عبدالسلام الفقهي ((ليبيا ))
شبكة المدارالإعلامية الأوروبية…_لا يستلهم الفنان مختار دريرة أفكاره وخطوطه وألوانه من ذائقته الإبداعية فقط بل رافد ذلك فيض من القراءات واستحضار التاريخ وجسر متين من وثائق شفوية تلقفتها الذاكرة عبر عمره المديد وورقية ترقد باطمئنان في مكتبته الطرابلسية.
وفي معرضه (من الأندلس إلى طرابلس) تظهر لوحاته جزء من عبق المدينة حيث التاريخ يتوسد الأزقة والناس والجدران والبيوت مستسلما للخيال الذي يعيده في كل مرة متوشحا بالشجن وموسيقى من صدى همسات العابرين منها وإليها.
لذا كانت ضربات الريشة محاولة في فهم طبيعة هذا التمازج الممهور بتوقيعات الرحالة والمستشرقين ونفائس الموريسكيين وحتى عبثية الغزات والمستعمرين وسطوة السلاطين خلال خمسمئة عام.
كيمياء الترميم المتخيل
لوحات المعرض تتوزع في أكثر من اتجاه أبرزها بورتريهات الوجوه والثانية دمج بين أقوال مأثورة مع رسوم لحيونات وطيور أو نباتات، وما يميز الأشكال المذكورة أيضا تطعيمها بحياة داخلية أخرى هي أشبه بخيالات أشجار صغيرة أو ضربات حبر على شكل دوائر وخيوط تبصر في تباين لوني يمنحها شكلا أقرب للمنمنمات.
وربما أراد الفنان من هذه الخلطة خلق تصور نفسي للحياة التي نعيشها أحيانا دون أن ندرك فلسفتها ودون أن نعرف أن الكثير من الأحداث التي قد تبدو عادية جدا وفي داخلها يختمر شيء آخر لذا علينا أن نتوقف قليلا للتحدث معها عبر الحديث مع أنفسنا والإنصات إلى هسيسها لاسترجاع بعض من إنسانيتنا المتبخرة في عنف تدافعنا المتوحش.
في لوحات الوجوه نلحظ الوجوه وجوم وحيرة وتأمل وارتباك من شفاه وأنوف وشوارب وعيون تناظر شيئا ما يختبئ في المستقبل، وهو تدريب عملي على إمكانية إعادة تعريف مفهوم الجمال لا في شكله التقليدي بل تذوقه في قالبه البدائي البسيط حيث تبدو فيه الملامح أقرب إلى أقنعة تستل نماذجها من خزانة التاريخ.
وتضعنا الخطوط في مواجهة مباشرة معها خارج التفاصيل بعيدة عن أي صيغة تعريفية لمعنى وجودها على هذه الصورة، ويصبح على المخيلة كجزء من التدريب التحليلي المشار إليه إكمال نصفها الآخر وترميمها بما يلائم ذائقة المتلقي وبذا تنبثق عن تلك الوجوه وجوه أخرى وسلسلة من الإضافات والتكميليات الجمالية والتفسيرية داخل مخيلة كل منا، إنه سحر كيمياء الترميم المتخيل.
لغة الحياة المفقودة
من جانب آخر تقودنا خطوط الفنان مختار دريرة إلى لغة مشتركة فقدناها مع الطبيعة هي لغة التعايش، فالنخيل والأسماك والحيوانات مفردات الترميز إلى الفجوة الحاصلة في نظامنا (هيومن ايكولوجي) ووضع أسئلة عن نسبة التفاعل بين الإنسان وبيئته.
كما تضعنا رسوم النخيل عند جذور العلاقة مع شجرة ارتبطت بوجداننا دينيا واجتماعيا وثقافيا تماما كما تقدم لنا مرموزية الطيور والأسماك نسخة تأكيدية على قدسية التواصل مع كائنات لها جذور في أبجديات سلمنا البيئي وفي ثقافتنا الشعبية على هيئة مجسمات وقلائد وفي موروثنا الشفوي أيضا فهي مصدر إلهام لحكايا الجدات ومحور الأحداث فيها.
يستعين دريرة في تلك الخطوط بشيء من العفوية والمباشرة التي تحيلنا إلى احتضان واحتفاء بالحياة وتنوعها وجمالية أثرها في الخيال البصري، لكنه يرفد ذلك التنوع بمسحة مكانية يبرقها في بعض اللوحات وهي قباب المساجد علامة الأثر المكاني في مخيلة الرسام ومنابت النشأة، ولن تكون إلا قباب ومآذن المدينة القديمة حيث رافق دريرة حضورها الدائم مارا بجانبها أو متأملا عن قصد بعض تفاصيلها أو مصافحا لها مع دخوله المسجد للصلاة.
التاريخ والمكان والرسم
ربما يتساءل البعض أحيانا أيهما الأساس في شخصية مختار دريرة؟ شخصيته البحثية الشغوفة بالتاريخ والأرشفة أم الفنية المحتفية بالصور والرسم واقتناء اللوحات، وقد لا نجد فارقا يذكر إذا ما أردنا النفاذ إلى عالم دريرة فكلاهما من وجهة نظري وجهان لعملة واحدة، القراءة رافدا للخيال الفني والفن ملهم للبحث أكثر في تفاصيل الواقع المترجم بالريشة.
وقبل كل ذلك كان لا بد للمخيلة أن تنهض على حلم، حلم الطفولة، ثم الشباب، ثم حلم المستقبل، وهي عبر هذه الرحلة من الأحلام تحاول الإجابة عن سؤال الذات: من أنا؟ وكان هذا جزءا من فسيفساء رحلة دريرة مع نفسه وهو يشق طريقه بين الكتب والرسم، كما أنه يمثل في ذلك نموذجا لسيرة الإنسان الذي يتقوى بالأحلام والشغف. **
شبكة المدار الإعلامية الأوروبية …_
