات البرمائية، وأطقم السفن. تكمن خطورة هذه المسيرات، في قدرتها العالية ضد التشويش الإلكتروني. وبرز دور الدرون البحرية في المضيق، باستهداف ناقلة نفط قبالة سواحل عمان، في مارس 2026. امتدت التهديدات إلى زراعة إيران للألغام، في الممرات الملاحية، لذا أمر دونالد ترامب بتدمير، أي زورق إيراني يقوم بهذه الأنشطة. تعرضت في الأسبوع الأول من حرب إيران، أكثر من (1100) سفينة لتداخل ملاحي، وزاد خطر التصادم بين السفن التجارية. عاد اسم مجموعات “Handala Hack”، المرتبطة بوزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، بهجمات على مراكز بيانات “”AWS، في بعض دول الخليج، ما أدى لانقطاع الخدمات عن قطاعات الصحة والاتصالات.
– المخاطر على دول الخليج: دخلت منطقة الخليج إلى دائرة الصراع، بعد تعرضها لهجمات إيرانية. ونظرًا لموقع مضيق هرمز الجغرافي، أصبحت دول الخليج من أكثر الدول تضررًا من إغلاقه، حيث يحده من الشمال إيران، والجنوب سلطنة عمان ودولة الإمارات، ويربط الممر عند أضيق نقطة فيه، الخليج ببحر العرب. يمر النفط من دول الخليج مثل العراق والكويت وقطر والسعودية والإمارات عبر المضيق. يتم شحن حوالي (20%) من الغاز المسال العالمي عبر المضيق، وأغلبه من قطر. في 2024، صدرت قطر حوالي (9.3) مليار قدم مكعب يوميًا من الغاز، وصدرت الإمارات حوالي (0.7) مليار متر قدم مكعب يوميًا من الغاز.
تسببت حرب إيران في تراجع الإمدادات العالمية من الكبريت، وتمثل دول الخليج نحو (45%) من الإنتاج العالمي. ويعد مضيق هرمز ممرًا رئيسيًا لتصدير الأسمدة من الشرق الأوسط، بنحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، والواردات من المواد الغذائية والأدوات والإمدادات التكنولوجية للمنطقة. في منتصف مارس 2026، تعطلت (20%) من واردات المنطقة من الغذاء، مما أدى لارتفاع الأسعار بنسبة تتراوح بين (40%- 120%).
الجهود الأوروبية الحالية
– بعثات المراقبة البحرية: تمثل عملية أجينور، الذراع العسكري للمبادرة الأوروبية للتوعية البحرية في مضيق هرمز “EMASoH”، التي أطلقت في 20 يناير 2020، بقيادة فرنسا، وتهدف لحماية الملاحة وضمان المرور الآمن للسفن في مضيق هرمز، وتمتد شمالًا لمنطقة الخليج وجنوبًا لمنطقة المحيط الهندي قبالة سواحل عمان. تعتمد القيادة التكتيكية لعملية أجينور بشكل أساسي على مقر قوة متعددة الجنسيات. ويتناوب قائد القوة من (4-6) أشهر بين الدول الأوروبية المساهمة. وهي “بلجيكا، وهولندا، والدنمارك، وفرنسا، واليونان، وإيطاليا، والنرويج وألمانيا”. وشاركت البحرية الفرنسية في عمليات بالمنطقة مؤخراً.
تعد عملية أسبيدس مهمة بحرية دفاعية، أطلقها الاتحاد الأوروبي في 19 فبراير 2024، لحماية السفن التجارية في البحر الأحمر وخليج عدن من هجمات الحوثيين، التي جاءت ردًا على حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، بعد مباحثات أوروبية لإرسال قوة بحرية لردع الحوثيين. قرر المجلس الأوروبي، تمديد تفويض العملية حتى 28 فبراير 2027، مع تخصيص ميزانية بنحو (15) مليون يورو. تدور مباحثات داخل الاتحاد الأوروبي، لتوسيع مهام العملية، لتشمل مضيق هرمز. يقع المقر العملياتي في مدينة “لاريسا” باليونان، تحت قيادة الأدميرال “فاسيليوس غريباريس”.
– المبادرات الدبلوماسية: اعتمد مجلس الاتحاد الأوروبي في 30 مارس 2026، قرارين بتعديل ولايات العمليات البحرية للاتحاد الأوروبي، “أسبيدس” و”أتلانتا”، للمساهمة في حماية الملاحة بالبحر الأحمر والمنطقة المحيطة به. تتولى عملية أسبيدس، مهام جمع وتبادل المعلومات، حول الأنشطة المشبوهة بالبنية التحتية للغواصات، وبناء القدرات عبر تدريب القوات البحرية المتواجدة بالمنطقة.
تقود فرنسا وبريطانيا جهود إنشاء بعثة متعددة الجنسيات، لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز. وفي 25 أبريل 2026، اجتمع مخططون عسكريون، من (30) دولة لمناقشة آليات تنفيذ هذه العملية عمليًا وكيفية حماية السفن التجارية. تركز المقترحات المقدمة، حول عملية متعددة الجنسيات دفاعية بحتة، تركز على الدفاع بدلًا من استهداف المواقع البرية. تؤكد فرنسا وبريطانيا، على أن المهمة لن تنفذ إلا بعد التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب بين طهران وواشنطن. يقول يورغن إيهل، أميرال ألماني متقاعد ومستشار عسكري رفيع سابق بالاتحاد الأوروبي، إن “المهمة ستتضمن الرد على الهجمات بدلًا من شن هجمات”.
من المتوقع أن تتطلب العملية، فرقاطات أو مدمرات مجهزة بأنظمة دفاع جوي، وطائرات بدون طيار للكشف عن الألغام، والأنظمة غير المأهولة للكشف عن الألغام البحرية وتحييدها. أبدت ألمانيا وإيطاليا وهولندا استعدادهم للانضمام للمهمة. أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في 13 مايو 2026، أن بلاده ستطلق “مبادرة بالأمم المتحدة”، لاقتراح إطار تمهيدي لمهمة محايدة وسلمية، لضمان أمن الملاحة بمضيق هرمز مستقبلًا.
– حدود الفعالية: قد تتحمل الدول الأوروبية الثلاث “ألمانيا وفرنسا وبريطانيا”، المسؤولية العسكرية لدعم المهمة. أبدت ألمانيا استعدادها لإرسال سفن للاستطلاع البحري وإزالة الألغام، بشرط أن يوافق البرلمان. وأشار المستشار الألماني فريدريش ميرتس، إلى ضرورة وجود تفويض قانوني قبل أي عملية نشر. لدى فرنسا أصولًا بحرية كبيرة بالمنطقة، تشمل (8) سفن حربية، وحاملة طائرات وسفينتين هجوميتين برمائيتين. وقال إيمانويل ماكرون، إنه “يمكن إعادة توجيه جزء من القوات المتركزة حاليًا بالشرق الأوسط والبحر الأحمر”. وتوجهت حاملة الطائرات شارل ديغول، للتمركز في منطقة الخليج ودعم المهمة.
يقول بينس نيميث، المحاضر البارز في الدراسات الدفاعية بكلية كينجز كوليدج لندن، إنه “رغم امتلاك بريطانيا مدمرات متطورة، فإن جاهزيتها وتوافرها لا يزالان غير واضحين”. يشير بينس نيميث، إلى خطورة نشر القوات البحرية الأوروبية بالخليج، واستنزاف القوات الأوروبية، موضحًا أن أوروبا بحاجة للحفاظ على أصولها البحرية في بحر البلطيق وشمال المحيط الأطلسي، وأن المخاطر التشغيلية في الخليج كبيرة، ولا تضمن قدرات الدفاع الجوي الأمن بنسبة (100%)، خاصة مع مواجهة هجمات الطائرات المسيرة.
توضح إيفا بيسوفا، رئيسة برنامج اليابان في مركز الأمن والدبلوماسية والاستراتيجية في مدرسة بروكسل للحوكمة، أن ماكرون أوحى بأنه سيتولى قيادة المساهمة الأوروبية، في تأمين المضيق، ولكن هذا التحرك لن يتم سريعًا، وفي حال استقرار الأوضاع بعد وقف الحرب، ستظل المخاطر قائمة، منوهة إلى إمكانية تأسيس أوروبا لمنصة لتبادل المعلومات المتعلقة بالوضع البحري، لتفادي أي تصادم. بينما يؤكد يورغن إيهل، اللواء البحري الألماني المتقاعد، والمستشار العسكري الرفيع السابق للاتحاد الأوروبي، أن التعامل مع الألغام البحرية، يشكل أحد مجالات التخصص الألمانية، لامتلاك ألمانيا كاسحتي ألغام، و(10) سفن مخصصة لمكافحة الألغام، مشيرًا إلى أن نشرهم مرتبط بسلام مستدام، وأن نجاح توسيع عملية أسبيدس مرهونًا بوقف الحرب.
فرص إنشاء تحالف أوروبي – خليجي
– المصالح المشتركة: يجمع الاتحاد الأوروبي ودول الخليج مصالح استراتيجية متقاطعة. ويحتاج التكتل الأوروبي إلى مصادر طاقة متنوعة، بدلًا من الاعتماد على الولايات المتحدة بمفردها، وتكرار خطأ الاعتماد المطلق على مصدر طاقة أوحد، كما حدث مع روسيا. ويحتاج الخليج إلى تنويع مصادر التسليح والشراكات الأمنية، بدلًا من الاعتماد الكلي على الضمانات الأمنية الأمريكية، بجانب البحث عن خبرات في مجال الأمن السيبراني، لاسيما وأن حرب إيران كشفت عن خطر التهديدات السيبرانية.
دفع إغلاق مضيق هرمز، الجانبين الأوروبي والخليجي، لإعادة التفكير في العلاقات بينهما، استكمالًا للتفاهمات التي انطلقت، في قمة بروكسل 2024، وبدء حوارات أمنية وسيبرانية مشتركة. من المرجح أن تشمل المرحلة الأولى من التعاون (2024-2027)، بناء الثقة عبر تنسيق مكافحة الإرهاب والأمن البحري، والحوارات الأمنية والتقنية. وأن تتنقل المرحلة الثانية (2028-2032)، لإبرام الاتفاقيات الدفاعية وإطلاق تدريبات عسكرية مشتركة، وتخصيص موارد مالية لتطوير صناعة دفاعية مشتركة. وقد تعتمد المرحلة الثالثة على دمج القدرات عبر هيكل مؤسسي بين الجانبين.
– التكامل العسكري والتقني: لدى الجانبان الأوروبي والخليجي، فرصة للتكامل في المجالين العسكري والتقني. يمتلك الاتحاد الأوروبي، صناعات دفاعية قوية في أوروبا الغربية، مثل “رافال الفرنسية”، و”تايبان الإيطالية”، و”تكنولوجيا الطائرات بدون طيار” الأوكرانية المدعومة أوروبيًا، وتمتلك دول الخليج قوات مسلحة متطورة، تعتمد على تكنولوجيا غربية، مثل “طائرات إف- 16″ و”فرقاطات فرنسية”.
يشير هذا الوضع إلى إمكانية التكامل في التدريبات العسكرية والشراكة في صناعات الدفاع، حيث تقيم مجموعة “إيدج” الإماراتية، شراكات مع شركات أوروبية في قطاع الأنظمة غير المأهولة. وأطلقت شركة الصناعات العسكرية السعودية “SAMI”، مشاريع مشتركة مع شركاء أوروبيين. انطلق في أكتوبر 2025، “حوار الدبلوماسية السيبرانية” بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، وناقش الجانبان بناء القدرات والثقة في الفضاء الرقمي، وتأسيس منصة دائمة للنقاشات السيبرانية.
– الأطر الممكنة: يدور التعاون الأوروبي الخليجي في (3) أطر ممكنة، أولًا: التعاون الثنائي بين الدول، يتخذ شكل اتفاقيات وشراكات محددة بين دولة أوروبية ودولة خليجية، مثل “شراكات فرنسية مع السعودية أو الإمارات” أو “حوار ألماني كويتي”. يتميز هذا التعاون، في سهولة إبرام الاتفاقيات بما يتناسب مع كل دولة، وتجاوز أي انقسامات داخل التكتل الأوروبي، لتباين السياسات والقوانين الوطنية للدول الأعضاء.
ثانيًا: التعاون في إطار متعدد الأطراف، يرتكز على إشراك جميع دول التكتل الأوروبي، ودول مجلس التعاون الخلجي، عبر الهيئات القائمة مثل المجلس المشترك وبرامج العمل المشتركة. يتميز هذا التعاون، في تحقيق شراكة أوسع وأشمل، وتوزيع الأعباء عبر حكومات وموارد مالية متعددة، بجانب وجود رؤية مستقبلية طويلة الأمد. يعد الاتحاد الأوروبي ومجلس الاتحاد والمفوضية الأوروبية ومجلس التعاون الخليجي، الفاعلون الرئيسيون في التعاون.
ثالثًا: التعاون في إطار الناتو، يشمل الاستفادة من مبادرة “إسطنبول” للتعاون القائم بين الناتو ودول الخليج منذ 2004، تتيح المبادرة منصة للتعاون الأمني البحري، والسيبراني، وإعادة بناء القدرات الدفاعية تحت مظلة الناتو. يتميز هذا التعاون في وجود مكتسبات أكثر، بجانب الفائدة الرمزية من الشراكة عبر الأطلسي. يعد الفاعلون الرئيسيون، هم القادة العسكريون بالناتو ومجلس التعاون الخليجي.
التحديات أمام التحالف الأوروبي الخليجي
– اختلاف العقيدة العسكرية: تركز العقيدة العسكرية الأوروبية، على تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، وزيادة الإنفاق الدفاعي، ومواجهة التهديدات الهجينة من الصين وروسيا، وتعتبرها التهديد الأول لأمن أوروبا. تستهدف دعم الأمن السيبراني والدفاع الجماعي بشكل مستقل عن واشنطن. تعمل أوروبا بنظم متداخلة خاصة، تحتاج إلى معايير محددة وتدريبات مشتركة، وتواجه أزمة تمويل لتفعيل صناعة دفاعية مشتركة. بينما تعتبر دول الخليج، إيران مصدر التهديد الأول لأمنها. ولدى دول الخليج، أسلحة متنوعة ما بين أمريكية، وفرنسية، وبريطانية. وتمتلك وفرة مالية وميول استثمارية متنوعة في مجال التسليح.
– التباين السياسي: تختلف نظرة أوروبا عن الخليج تجاه حرب إيران. وعارض أغلب الأوروبيين الحرب، مرجحين الدبلوماسية أكثر من الحل العسكري. أكد قادة ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، أن هذه الحرب لم تتم استشارة أوروبا فيها، وأن أهدافها غير واضحة. كانت أوروبا حذرة من الانخراط في أي تصعيد عسكري. بينما يرى الخليج في هجمات إيران، دليلًا واضحًا على الاستمرار في سياسة زعزعة الإقليم، واستخدام الوكلاء والطاقة والممرات المائية، لتهديد أمن دول الجوار.
– رد فعل إيران: ترى إيران، أي تحالف أوروبي خليجي، عاملًا معاديًا سيهدف للحد من تأثيرها، ما قد يدفعها لمزيد من الأنشطة الاستفزازية في مضيق هرمز وضد دول الخليج. وأعلنت الإمارات، في 4 مايو 2025، التصدي لتهديدات صاروخية من إيران، رغم سريان هدنة وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. يقول غريغوار روس، مدير برامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في تشاتام هاوس، إن “تجربة مشاركة بريطانيا وإسبانيا في حرب العراق بجانب الولايات المتحدة، قبل مواجهة موجة من الهجمات الإرهابية في عامي 2004، و2005، دفعت الدولتان للحذر من الانجرار لهذه الحرب، لاسيما وأن تكلفة حرب العراق كانت باهظة”.
السيناريوهات المستقبلية
– سيناريو تحالف محدود لحماية الملاحة: طرحت دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا، إمكانية القيام بعمليات دورية في مضيق هرمز وبحر عمان، لمرافقة السفن التجارية وحماية ممرات الملاحة وإزالة الألغام. في حالة حدوث هذه المهمة، ستصبح مهمة مشتركة أوروبية خليجية، في إطار الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة. أكد مسؤولون أوروبيون، على استعدادهم للمساهمة في جهود ضمان المرور الآمن بالمضيق. يصبح السيناريو مرهونًا، بوقف إطلاق نار شامل وإعادة فتح المضيق، ما يلزم دول خليجية وأوروبية، بوضع خطط لتأمين النقل البحري وعودة حركة السفن، وتبدأ الخطط في غضون (3-6) أشهر من وقف الحرب. تعد فرصة حدوث السيناريو متوسطة، في ظل تعثر مسار المباحثات.
– سيناريو تحالف دفاعي أوسع: يرتكز هذا التحالف، على انضمام جميع دول أوروبا بجانب دول الخليج، والولايات المتحدة، في تحالف دفاعي أوسع. ويشمل بنود دفاع مشترك تشمل مجالات الأمن البحري والجوي والبري، بجانب الأمن السيبراني. ويعتمد على أنظمة إنذار مبكر، وصواريخ دفاع جوي مشتركة، تحسبًا لأي تهديدات إيرانية محتملة. يتحقق هذا السيناريو، في حال وقف الحرب، وتوافق أوروبا وواشنطن على مهمة دفاعية موحدة. تصبح فرصة حدوثه ضعيفة لتباين الرؤى بين ضفتي الأطلسي، تجاه حرب إيران وطبيعة المهمة بالمضيق.
– سيناريو استمرار الوضع الحالي: يتجه هذا السيناريو، إلى بقاء قواعد الاشتباك في مضيق هرمز كما هي، دون تأسيس تحالف عسكري رسمي بين أوروبا والخليج. وتظل دول الخليج معتمدة على دفاعاتها، في تأمين المضيق، بجانب دعم محدود من أوروبا وواشنطن. تستمر أوروبا في جهودها الدبلوماسية لاحتواء الوضع. في حال حدوث هذا السيناريو، ستزداد الأعباء الاقتصادية على دول الخليج وأوروبا، ما قد يدفعها لتسريع مشروعات بديلة للمضيق، مثل “ممر الهند- الشرق الأوسط- أوروبا”. يصبح هذا السيناريو وارد الحدوث.
تقييم وقراءة مستقبلية
– بات المشهد في مضيق هرمز أكثر تعقيدًا، مقارنة ببداية حرب إيران، نظرًا لأنه أصبح ضمن أوراق الضغط لدى واشنطن وطهران، ما أدى لتغير المعادلة العسكرية وانتقال الحرب من مرحلة المواجهات المباشرة جوًا، إلى المواجهات البحرية ومعركة “تكسير العظام” عبر استخدام الطاقة والاقتصاد والممرات البحرية، كسلاح في الصراع، الأمر الذي يدفع لسيناريو شديد السوء يرتبط بتدهور الاقتصاد العالمي، وتهديد أمن الطاقة العالمي.
– أصبح أمن مضيق هرمز مرتبطًا، بعودة المباحثات وإمكانية اختراق حالة الجمود، التي تمر بها المفاوضات بين واشنطن وطهران. وتعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبكين، نقطة محورية في مسار هذه المباحثات، خاصة وأن الصين فتحت قنوات اتصال بين طرفي المفاوضات، دون الإعلان بشكل رسمي، وستصبح الأيام المقبلة حاسمة في دور الصين بشأن مسألة الحصار الأمريكي والإيراني للمضيق، وفرص تقريب وجهات النظر بين طرفي الصراع.
– من المتوقع أن تتوسع أوروبا والخليج، في الشراكة في مجالات الأمن السيبراني والبحري، لتأمين حركة الملاحة وحماية البنية التحتية الحيوية بالممرات المائية، لاسيما وأن أوروبا متفوقة في هذا المجال، بحكم خبرتها في البحر الأسود وبحر البلطيق، في ظل التهديدات الروسية.
– من المرجح أن تتجه دول الخليج، إلى تنويع شراكاتها في مجال التسليح، مع الشركاء في الغرب وروسيا والصين، تحسبًا لأي متغيرات جيوسياسية وأمنية، وتفاديًا لأي تحديات سياسية ولوجستية وقانونية، في الشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
– سيعمل الاتحاد الأوروبي على مناقشة الخلافات الداخلية، المتعلقة بمسألة الدفاع والأمن، والتي قد تعيق إبرام اتفاقيات دفاعية وأمنية مع دول الخليج. ومن المحتمل الاعتماد على التعاون في إطار ثنائي، لتسريع عملية تأمين حاجة الجانبين الأوروبي والخليجي، من إمدادات الطاقة والغذاء والسلع عبر الممرات المائية.
– قد تنعكس المخاوف الأوروبية، بشأن إعادة توزيع القدرات البحرية بين بحر البلطيق والبحر الأسود والخليج العربي، على طبيعة أي مهمة أوروبية محتملة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز. ومن المرجح أن تقوم فرنسا بدور قيادي في أي انتشار بحري أوروبي بالمضيق، بدعم بريطاني مباشر، في حين قد تركز ألمانيا على الأدوار اللوجستية. وقد تفرض حرب أوكرانيا على أوروبا، تجنب استنزاف قدراتها البحرية في أكثر من مسرح عملياتي في وقت واحد.
– تمثل المصالح الخليجية الأوروبية المشتركة، نقطة رئيسية في تأسيس تحالف لحماية الملاحة الدولية والأمن الإقليمي، في ضوء تأكيد فرنسا على استعداد أوروبا للقيام بالمهمة في المضيق، وإبداء دول الخليج استعدادها للمشاركة، لكن ستظل أيضًا المخاوف من اتساع رقعة الصراع، ورد فعل إيران بشأن هذا التحالف، عائقًا أمام تأسيسه. لذا من المتوقع أن تتحايل أوروبا ودول الخليج على الموقف، وأن يكون التعاون غير معلن، في إطار تعاون متعدد الأطراف، لضمان توزيع الأعباء السياسية والأمنية والموارد المالية، على الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي.
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
